وضع أميركا الحالي كقوة عظمى فائقة مهيمنة لا يمكن منافستها أو تحديها هو موضوع الكتاب الذي أصدره جوزيف ناي ويتمثل هذا الوضع في مؤسستها العسكرية. فقبل أحداث 11 سبتمبر، وقبل الاقتراح الذي قدمه الرئيس جورج بوش بزيادة 14% (48 مليار دولار) لتغطية نفقات الدفاع، كانت الولايات المتحدة قد غدت نسيجاً وحدها، فلها قواعد عسكرية وسفن وطائرات وجنود موزعون في كل انحاء العالم. وواشنطن تنفق على قواتها المسلحة أكثر من أي أمة عرفها التاريخ، حيث ان نفقات ميزانية الدفاع الاميركية ستتجاوز قريباً معدل نفقات الدفاع السنوية للدول التسع التي تليها مجتمعة. حقيقة ان الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي لديها مجتمعة عدد أكبر من الجنود مقارنة بالولايات المتحدة، وهذه الدول مجتمعة يصل اجمالي نفقاتها الدفاعية الى حوالي 70% من مجمل ما انفقته واشنطن قبل سنة 2002، إلا ان النتائج التي سجلتها في مجال التقنية والأجهزة والمعدات لا يمكن مقارنتها، وبامكان الولايات المتحدة ان تتدخل أو تعلن الحرب في أي مكان في العالم. إلا ان أميركا التي يختزل الكثيرون تلك الصورة في أذهانهم لا يمكن تعريفها من خلال استعراض القوة والقنابل الذكية وحتى قنابل «ج.اي.س» انها أكثر دهاء وقدرة على الانتشار. وفي بعض الامكان تمثل ذاكرة باهتة للحرية. وفي بعضها الآخر تمثل وعداً بالحرية، بالفرص المتاحة وبالوفرة انها صورة مجازية سياسية وفانتازيا من نوع خاص. وفي أي مكان آخر أو في المكان نفسه في أزمة أخرى، فإن أميركا كانت تعرف من خلال أعمال القمع الداخلية. وباختصار، فإن اميركا موجودة في كل مكان، والأميركيون الذين لا يشكلون سوى 5% من سكان العالم من السلع الاستهلاكية العالمية، ويستهلكون حوالي 30% وينتجون 30% من انتاج العالم من النفط، وهي مسئولة عن أعلى استخدام للغاز. إن عالمنا مقسم بصورة أو بأخرى الى عالم اغنياء وعالم فقراء، شمال وجنوب، غربي ولا غربي. وعلى الرغم من ذلك فإن التقسيم الأكثر تأثيراً هو التقسيم الذي يفصل أميركا عن أي أحد آخر. ان النزعة المضادة للأمركة التي تشغل المعلقين لا ينبغي ان يكون شيئاً مثيراً للاستغراب. ان الولايات المتحدة، بفضل مكانتها المتفردة، أصبحت عرضة للانتقاد في كل ما تقوم به أو حتى تفشل في القيام به. وبعض الشعور بالكراهية تجاه اميركا يتعلق بالسؤال عما تكون هي في حد ذاتها، فمنذ زمن بعيد وصلت أميركا الى السيادة العالمية وأخذ زوارها ينتقدون ثقتها في الوقحة بالنفس، وثقة الأميركيين التي تصل الى النرجسية في تفوق القيم والممارسات الاميركية وصلتهم المعدومة بالتاريخ والتراث ما يخصهم وما يخص الآخرين. إن الاتهامات الموجهة الى اميركا قد ازدادت منذ بدأت سيطرتها على مسرح الاحداث في العالم، إلا انها لم تتغير كثيراً. ان هذه النزعة الثقافية المضادة للأمركة هي قاسم مشترك لدى الاوروبيين وشعوب دول اميركا اللاتينية والشعوب الآسيوية، العلمانيين والمتدينين على حد سواء. كما ان الأمر لا يتعلق بكراهية الغرب، أو الحرية، أو التنوير، أو أية فكرة مجردة تمثلها الولايات المتحدة، بل يتعلق بأميركا. جذوة الكراهية المتقدة أياً كان سبب الاستياء منها فإن أميركا تذكي هي بنفسها جذوة الكراهية بما تأتي به من ممارسات، هنا تغيرت الأمور مؤخراً للأسوأ. إن الولايات المتحدة مواطن عالمي مقصر. فهي راغبة دائماً عن الانضمام الى المبادرات الدولية أو الاتفاقيات، سواء كانت تتعلق بارتفاع حرارة الطقس أو الحري البيولوجية أو مكافحة الجريمة أو