يعد الكتاب بحسب اجماع الكثير من المهتمين، بالاصدارات العالمية، الماثل بين يدي القاريء من اهم الكتب التي صدرت هذا العام، وتكمن اهميته في انه يؤرخ ويحلل ويستقريء مستقبل الاسواق بشكلها العام، وفي جميع صورها، وبمختلف نطاقاتها وعلى جميع المستويات، وهو بهذا المفهوم لا يمكن الا ان يكون مثار اهتمام الناس جميعا، فمن منا لم يذهب الى الاسواق بائعا او مشتريا او على الاقل متفرجا؟ ويكتسب الكتاب اهميته ايضا من مؤلفه جون ماكميلان الباحث الاقتصادي المعروف، واستاذ كرسي جوناثان بي لاغليس بجامعة ستانفورد، والذي يعد من اشد انصار تحرير الاسواق حماسة. اذن، فنحن امام كتاب قيّم، لكاتب متخصص، تعرض لموضوع يهمنا جميعا ويهم كل قاريء في كل مكان وهو يقع في 278 صفحة من القطع الوسط، وقسمه المؤلف الى 17 فصلا من اهمها فصل بعنوان «الاقتصاد الطبيعي الوحيد» وآخر بعنوان «انتصارالمخابرات» وفصل ثالث بعنوان «مطلوب تحرير المعلومات» ورابع بعنوان «الامانة افضل سياسة» لكن الاهمية ـ بالطبع ـ لا تقتصر على هذه الفصول وحدها. ويتعرض الكتاب للمشكلات التي تصادف الاسواق، ويضع لها الحلول المناسبة، وذلك بتحليل علمي دقيق، يرصد ماجرى، ويحلل ما حدث، ويصل الى ما يجب ان تؤول اليه الاوضاع في اي سوق. ومنذ الصفحة الاولى للكتاب يعرف الكاتب نفسه من دون مواربة بانه من اشد انصار الاسواق المفتوحة، ومن اكبر المتحمسين لها، ويجد نفسه في متعة شديدة وهو يطوف بنا في جولة ممتدة عبراسواق العالم، ويجد القاريء في نفسه متعة مماثلة عندما يكون مرشده في هذه الجولة رجلاً عالماً ببواطن امور العمل الذي يقوم به، رجلاً خبيراً بالاسواق. فهو يقدم لنا على سبيل المثال اطلالة على سوق «السامير» للزهور في هولندا، التي تعد من اهم واضخم اسواق الزهور في العالم وكذلك اقدم سوق للجمال في العالم والموجودة في راجستان بالهند. ويشير الكاتب الى ان سوق السامير يضم ثلاثة ملايين زهرة من زهور الخزامى ومثلها من زهرة الاقحوان وثمانية ملايين زهرة اخرى من انواع مختلفة، ويبلغ عدد التجار الذين يرتادونها يوميا الفي تاجر، ويبلغ اجمالي مبيعاته عشرين مليون دولار يوميا. وتلك معلومات مهمة، بلا شك، وارقام مثيرة بلا جدال، يسوقها الكاتب في معرض حديثه عن اهمية الاسواق ربما يقرأها الكثيرون منا لاول مرة. ويفسر المؤلف اهمية الاسواق بقوله انها تعطي الناس قوة تشجعهم على صنع القرار بحرية كاملة وبطريقة ذاتية للغاية، ذلك ان الاسواق هي وعاء للانتاجية ومؤشر للكفاءة يجعل الموارد تتدفق الى افضل مكان يمكن توظيفها فيه وهي اي الاسواق مرنة بطريقة لا يضاهيها فيها اي نظام مركزي مخطط. ومن الجلي ان الاسواق بجميع انواعها مهمة للغاية للدول الفقيرة بالقدر الذي تكتسب فيه الاهمية ذاتها بالنسبة للدول الغنية فبالنسبة للدول الفقيرة تعد الاسواق الطريق الذي يمكن الاعتماد عليه للتخلص من الفقر اما بالنسبة للدول الغنية فهي جزء لا غنى عنه لدعم مستويات المعيشة فيها. في البدء كانت السوق ومن منظور المؤلف فان الاسواق هي نتاج البشر، وهم صانعوها وما اجتمع رجلان الا كانت السوق ثالثهما فهما اذا التقيا فلن يمر وقت طويل قبل ان يفكر احدهما فيما يبيعه للآخر. ويؤكد ماكميلان ان الاسواق تنشأ تحت وطأة الظروف الصعبة