لم يخرج الناس في رام الله للشوارع ابتهاجا لسماع بشائر اليوم السعيد التي زفها لهم رئيس الوزراء الاسرائيلي عندما قال ان السلام آت بفضل براعم الاعتراف الفلسطينية بفشل الانتفاضة. لقد استطاع الفلسطينيون التعرف على المقصود من عبارة «وماذا اذا قال» قبل سنة قال شارون انه يتبنى خطة ميتشل، الا انه لم يطرحها بالمرة على المجلس الوزاري للمصادقة عليها. وماذا إن كان قد رحب في حينه بخطاب الرئيس بوش الذي ألقاه في 24 يونيو ـ ذلك الخطاب الذي فرض على اسرائيل ان تتخذ خطوات ملموسة للمساعدة في اقامة الدولة الفلسطينية. في القيادة الفلسطينية فقدوا ما تبقى من الأمل بأن يفرض حزب العمل على شارون حتى قرار اخراج الجيش الاسرائيلي من الخليل. هل يذكر أحد ان وزير الدفاع بنيامين بن اليعازر قد «نفى بشدة» التقارير القائلة ان المرحلة الثانية من خطة غزة ـ بيت لحم أولا قد أجلت الى ما بعد الأعياد ؟ هذا اليعازر نفسه الذي قال ان لا جدوى من البقاء في الحكومة التي لا تترجم النصر العسكري الى انجاز سياسي بعد استكمال عملية السور الواقي. الاستطلاعات تتوقع ان لا تقوم الانتخابات بتحسين الوضع السائد. وفي أحسن الاحوال سيتنازل شارون على ما يبدو ويبقى بن اليعازر في وزارة الدفاع رغم انه سيكون قادرا على تشكيل ائتلاف قوي من دونه. الخلاص لن يأتي ايضا من ناحية اوروبا، ناهيك عن روسيا أو الامم المتحدة. وزير خارجية الدانمارك، الرئيس الدوري للاتحاد الاوروبي، عاد الى كوبنهاغن مؤخرا مثلما أتى. خطة السلام التي حملها ستنضم بعد الاحترام والتقدير الى اخواتها الكثيرة المكدسة في أرشيفات الصحف. مؤسسة الرباعية الدولية الهادفة لتوسيع دائرة المشاورات تستخدم كورقة توت لتغطية السياسة الاميركية. المشاركون في هذا الاطار يعترفون انه اطار لتغطية سياسة تكلم ولا تفعل شيئا، التي يقودها الرئيس بوش. وبوش لم يف حتى بوعده بارسال رئيس الـ سي.آي.ايه للمناطق، جورج تينيت. ولا يوجد موعد بعد لقدوم وفد الخبراء المفترض به ان يساعد الفلسطينيين في تطبيق الاصلاحات الامنية. المبعوث الاميركي ديفيد ساترفيلد الذي زار المنطقة مؤخرا قال لمن التقى معهم ان عليهم الا يتوقعوا ان يقوم أي طرف جدي معين في واشنطن الرسمية بالتعامل والاهتمام باتفاق نسيبة ـ أيلون سواء بالخير أو بالشر. كما اتضح من المحادثات مع نائب وزير الخارجية المسئول الأبرز الذي يزور المنطقة منذ اشهر، ان أحدا في الادارة الاميركية لا يملك تصورا عما ينوي بوش القيام به، هذا اذا كانت لديه نية أصلا، بعد ان يتفرغ من حربه في العراق. وعلى أية حال يبدو بشكل صارخ ان اهتمامات الشخص الوحيد في العالم الذي كان بامكانه ان يرفع القفاز الذي ألقاه شارون عشية رأس السنة العبرية، ستكون مركزة على قفاز آخر. حرب الخليج تشير الى ان الاميركيين لن يفعلوا ما لم يفعله الفلسطينيون واسرائيل بأنفسهم، هذا بناء على انتهاء الحرب وقيام واشنطن باجبار الطرفين على المشاركة في مؤتمر مدريد. صحيح ان اتفاق اوسلو الذي يكون قد مر عليه الآن تسع سنوات ليس بالوثيقة المثالية. في الجانبين كان هناك مصلحيون استطاعوا استغلال الثقوب الموجودة فيه بشكل سيء. موقف شارون دقيق جدا: هناك رغبة متزايدة لدى الفلسطينيين في العودة الى طاولة المفاوضات والبحث هناك عن دولة مستقلة في حدود 1967 بعد ان دفعوا ثمنا باهظا عن خطأ العنف. ومن الصعب قول ذلك بصدد حكومة المستوطنات والتفرقة. لا يوجد مؤشر على ان شارون يقصد بجدية استغلال اللحظة المواتية التي أشار هو نفسه اليها. رئيس الوزراء الاسرائيلي يفضل الانتظار حتى يوفر له النظام الجديد الذي سيفرضه بوش في المنطقة شركاء وحدود أكثر ملاءمة له. مهندس اوسلو، شيمون بيريز، لا يتفق مع رئيسه في هذا الموقف. فهو يدرك ان سيارة كبيرة مفخخة واحدة الى ان يتفرغ بوش لحربه ضد الارهاب غير التقليدي، تكفي لتجسيد حلم احمد ياسين بشرق اوسط جديد. المأساة هي ان الحائز على جائزة نوبل للسلام ورفاقه اولئك الذين يرفعون يافطة تركة رابين بلا خجل ولا وجل، يقومون بالتعاون مع رفض حق العودة الى المصالحة بدلا من الخروج للشوارع صارخين. عن «هآرتس»