حقوق المرأة، انها واحدة من دولتين فقط كانت قد فشلت في التوقيع على معاهدة سنة 1989 المتعلقة بحقوق الاطفال. كما ان الادارة الأميركية الحالية «لم توقع» اتفاقية روما التي تقضي بانشاء محكمة جرائم دولية، وأعلنت انها لن تتقيد بما تنص عليه معاهدة فيينا الخاصة بقانون المعاهدات، الذي التزمت الدول للتقيد بالمعاهدات التي سيوقعونها في يوم ما. والموقف الأميركي تجاه الأمم المتحدة ومنظماتها فاتر، هذا أقل ما يقال عنه. وفي وقت مبكر من هذا العام دعا السفير الأميركي لحقوق الانسان الى صرف النظر مبكراً عن قرارات محاكم جرائم الحرب في رواندا ويوغسلافيا السابقة. على الرغم من أهميتها في مجال مكافحة الارهاب الدولي، وعلى الرغم من ان الولايات المتحدة نفسها كانت قد أنفقت ملايين الدولارات لحمل بلغراد على تسليم سلوبودان ميلوسيفيتش وتسليمه الى محكمة لاهاي لمحاكمة مجرمي الحرب. بالنسبة للعديد من الاطراف الخارجية فإن هذا السلوك غير المنسجم تجاه المنظمات والاتفاقيات الدولية، الذي ساهمت أميركا في تأسيسه، يكذب ادعاءاتها بالمشاركة في المصالح الدولية والسعي الى الحصول على شراكات متعددة من أجل تحقيق أهدافها، الشيء ذاته ينطبق على الممارسات الاقتصادية الأميركية. إن الولايات المتحدة هي المدافع وهي النموذج الحقيقي للعولمة، عن الرأسمالية القائمة على تحرير التجارة غير المقيدة، المصالح الخاصة، الممارسات المقيدة، الحماية، أو تدخل الدولة. ولكن اميركا تطبق نظام التعرفة الحديدي في الداخل، ودعم الزراعة، والاستقرار الحكومي الفعلي من أجل المكاسب الاجتماعية السياسية. حقاً ان الاتحاد الاوروبي يفعل هذا بلاشك حيث تستهلك السياسة الزراعية السيئة 45% من ميزانية بروكسل وهي على الأقل تساوي في أضرارها المؤدية الى اعاقة ما ينتجه المزارعون الافارقة الأضرار الناجمة عن أي فاتورة ضرائب مزروعات أميركية الا ان ما تسببه من تشويه لصورة اميركا اكثر بكثير لأن الولايات المتحدة تعرف على نحو واضح وصريح من خلال القوانين والاعراف الدولية التي تنتهكها. وبالنسبة للمتنفذين الاجانب، فإن هذه التناقضات في السلوك الاميركي توحي بحالة من النفاق وهي ما قد تكون الاتهامات الاكثر شيوعاً الموجهة الى الولايات المتحدة. لكنهم جميعهم الاكثر اثارة للحنق. لأنها سواء كانت منافقة ام لا فهي لا غنى عنها. فبدون مساهمتها، تصبح غالبية الاتفاقيات الدولية حبر على ورق. ان القيادة الاميركية تبدو مطلوبة حتى لربما في ظروف كتلك التي تعرضت لها البوسنة بين عامي 1992 و1995 حيث البريطانيون واصدقاؤهم الاوروبيون الذين كانوا يملكون الوسائل الكفيلة بحل الأزمة. حقاً ان الولايات المتحدة لا تصلح للعب دور الشرطي العالمي الا انها تبدو كما انه لا خيار لها في ذلك. وفي الوقت الراهن يشعر الجميع والاوروبيون على وجه الخصوص بالاستياء منها ليس فقط كلما اخفقت في قيادتها، بل ايضاً كلما قادت بحزم. ان تراجع اميركا الذي يمكن التنبؤ به اصبح نبرة جديدة في السياسة الاميركية، المتململة المتغطرسة تجاه اي رأي آخر، لقد انتهت الحرب الباردة، وبدا قانون ادارة بوش ومؤيدوها الاحادي الجانب، واتضحت الامور. اننا نعرف من نكون نحن، ونعرف ما نريد. ان السياسة الخارجية تعنى بالمصالح القومية. والمصالح القومية تخدمها ممارسة القوة. والقوة تعنى بالسلاح والرغبة في استخدامه، ولدينا كلاهما. وكما ورد على لسان الكاتب الصحفي «تشارلز كروثمر» في يناير 2001 «ان الاحادية الجديدة تسعى الى تقوية سلطة اميركا وبلا ادنى