عندما اصطدمت رحلة خطوط بشكيريان الجوية رقم 2927 بطائرة نقل للبضائع فوق جنوب المانيا في يوليو الماضي تصدرت عناوين صحف اليوم التالي انباء مصرع الواحد وسبعين راكباً، الذين كانوا على متن الطائرتين وهذا هو على وجه الدقة المصير الذي يخشاه كل مسافر بطريق الجو، لكن هناك مخاطر اقل وضوحاً وكلها يسمع عنها الناس في وسائل الاعلام، فالنوبات القلبية وصعوبات التنفس وجلطات الاوردة العميقة وحالات طبية اخرى تحدث خلال السفر جوا وتتسبب بعدد من الوفيات يوازي حالات الوفيات الناجمة عن اصطدام الطائرات. ومع ذلك فقد اخذ تحقيق اجرته مجلة «نيو ساينتست» ان العديد من شركات الخطوط الجوية تقصر في اتخاذ خطوات بسيطة من شأنها انقاذ ارواح العديد من الضحايا، ويمكن القيام بذلك بتزويد الطائرة بمعدات طبية لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف الدولارات. ولاعطاء المسافرين الذين يواجهون متاعب صحية فرصة للمقاومة، يحتاج الاطباء الى توحيد معايير التجهيزات الطبية، بحيث تحتوي كل مجموعة على تجهيزات مثل اجهزة ضبط نبض القلب وجهاز تخطيط القلب الكهربائي ومقياس الاوكسجين الذي يراقب كمية الاوكسجين في الدم، ويقول فارول خان، من معهد صحة الطيران، وهو جمعية خيرية مقرها في اكسفورد تروج للعناية بصحة المسافرين: «اذا اخذنا بعين الاعتبار الاموال الطائلة التي تنفقها صناعة الطيران على امن طائراتها، نجد ان تكلفة تحسين مواصفات التجهيزات الطبية زهيدة للغاية». يمكن للسفر جواً ان يتسبب بالاجهاد الشديد للمسافرين الذين عليهم مواجهة بعض المصاعب في حمل الامتعة الثقيلة والوقوف في الطوابير المزدحمة عند نقاط العبور في المطارات، فضلا عن التغيرات السيكولوجية الناجمة عن عامل الارتفاع. وبرغم تكييف ضغط الطائرات إلا ان ضغط الهواء داخل الطائرة يكون عادة اقل من الطبيعي ويوازي في معظم الاحيان الضغط على ارتفاع يتراوح بين 2000 و2400 متر «هذه كلها عوامل خطر معروفة على الصحة القلبية» كما يقول بيتر ليمان، استشاري الحوادث والطواريء في مستشفى سين توماس بلندن. وقد خلصت دراسة اميركية الى ان خطر الموت على طائرة اكبر بعشرين مرة من خطر الموت على الارض. واذا تعرض المسافر لانهيار صحي على الطائرة، فإن جودة العلاج الذي سيتلقاه لاتزال تعتمد على الحظ الى حد كبير. سوف يسأل قائد الطائرة عما اذا كان هناك طبيب بين المسافرين والاحتمالات هنا هي 50% تقريباً لكن حتى لو كان المريض محظوظاً فإن الطبيب المسافر قد لا يمتلك الخبرات الملائمة، فلو كان الطبيب مختصاً بالامراض الجلدية، ربما تكون الحادثة اول حالة نوبة قلبية يتعامل معها منذ ايام الدراسة. كما ان جودة الرعاية الطبية تعتمد الى حد كبير على التجهيزات الطبية المتوفرة على متن الطائرة ليس هناك معيار دولي موحد في هذا الموضوع: فمعايير الخطوط الجوية الاميركية تضعها ادارة الطيران الفدرالية، وفي اوروبا تحدد المعايير من قبل سلطة الطيران المشتركة، التي تضم في عضويتها سلطات الطيران المدني لبلدان اوروبية مختلفة. ويقول وليام توف اختصاصي امراض القلب في جامعة لايستر البريطانية والذي له اهتمامات خاصة بطب الطيران، اعتقد ان اهم قضية في هذا السياق هي انعدام التنسيق والتناغم على المستوى الدولي. اذ ليس هناك توحيد لمعايير تركيز وتركيبة العقاقير الواجب توفرها على متن الطائرة، وليس هناك معلومات ارشادية للاطباء الذين قد يرتكبون اخطاء كبيرة في تحديد الجرعات الدوائية بسبب عامل الضغط والمفاجأة. بشكل عام، فإن الحد الادنى في معايير التجهيزات الطبية الجوية في اميركا واوروبا اعلى مما هو عليه في العديد من البلدان الاخرى، لكن اداة قياسية في اي مجموعة طبية وهي سماعة الطبيب لا تعمل على متن الطائرة بسبب خلفية الضجيج