او القاهرة ويسوق على ذلك عدة امثلة، فمثلاً هناك ابناء رواندا الذين كانوا يعيشون في مخيمات اللاجئين في اعقاب الحرب الاهلية التي اندلعت في بلادهم، وقد استطاعوا ان يجدوا الوسائل التي تجعلهم يبادلون المواد الغذائية لقاء السلع والبضائع الاخرى وهناك اسرى الحرب البريطانيون في الحرب العالمية الثانية الذين كانوا يقايضون المواد الغذائية التي تقدمها لهم وكالات الاغاثة الدولية فيما بينهم متخذين السجائر كشكل من اشكال العملة. وربما تكون الاسواق قد نشأت بطريقة عفوية كأحد آلات محاربة الفقر، الا انه مع تطورها اصبحت اكثر تعقيداً فهي الآن تحتاج الى قواعد وقوانين وهياكل حتى يكون اداؤها مناسباً لأهميتها وحجمها تماماً. احياناً تأتي هذه القواعد والقوانين من جانب المشاركين في الاسواق، اي التجار انفسهم، الذين يعملون معاً من اجل تحقيق مصالحهم واهدافهم المشتركة. ويسوق المؤلف مثالاً على ذلك، حيث يقول ان تجارة الماس في مدينة نيويورك يسيطر عليها ويتحكم فيها نادي تجار الألماس، كما ان سوق نيويورك للاوراق المالية التي نشأت في نهاية القرن الثامن عشر اقتصر العمل فيها على 24 سمساراً فقط، حيث اكتشفوا ان السماسرة الذين يأتون الى البورصة على هواهم وفي الاوقات والمناسبات التي تروق لهم كانوا يساهمون في تشويه الاسعار الحقيقية للاوراق المالية، وبالتالي يقاسمونهم في العمولات التي يحصلون عليها. وهو يؤكد انه على الرغم من تدخل جماعات المصالح في ادارة شئون الاسواق مثل التجار والسماسرة وغيرهم، الا انه يرى ان اهم منظم للاسواق يتمثل في الدولة، حيث يؤكد ان الاسواق يمكن ان تحقق اقصى استفادة منها فقط اذا ما وفرت الحكومة البنية الأساسية المطلوبة ويحدد المؤلف 5 شروط يجب ان تضمنها الحكومة اذا ارادت للأسواق ان تزدهر: 1- تدفق المعلومات بحرية تامة. 2- الثقة المتبادلة بين الناس. 3- ضمان وجود المنافسة. 4- حماية حقوق الملكية. 5- التحكم في الآثار الجانبية مثل التلوث. ويؤكد المؤلف انه بدون تدخل الحكومات فإن الأسواق ستعود إلى سيرتها الأولى، وهي عقد الصفقات الثنائية بين التاجر والمشتري وجهاً لوجه في أي مكان. أما اذا اتبعت الحكومات سياسة عدم التدخل فإن ذلك لن يؤدي إلى الازدهار وانما الى الصومال. ويسوق المؤلف على ذلك مثالاً حيث يقول انه في عام 2000 أي بعد 5 سنوات من رحيل قوات الأمم المتحدة اصبحت الصومال دولة بدون حكومة، فلم تكن هناك ضرائب يمكن تحصيلها وأدى ذلك إلى انفجار الأعمال الصغيرة، وبالتالي لم يكن الاقتصاد ناجحاً، ولن يكون ناجحاً اذا استمرت سياسة عدم التدخل. فالأعمال عموماً يجب ان تتخلص من نفاياتها، وتولد الكهرباء التي تحتاجها وان تجد مصادرها الخاصة للمياه، لكن في غياب قوات الشرطة فان الحماية ستكون مدفوعة الأجر، ويسود العجز والفشل. ويحارب جون ماكميلان بطريقته هذه على جبهتين، يحارب ضد اولئك الذين يعتقدون ان الاسواق تقوم على الاستغلال وبطريقة متوارثة، ويحارب أيضاً ضد اولئك الذين يرون ان الاسواق هي الصورة الامثل للتجارة ولا يأتيها الباطل. لكنه في الوقت نفسه يرى ان الأسواق هي مؤسسات بشرية ـ لان البشر هم الذين يديرونها ـ وبالتالي فهي محكوم عليها بأن ترث اخطاءهم. فالأسواق لا تعمل بالضرورة بطريقة مثالية، لكنها