شعور بالخجل العمل على نشرها نيابة عما تعبر عن نفسها باسم الغايات الكونية». في الفترة التي اعقبت احداث 11 سبتمبر مباشرة خفت حدة اللهجة الاحادية لادارة بوش ليسهل عليها البحث عن حلفاء في حربها القادمة ضد الارهاب. ورد المعلقون على ذلك من خارجها، وهم يشعرون بالارتباك الذي سببته المجزرة، المجاملة بجدية بقولهم «نحن الآن كلنا اميركيون» هكذا عبرت صحيفة «لوموند»، بينما استحضر حلف شمال الاطلسي المادة 5 من ميثاقه للمرة الاولى في تاريخه مجنداً كل اعضائه للوقوف الى جانب الولايات المتحدة في تعرضها للهجوم. الا ان شهر العسل لم يدم طويلاً. وعلى الرغم من وقوف غالبية حلفاء اميركا الى جانبها بحزم في اعلانها الحرب على افغانستان، رغم المخاوف الشخصية التي كانت تساورهم، الا انه في شهر يناير من سنة 2002، وعندما اشار الرئيس بوش في خطابه حول حالة الاتحاد الى «محور الشر» الذي شمل كوريا الشمالية وايران والعراق اعيد فتح الصدع. ان ما ادى الى الاستياء في ذلك الخطاب كان اكثر ارتباطاً بصيغته منه بمحتواه. فمعظم حلفاء اميركا يشككون في الغاية في عزمها على ابعاد ايران عن دول المعسكر الغربي، كما شكك البعض في اسلوب اميركا في التعامل مع الرئيس العراقي وعلى الرغم من ذلك فإن هذا الاختلاف لم يكن شيئاً جديداً. وعلى اي حال، فبعد اربعة اشهر فقط من اعلان الادارة الاميركية نفسها حريصة على اقامة تحالف وعلى التعاون الوثيق مع اصدقائها في الحرب ضد العدو المشترك، لم يأت خطاب بوش حول صراع اميركا الكوني ضد قوى الظلام حتى على ذكر حلفاء اميركا ما اثار غضب واستياء هؤلاء. اللامبالاة والاستعلاء انها هذه اللامبالاة التي تظهر شعوراً بالاستعلاء للرأي الآخر التي تزعج الناس في الخارج والتي احبطت حلفاء اميركا بعد ارتفاع معنوياتهم على اثر احداث 11 سبتمبر 2001. هذا بالاضافة الى البيان الاستراتيجي الذي اعلنه بوش حول «حق اتخاذ قرار احادي الجانب للدفاع عن النفس» وخطة التسلح المتعلقة بالأسلحة النووية التي ربما استخدمت في الحرب مع العراق وهو قرار غير مسبوق يشكل خرقاً لمعارضة اميركا التاريخية لتشجيع استخدام اسلحة من هذا النوع، ترسم مرة اخرى صورة للزعامة الاميركية المصابة بالصمم التي لا تولي اهتماماً للانتقادات او النصائح انها القيادة التي تبقى دائماً مزدردة عدوانية، وحسبما تعبر عن ذلك صحيفة «ال بيس» تلهب الرأي العام بوسوستها وتحذيراتها الذاتية بقرب وقوع المعركة الفاصلة بين الخير والشر. جوزيف ناي كان عميداً لكلية كنيدي في جامعة هارفرد كما شغل منصب مسئول بالنسبة للدفاع والاستخبارات في حكومة كلينتون، وعلى الرغم من ان كتابه المطول حول السياسة الخارجية الاميركية كان قد كتبه قبل هجمات 11 سبتمبر فقد اعد للنشر على نحو سريع، الا انه لم يأت في الوقت المناسب وعلى الرغم من انه ليس مثالياً من جماعة ولسون الا انه نشر في سنة 1990 كتاباً بعنوان «على وشك ان تقود»، تنبأ فيه بالسيطرة الاميركية على العالم. ولم تسبب له حقيقة الاستعلاء الاميركي اي شعور بالاحراج. وعلى الرغم من ذلك فقد كتب نقداً قوياً موجهاً للتوجهات الاحادية للسياسة الخارجية الاميركية التي لا تعير ما يريده الآخرون الاهتمام الكافي. وعلى نحو غير صريح يبدو كذلك مشككاً في «الواقعية» وفي فهم اميركا للعلاقات الدولية الذي يستخف بمسائل الحقوق والقوانين الدولية والدوافع الاخلاقية ويسخر الدبلوماسية من اجل تحقيق المصالح الاميركية باستخدام كل الوسائل الممكنة الا انه ليس كتاباً يدور موضوعه حول