الدائم، ولذلك فهي «عديمة النفع عملياً»، كما يقول جراهام كريسويل خبير المسئولين الطبيين في خطوط بريتش ميرلاند الجوية. ومع ان جلطة الأوردة العميقة، أو بات يعرف بعارض الدرجة السياحية، هي المشكلة الصحية اكثر شهرة من بين المتاعب المقترنة بالطيران، فان النوبات القلبية وآلام الصدر هما السببان الاكثر شيوعا لتحويل مسار الطائرات لاجل الهبوط الاضطراري في اقرب مطار. وتلزم ادارة الطيران الفيدرالية كافة الطائرات الاميركية المسافرة في رحلات دولية بحمل اجهزة طوارئ، اتوماتيكية للعلاج اي مريض يتوقف قلبه خلال الرحلة، لكن لن يتم الزام شركات الطيران بحمل هذه الاجهزة في الرحلات الداخلية القصيرة مثل نيويورك ـ واشنطن حتى ابريل عام 2004. وفي أوروبا ليست هناك انظمة تلزم الطائرات بحمل هذا الجهاز الهام، وان كانت معظم طائرات الرحلات الطويلة تحمله مع تجهيزاتها الطبية. وقد بدأت الخطوط البريطانية «بريتش ايرويز» بحمل اجهزة ضبط النبض قبل ثلاثة أعوام. ومنذ ذلك الحين، استخدمت تلك الاجهزة في علاج خمسة مرضى، بحسب نيجل داودال، استشاري الشركة للشئون الطبية، وبرغم ان النوبة القلبية غالبا ما تكون قاتلة، فان المرضى الخمسة غادروا الطائرة احياء وان كان ثلاثة منهم فارقوا الحياة في المستشفى. وتقوم سلطات الطائرات الاوروبية حاليا بمراجعة محتويات مجموعة التجهيزات الطبية الجوي لكن ادارة الطيران المدني البريطانية تقول ان المراجعة لا تتضمن بند الزام الطائرات بحمل اجهزة ضبط نبض القلب. لكن جميع الطائرات، كما يشير توف، ملزمة يحمل ستر نجاة لجميع الركاب في حل هبطت الطائرة اضطراريا في البحر. ويقول توف: «يندر ان تستخدم هذه السترة، لكن لا أحد يجادل حول ضرورة توفيرها على أساس التكلفة. في حين ان اجهزة ضبط نبض القلب تنقذ على الارجح عددا اكبر في الارواح. والسلطات المختصة تتعامل معها بشيء من اللامبالاة. لكن داودال يرى ان حمل المزيد من أجهزة المراقبة الطبية على متن الطائرة لن يؤدي بالضرورة الى تحسين الرعاية الطبية. فنصف حالات النوبات القلبية المشتبه بها على متن الخطوط البريطانية يتبين لاحقا انها غير حقيقية. وفلسفة الطائرة تقوم اساساً على تحويل مسار الطائرة في حال وجود اي حالة يشتبه في انها خطيرة لعلاج المريض على الارض. ويقول سيمون براون رئيس شركة «هيلكس انترناشيونال» المختصة في اعادة البريطانيين الذين يمرضون في الخارج في ارض الوطن، انه من دون توفر بيانات طبية موثوقة يصب الحكم على مدى خطورة الحالة الطارئة. ويروي براون قصة رجل اصابه الم في الصدر بعيد اقلاع رحلة جوية من فلوريدا الى فرانكفورت. وقرر طبيب كان على متن الطائرة ان الحالة ليست خطيرة وتابعت الطائرة رحلتها. وقبل نهاية الرحلة، اصيب الرجل بنوبة قلبية. ولحسن الحظ انه نجا منها، وعاش ليقاضي شركة الخطوط الجوية لتقصيرها وعدم رجوعها الى فلوريدا فور ابلاغه عن ألام الصدر. لكن بعض الخطوط الجوية تذهب الآن الى ابعد ما تتطلبه الانظمة الملزمة من اجل تحسين مستوى الرعاية الصحية على متن الطائرات. ومنذ شهر مايو الماضي بدأت جميع طائرات شركة «بريتش ميدلاند» العابرة للاطلسي انطلاقا من مانشستر في حمل نظام مراقبة طبية يدعى «تمبوس 2000» يجمع بيانات اشارت المريض الحيوية مثل ضغط الدم ومستويات الاكسجين في الدم والتنفس. تستطيع هذه البيانات مجتمعة المساعدة في تشخيص جلطات الدم في الرئتين. ويتضمن النظام وصلة فيديو تبث الصور الى شركة «ميدي كير» الطبية الموجودة في اريزونا بالولايات المتحدة تتيح للاطباء على الارض رؤية المريض مباشرة. وامتنعت شركة «بريتش ميدلاند» عن الكشف عن تكلفة الجهاز. لكن كريسويل قال: «اذا ساعد الجهاز في انقاذ حياة مسافر واحد عندها لن يكترث احد بموضع التكلفة». علي محمد