أيضاً من الأهمية بحيث لا يجب ان نتركها للايديولوجيات والمذاهب الفكرية المختلفة. وهكذا فانه بدون المراقبة الجيدة والفاعلة من جانب الحكومة للأسواق، فاننا سنواجه العديد من المشكلات، بل الكوارث، وبالتالي سوف يعاني الجميع من مستثمرين وتجار ومشترين، حيث ان الثقة سوف تنعدم، ويتقلص الاستثمار. أما الدول التي تسن قوانين توفر حماية اكبر للمستثمرين فستكون اسواقها اكبر واضخم واكثر ازدهاراً ورواجاً. وتختلف فعالية وكفاءة اسواق المال باختلاف مدى فعالية الحكومات في سن القوانين الكفيلة بذلك، فعلى سبيل المثال أعلن الرئيس الأميركي الاسبق رونالد ريجان ذات مرة: «ان الحكومة ليست حلاً لمشكلاتنا، وانما هي المشكلة». ويرى المؤلف ان ريجان كان مخطئاً لأنه لا توجد اجابة سهلة بهذه الطريقة، فالاقتصادات معقدة، والتداخلات بين الحكومات والاقتصادات أيضاً معقدة، وبالتالي فإن القرارات يجب ان تُتخذ بطريقة براجماتية على أساس كل حالة على انفراد بمعنى ان يُسن قانون ما لعلاج مشكلة معينة، وهكذا، ويسوق المؤلف أمثلة أخرى على أهمية وتطور الأسواق حيث يطرح سؤالاً مهما مفاده: لماذا أصبح وادي السليكون مركز اهتمام صناعة الكمبيوتر وليس شارع 128 في ماساشوستس على الرغم من ان الخبراء تنبأوا بالعكس؟ ويرد المؤلف ان السبب في ذلك هو ان ولاية ماساشوستس تطبق قانون حماية الملكية الفكرية الذي يحظر على العاملين الانتقال الى وظائف اخرى مماثلة بعد ان يكونوا قد اكتسبوا خبرة من وظائفهم الاولى، أما في كاليفورنيا حيث يوجد وادي السليكون فلا يتم تطبيق هذا القانون، وبالتالي فإن تنقل العاملين والموظفين بين وظائف عديدة امر شائع. وقد عانت من هذا الامر الشركات الفردية لان التقنيات التي قامت بتطويرها اصبحت مشاعا وعلى نطاق واسع، لكن الصناعة نفسها ازدهرت ككل. ويقول المؤلف ان تصميم السوق كان احد اهم عوامل نجاح وادي السليكون. كما انه كان من اسباب نجاح برنامج الامطار الحمضية الذي وضعته الحكومة الاميركية الاتحادية. ففي عام 1990 سنت واشنطن قانونا لتجارة الانبعاثات حيث سمحت للشركات ببيع وشراء حق التلوث ثم وضعت الحكومة مستويات محددة للتلوث لكن السوق هو الذي سيحدد كمية ثاني اكسيد الكبريت التي يسمح لكل شركة ان تطلقها في الجو. الشركات الكبرى قامت ببيع حقوقها وحصلت من جراء ذلك على أموال طائلة اما الشركات الصغرى فقد تم توقيع العقوبات والغرامات عليها. حتى المهتمين بشئون البيئة انفسهم دخلوا في اللعبة وقاموا بشراء هذه الحقوق من اجل حماية البيئة. وأكد الخبراء ان بدل الانبعاث كان قرارا صائبا وناجحا اكثر من اي برنامج اخر في تقليل الامطار الحمضية. ومن اهم الامثلة التي يسوقها جون ماكميلان تلك التي تتعلق بمرض الايدز وصناعة الادوية. ويقول: لماذا لا تكون الادوية التي تعالج مرض الايدز مما يوزع بالمجان على المصابين بهذا المرض في العالم الثالث من الفقراء غير القادرين على دفع ثمنها؟ البعض يعارض هذا الرأي على اعتبار ان تكاليف العلاج تضيع هدرا ما دام المريض سيموت حتما كما ان شركات الادوية تحقق أرباحها من الابحاث التي تؤدي الى اكتشاف عقار جديد. ويقول ماكميلان: لا ارباح.. لا ابحاث.. لا عقاقير جديدة. وأمام هذه الحكمة فإن الغاء حقوق براءة الاختراع لشركات الادوية يمكن ان ينقذ ارواحا عديدة من دون ان يؤثر ذلك على ارباحها ما دامت سوق عقاقير الايدز لا تزال صغيرة في العالم الثالث. مطلوب تحرير المعلومات في فصل بعنوان «مطلوب تحرير المعلومات» يشير المؤلف الى انه في اسواق مراكش بالمغرب تدخل السوق عن طريق بوابة تسمى باب الدوكالة حيث تدخلك الى شوارع ضيقة تزدحم بالمتسوقين. وهناك تختلط روائح النعناع بروائح البهارات، وتتألق ألوان البضائع من كل شكل ولون للبيع. وتختلط اصوات الباعة والتجار، كل ينادي على بضاعته وتتمازج اسماء السلع والبضائع في اصوات التجار المنادين عليها فنسمع هذا ينادي على اللحم، وذاك على الجبن، واخر الاحذية والمنتجات الخشبية، وهذا ينادي على الملابس، وذاك على الفخار. ويقول المؤلف ان المعلومات عن مثل هذه السوق ضعيفة، بل نادرة، ويتم تداولها بطريقة غير صحيحة وغير ذات قيمة بالمرة. ويقول باحث بعلم الانسان كليفورد جيرتز ان الجهل متفش تماما في مثل هذه الاسواق، بدءا من نوعية المنتج الى اسعار السوق الى تكاليف الانتاج. الاكثر من ذلك ـ كما يقول ـ فانه لا توجد اسعار ملصقة على السلع والبضائع، ولا توجد انواع الماركات، وليست هناك اعلانات بالمرة. والمشترون ذوو الخبرة يبحثون عن سلع وبضائع ذات ماركات معينة واسعار محددة من اجل حماية انفسهم من الخداع في السعر او البضائع. ويظل المتسوقون يقضون وقتا طويلا في مقارنة السلع والبضائع المتشابهة، ويقضي التجار وقتا اطول في اقناع المتسوقين بالشراء منهم. ويؤكد هذا العالم ان البحث عن المعلومات يعد الخبرة الاساسية في حياة الاسواق. وهناك عالم اخر هو العالم الاقتصادي جورج اكيرلوف يوضح مدى سوء اداء الاسواق عندما يجهل المشترون معرفة او ملاحظة نوعية السلع او البضائع فيقول: تخيل ان سلعة ما تكلف البائع دولارا واحدا، وان هذه السلعة عبارة عن ربع كيلو حليب عالي الجودة، 60 سنتا لربع كيلو الحليب المخلوط بالمياه. المشتري «الناصح» على استعداد لان يدفع 1.20 دولار للحليب العالي الجودة، و0.80 دولار للحليب متوسط الجودة. وفي كلتا الحالتين يحصل البائع والمشتري على المكسب. ولو ان البائع استطاع ان يتعرف على الحليب عالي الجودة عندئذ يمكن لكل من البائع والمشتري ان يستفيدا من عملية البيع بسعر يتراوح بين 60 و80 سنتا للحليب منخفض الجودة، دولار واحد و1.20 دولار للحليب عالي الجودة. اما اذا لم يدرك المشتري نوعية الحليب فان كلا النوعين سيتم بيعهما بالاسعار نفسها. ولو ان المشتري ظن ان كل البائعين سواء ويضيفون الماء بنسبة 60% الى الحليب، اذن فاقصى ما يمكن ان يدفعه في هذا الحليب هو 96 سنتا وربما أقل. لكن هذا الموقف خاطئ بالمرة فالبائع الأمين الذي يحصل على ثمن يغطي التكاليف لن يبيع زجاجة حليب واحدة لان المشتري قد يعتقد أنه تم خداعه، وبالتالي التجار الامناء ليس لهم مكان في الاسواق. وبالتالي ايضا فان نسبة التجار الذين سيقومون بغش الحليب سترتفع الى 100%. وقانون جريشام السائد الذي يحكم مثل هذه السوق، مفاده ان السلعة الرديئة تطرد السلعة الجيدة من التداول. الامانة افضل سياسة تحت عنوان الامانة افضل سياسة يقول المؤلف في احد فصول الكتاب: ان نقل المعلومات بطريقة مقنعة قد تكون عملية صعبة فكيف يمكن ان تقنع الزبائن المحتملين ان المنتج الذي تبيعه افضل من المنتج الذي يبيعه منافسوك؟ ولنفترض ان منتجك هو الافضل بالفعل، ولنفترض ايضا انك فعلت شيئاً اضافيا لاحظه الزبائن او قدمت خدمة اضافية الى المنتج.. فإن ذلك سيكون خير دعاية لك وللمنتج الذي تبيعه، فالافعال اعلى صوتا من الكلمات. واذا اطلقنا على هذه الخدمة الاضافية كلمة «اشارة» فإن الاعلانات التي نشاهدها ونسمعها ونقرأها ما هي إلا «اشارات» وكما يقول مارك توين: الاعلانات تحتوي على الحقائق الوحيدة التي نعتمد عليها في الصحف. ويقول المؤلف ان الاشارات هي احدى الوسائل المهمة في الطبيعة ففي السافانا في شرق افريقيا حاول اسد ان يفترس غزالة وكان من المتوقع ان تجري الغزالة من امام الاسد خاصة انها اكثر منه خفة ورشاقة.. لكن بدلا من ان تفعل ذلك قامت بالقفز 6 ثوان لاعلى في مكان واحد، فلماذا فعلت ذلك ولم تجر هرباً من الاسد وهي القادرة على ذلك؟ لكن ما يبدو لنا انه جنون من الغزالة يراه علماء الحيوان شيئاً منطقياً تماماً. فمن المعروف ان القفز هو وسيلة اتصال وتفاهم ورسالة توجهها الغزالة للحيوان الاخر. فماذا كانت تريد ان تقول للاسد بتلك القفزات؟ كانت تريد ان تقول له انني قوية وبصحة جيدة، وان تعقبك لي ومحاولة افتراسك لي اهدار لطاقتك وطاقتي. سؤال آخر: ما هي اهمية الذيل الجميل للطاووس؟ تبلغ اهميته انه ذيل قوي يحمل عليه الاشياء لكن له اهمية أخرى بالنسبة للانثى فإنثى الطيور التي تسعى الى وليف يلفت نظرها ان الذيل الضخم دلالة على ان الذكر بصحة جيدة وقادر على انجاب سلالة قوية. ويؤكد الكتاب اهمية كلمة الشرف واتفاق الجينتلمان بين التجار فيما بينهم او بين التجار والمشترين، ففي تجارة الماس بالجملة في نيويورك يتبادل التجار بينهم وبين انفسهم حقائب الالماس التي تقدر بملايين الدولارات من دون اتفاق مكتوب، اما الاتفاق بينهم والذي لم ينقضه احد حتى اليوم هو: المصافحة بالايدي يعقبها عبارة: بالحظ والبركة. والسبب في ذلك ان التاجر الذي يخرق هذا الاتفاق الشفوي لا يعرض مستقبله التجاري للخطر فقط، ولكن مستقبل كل تجار الماس، ذلك لان نادي تجار الالماس يوقع عقوبات شديدة على المخطيء، فعند انضمام اي عضو جديد يتعهد هذا العضو بضرورة ان يحيل اي نزاع الى هيئة التحكيم بالنادي. وفي المكسيك فان صناعة الاحذية تنظمها جمعية صناع الاحذية التي تحتفظ لديها بقائمة اسماء تجار التجزئة الذين يشترون من اعضائها وذلك في قاعدة بيانات خاصة بها. واذا امتنع او عجز اي تاجر تجزئة عن دفع المبلغ المستحق عليه فانه يتم تسجيل ذلك في قاعدة البيانات المتاحة امام كل عضو ولان كل تاجر تجزئة يعرف ذلك، فنادرا ما تجد تاجرا لايدفع ما عليه من مستحقات. وفي فيتنام فان كثيرا من الانشطة التجارية تعتمد على كلمة شرف فقط، حيث لايوجد قانون تجاري لفض النزاعات بين رجال الاعمال. واذا ما وقع اثنان من رجال الاعمال او التجار عقدا تجاريا فيما بينهما فان اي منهم لايستطيع الاعتماد على النص القانوني الوارد في هذا العقد حيث كل بند من بنود هذا العقد يحتمل اكثر من تفسير واكثر من تأويل الامر الذي يتيح لكل طرف ان يخدع الطرف الآخر بكل سهولة وبالقانون. عندما تختفي الازمات وفي فصل تحت عنوان: «عندما تعمل لنفسك» يقول المؤلف ان معظم عربات