يطرح مع الذكرى السنوية الاولى للهجمة الارهابية على الولايات المتحدة الأميركية، التساؤل عما إذا كانت الصدمة التي شملت العالم كله قد عززت قوة أكبر دولة عظمى في العالم، أو أن أميركا ذاتها ما زالت، بعد مرور عام على ذلك الحدث، تقبع في «نقطة الصفر» التي انطلقت منها لمحاربة «مسار الشر»؟ عندما نزلت الصدمة بأميركا، أعرب قرابة 100% من الشعب الأميركي عن دعمه للرئيس بوش، وغمرتها بتأثر شديد، العناوين الرئيسية لصحف شتى أنحاء العالم التي كتبت «كلنا أميركيون». ولم يمض إلا عام واحد حتى اضمحل كل التضامن الدولي والداخلي الضخم. في هذه الأيام، يحاول الرئيس الأميركي، يائساً، عبر محادثاته الهاتفية، تجنيد قادة العالم لدعم الهجوم المخطط على العراق، وشعبيته في الاستطلاعات في انخفاض مستمر، بل أن المبدأ الذي يقول إنه لا يتم مهاجمة الرئيس في حالة الطوارئ، بات يتبخر حتى بين مقربيه. وإذا كانت اللهجة الحماسية التي أظهرها بوش بعد الكارثة، قد بهرت الشعب الأميركي وسكان العالم، فقد باتت ادارته، اليوم، أشبه بمن يصفر في الظلام. يصعب التحدث عن استخلاص العبر بعد مرور عام واحد، سيما أن علينا أن نأمل بأن تتحول الأبراج التي بناها بوش، في هذه الأثناء، في الفضاء فقط، إلى خطة ناجعة. لكنه يمكن التحدث عن عبر تتعلق بنا، أيضاً. منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 تبنى المصالح الدولية على شاكلة عروة، ويكفي وجود فقرة ضعيفة واحدة حتى تنهار السلسلة كلها. فالدولة التي تتصرف بعنجهية، تماماً مثل القردة الثلاث ـ لا تتشاور ولا تسمع ولا ترى - تجد نفسها في ساعة الاختبار في عزلة شديدة من دون أي رصيد، وبدل أن يتم التعامل معها كمدافع عن سلامة العالم، يشتبه بأنها تشكل خطراً عليه وتستصعب إقناع شركائها المحتملين بأن طريق تحقيق العدالة التاريخية لا يقود إلى ارتكاب خطأ تاريخي. في ختام كل ساعة نعمة، تصل ساعة إجراء الحساب. لهجة الاصرار تصلح لأيام الحداد، فقط. وبعد الفوضى الرهيبة تصل لحظة الحقيقة التي يطالب فيها القائد بتقديم الحساب. وعليه، عندها، التوقف عن رواية الحكايات واظهار ما تم عمله فعلا. لأنه لن يتمكن من مواصلة التستر وراء الميراث السيء الذي خلفه من سبقوه، أو المصاعب التي فرضت عليه، إنما سينبع الاختبار الوحيد الذي سيعزز مكانته ويسمح بخطواته المقبلة، من المقياس العملي لما حققه من فشل وإنجاز، وكذلك اعتماداً على وجود أو غياب خطة سياسية تكون عادلة وقابلة للتطبيق. فالقيادة السارية المفعول لا يمكن استخلاصها، فقط، من مفعول الرسائل الصارمة. وقد تعاملت أميركا وأوروبا مع انعقاد المجلس التشريعي الفلسطيني، بعد سنة ونصف السنة من الشلل، كخطوة مهمة نحو دفع عملية الإصلاحات والمبادرة إلى تعيين رئيس حكومة فلسطيني. لكن النتائج المخيبة لجلسة المجلس، فيما يتعلق بموضوع الاصلاحات، تعلمنا أن موافقة شارون على السماح بانعقاد المجلس، أنقذت إسرائيل من حماقة سياسية زائدة. إذا تعاملنا مع الأمر من منطلق مفاهيم الربح والخسارة، فسنجد أن حقيقة السماح بانعقاد المجلس وفرت لاسرائيل فرصة الظهور كمن تدعم دفع الاصلاحات إلى الأمام، بدل المخاطرة بأن يتم اتهامها بوقف هذه الاصلاحات. ومن المؤسف أن شارون، وكالعادة، لم يصمد أمام الاغواء وأضاف إلى الغاء معارضته التفسير الذي يميزه، بقوله «من الواضح أن الحديث لا يجري عن حدث مهم». ففي كلماته هذه، قلص رئيس الحكومة، مسبقاً، الربح الذي كان يمكن تسجيله، لصالح إسرائيل في المعركة الاعلامية والشكلية مع الفلسطينيين. لقد فوت بذلك فرصة مضاعفة قوامها الوقوف علانية في الجانب الصحيح من الملعب، والاثبات للحكم الدولي بأن الفريق الفلسطيني لم يقصد هذه المرة، أيضاً، التفوق عليه.