النقل والشاحنات في فيتنام كانت لا تعمل في اوائل التسعينيات، كانت هذه الشاحنات صناعة سوفييتية وباستخدام التقنية السوفييتية وبالتالي حدث فيها العطب جميعها مرة واحدة. ومما زاد الامر سوءا ان انهيار الاتحاد السوفييتي ادى الى عدم توفر قطع الغيار وواجهت الدولة ازمة مواصلات وفي محاولة للخروج من هذه المشكلة قررت الدولة تمليك كل عربة نقل وشاحنة لسائقها وفجأة عادت العربات والشاحنات للعمل، واختفت ازمة المواصلات. فماذا كانت تقصد الحكومة الفيتنامية بقرار التمليك؟ كانت الحكومة تعني بانه متى شعر السائق ان هذه العربة او الشاحنة ملكه وحده وأنه سيدخل جيبه اي ربح تحققه له فسوف يبذل قصارى جهده في اصلاحها وبالتالي يساهم في حل ازمة دولة ربما كان يستغرق حلها سنوات طويلة. ويقول المؤلف ان هذا المثل يؤكد تماما ان الملكية هي اقوى مصدر للحوافز ولبذل الجهد ورسم الخطط وتحمل المخاطر كما ان ملكية اي عقارات او اصول منتجة يعطيك القوة في التحكم في كيفية استخدامها ويجعلك تتأكد ان اي عائد سيأتي منها سيكون لك وحدك. الملكية الجماعية صعب الحفاظ عليها لكن الملكية الفردية تشجعك على تعلم كيفية الحفاظ عليها واستغلالها الاستغلال الامثل. وفي الصين تحولت الزراعة من الانتاج الجماعي الى الانتاج الفردي في اواخر السبعينيات هذا التحول اعطانا تجربة واضحة حول قوة حقوق الملكية فقد ارتفع الانتاج الزراعي عشرات الاضعاف وذلك بقوة سحر حافز الملكية الفردية. وادى ذلك إلى أن تنقذ هذه السياسة مئات الملايين من الصينيين من دائرة الفقر وكان لذلك اضخم برنامج لمحاربة الفقر عرفه العالم. وفي فصل بعنوان التآمر ضد الشعب يقول المؤلف ان موبوتو سيسيسكو عندما كان رئيسا لزائير التي سميت فيما بعد جمهورية الكونغو الديمقراطية سرق مليارات الدولارات من التجارة في المعادن التي تنتجها الدولة، وأقام لنفسه أكثر من عشرة قصور فخمة في جميع انحاء البلاد. أحد هذه القصور كانت أرضيته بالكامل مصنوعة من الرخام الايطالي، وكانت صنابير المياه مرصعة بالذهب الخالص، وبداخله حانات ومخزن به 15 ألف زجاجة نبيذ ونوافير مياه راقصة في حديقة القصر الذي كان محصناً ضد القصف النووي. وكانت داخل القصر ايضاً حديقة حيوانات خاصة تمتليء بالحيوانات النادرة. وفي الوقت الذي كان موبوتو يحتسي أغلى أنواع الشمبانيا، كانت البلاد تفتقر الى أدنى الخدمات. وفي دولة حباها الله بكثير من الخيرات مثل النحاس والكوبالت واليورانيوم والذهب والماس كان الشعب يعيش تحت مستوى الفقر. وكان هناك توتر شديد بين الحكومة والسوق التي كانت منعزلة تماماً عن الدولة. فالحكومة أمامها دور رئيسي يجب ان تلعبه في وضع سياسات السوق، لكن التدخل في الاسواق يمكن ان يكون ذا جانب سلبي إذا ما كانت الحكومات لا يعتمد عليها أو لا تقوم بالواجبات المنوطة بها. الحكومات ـ أحياناً ـ تكون معوقاً كبيراً إذا ما تدخلت في الاسواق. وموبوتو مثال صارخ على ذلك، لكن للأسف فإن السياسيين والبيروقراطيين الذين ينهبون أموال وثروات شعوبهم ليسوا قليلين. وفي روسيا تدار الأعمال تحت اشراف الدولة وفي حين ان غالبية الموظفين شرفاء، إلا ان هناك موظفين كثيرين يحصلون على رشاوى من الشركات، وبالتالي ساد الفساد، وفي كل مكان تذهب اليه ينسى الموظفون مصالح أعمالهم ويتذكرون فقط مصالحهم الخاصة. والرشاوى يتم دفعها عند تسجيل عمل جديد أو الحصول على تراخيص بناء أو الحصول على قرض من أحد البنوك أو استيراد بضائع من الخارج عن طريق الجمارك أو اصدار رخصة تصوير أو عند المحاسبة الضريبية أو عند تركيب هاتف وتعد الرشاوى هي أحد اخطر وأهم الجرائم السائدة في روسيا وفي كل عام يتم الكشف عن أكثر من ثلاثة آلاف حالة رشوة بين الموظفين الحكوميين في روسيا. وتفيد احدى الاحصائيات ان اجمالي المبالغ التي يتم دفعها كرشاوى يفوق ميزانية التعليم والعلوم والصحة مجتمعة. وان الرشاوى أدت الى زيادة أسعار السلع والبضائع والخدمات بنسبة تتراوح بين 5% و15%. وإذا كنت موظفاً حكومياً في روسيا ولا تحصل على رشوة، فإن الناس لن تنظر اليك باعتبارك شخصاً أميناً، ولكن سينظرون اليك باعتبارك شخصاً غبياً! وفي آواخر الستينيات، كانت أندونيسيا من بين أفقر دول العالم، وكان متوسط دخل الفرد فيها أقل من مثيله في دول كثيرة مثل بنجلاديش ونيجيريا وغانا. وفي عهد سوهارتو كان الاقتصاد مستقراً والميزانيات متوازنة ولم يكن هناك تضخم يذكر. وقد شجعت الاصلاحات الزراعية الانتاج الزراعي وتصدير الزيوت التي جلبت العملات الصعبة. وقد ادت هذه السياسات إلى أن اصبحت اندونيسيا في التسعينيات من الدول متوسطة الدخل وقد بلغ متوسط دخل الفرد عام 1992 ثلاثة اضعافه عام 1960. وادى ذلك ايضا الى ان عدد السكان الذين كانوا يعيشون تحت مستوى الفقر انخفض من 60% عام 1970 الى 11% عام 1996. وفي عام 1997 وقبل خروجه من السلطة كرمت الأمم المتحدة سوهارتو على نجاحه في كبح جماح الفقر. لكن في الوقت نفسه كان سوهارتو وعائلته وحاشيته ينهبون المليارات التي اودعوها في بنوك خارج البلاد. وكانت حكومة سوهارتو مثل النظام الملكي.. حيث الملك نفسه غير قابل للمساءلة او المناقشة وان اولاده يعتقدون ان الثروات التي بين ايديهم هبطت عليهم من السماء من عند الله ويقدر بعض المسئولين ان ثروة سوهارتو واسرته فقط تراوحت بين 15 و45 مليار دولار. وكان نفوذ اسرة سوهارتو طاغيا الى حد مشاركتهم في اكثر من 1200 نشاط تجاري مثل البنوك وشركات الطيران والفنادق وشركات الشحن وشركات الاتصالات ومراكز التسوق ومحطات الاذاعة والتلفزيون والصحف وكان افراد الاسرة يحتكرون انتاج الورق والاخشاب والاسمنت وكان لهم اسهم في شركات الاخشاب والمطاحن ومصانع الاسمدة ومحطات الكهرباء وشركات البتروكيماويات كما كانوا يحصلون على كافة المشاريع الحكومية دون منافسة او عن طريق العطاءات. وكانت الشركات الأجنبية التي ترغب في بدء مشروع جديد في اندونيسيا عليها ان تعتمد على احد افراد اسرة او حاشية سوهارتو كوكيل لها من أجل تمرير المشروع. وكثير من الشركات الأميركية العملاقة كانت لها مشروعات مشتركة مع احد ابناء سوهارتو. وفي نهاية جولتنا مع المؤلف جون ماكميلان نكتشف الى اي مدى يعد هذا الكتاب متعة حقيقية في التعرف على نشأة الاسواق واهميتها في ايجاد اقتصاد قوي للبلاد وفي جلب العملات الصعبة وفي اهمية تدخل الحكومات لوضع سياسات كفيلة بتنشيط الاسواق وبالتالي التجارة وانعاش الاقتصاد. ويعطي الكتاب أمثلة كثيرة على اهمية ادخال تشريعات جديدة للاصلاح الاقتصادي من اجل رفاهية الشعوب.