نظرية العلاقات الدولية. كما ان معارضة ناي لكل من السياسة الاحادية او الواقعية بالمعنى الذي يستخدم هنا، لا تتعلق بكونهما كمفهومين غير آمنين وانما بانعدام قدرتهما العملية. في رأي ناي تمثل العلاقات الدولية اليوم لعبة صعبة ذات ثلاثة مستويات، فعلى احد المستويات هناك قوة عسكرية صعبة منطقة لايوجد للولايات المتحدة فيها منافس وعلى المستوى الثاني هناك القوة الاقتصادية والنفوذ. وعلى الصعيد الثالث يضع الانشطة غير الحكومية المتنوعة المتكاثرة التي تحدد صورة عالمنا، تدفق العملة، الهجرة، المؤسسات العملاقة، المنظمات الدولية، التبادل الثقافي وسائط الاعلام الالكترونية، الانترنت والارهاب، ولا احد في الواقع يعمل في هذا الجانب دون قيود تفرضها الحكومات كما ان سلطة اي دولة من الدول بما في ذلك الولايات المتحدة تبدو محبطة ومحمولة على الحياد عن طيب نفس. ان مشكلة الاشخاص المسئولين عن تحديد ووصف السياسة الاميركية اليوم كما يرى ناى هي انهم لا يلعبون الا على المستوى الاول فقط، وان رؤيتهم لاتتعدى التفكير في القوة العسكرية الاميركية وحسب تعبيره فان هؤلاء الذين يقترحون سياسة خارجية قائمة على مبدأ السيطرة مبنية على مثل هذه التوصيفات للقوة يعولون على تحليلات بائسة غير دقيقة، ومن وجهة نظره فان الاميركيين قبل احداث 11 سبتمبر كانوا يتعمدون عدم الاستماع الى العالم من حولهم، وبحماقة كانوا يتجاهلون حتى الاستماع الى اشخاص مثل السيناتور السابق «جاري هارت» ورين رودمان «الذي انذرهم سنة 1999 بوقوع كارثة» يرجح ان يموت الاميركيون على ارضهم ومن المحتمل ان تموت اعداد كبيرة منهم، وعلى الرغم من ان صحة هذا المنظور قد تحققت في 11 سبتمبر الا ان القيادة الاميركية الحالية تبدو غير مهتمة به. ان الولايات المتحدة لو ارادت ان تكسب حربها المعلنة على الارهاب ولو ارادت ان تنجح في اصرارها على زعامة العالم فلابد انها ستحتاج الى مساعدة الآخرين وتفهمهم خاصة في تعاملها مع الدول الفقيرة والعربية والمسلمة وغيرها من الدول القابعة في تخلفها وهو شيء واضح بالتأكيد ان اجراءات الرقابة الدولية ومراقبة حركة العملة على المستوى الدولي والتجارة والشعوب تحتاج الى تعاون دولي، «فالدول الضعيفة التي ازدهر على حتاتها الارهاب تحتاج الى اعادة بناء، لكن اميركا تقصف اما الاعمال المعقدة الخطيرة التي تتطلبها اعادة البناء فتتركها للاخرين. ان الاتحاد الاوروبي يسهم في الوقت الراهن بما يعادل عشرة اضعاف ما تقدمه الولايات المتحدة فيما يتعلق بقوات حفظ السلام الدولية وفي كوسوفو والبوسنة وسيراليون فقد اعداداً اكبر من جنوده بالمقارنة بالولايات المتحدة كما ان 55% من المساعدات الدولية المقدمة للدول النامية ودول العالم الثالث تأتي من دول الاتحاد الاوروبي واذا تمت مقارنة نفقات الدفاع والمساعدات الخارجية والاستخبارات والامن فانها ستعادل بسهولة ميزانية الدفاع الاميركية الحالية ولا يهم بعد مظهرها الانيق الذي توصف به احيانا السياسة الخارجية الاميركية من خلال التحليلات الصادرة في واشنطن حاليا فان الولايات المتحدة تعتمد كلية على اصدقائها وحلفائها في سبيل تحقيق غاياتها. القوة غير المتصلبة ولو ارادت اميركا ان تحصل وان تحتفظ بالدعم الخارجي فان عليها ان تعرف كيف تستخدم بذكاء ما يسميه ناي «القوة غير المتصلبة»، ان المبالغة في التحدث عن «امبراطورية اميركية» جديدة ما هو الا وهم خادع كما يتصور ومع ان المرء يستمع الى تباه وتبجح بأشياء كاحادية الاستقطاب والسيطرة في اميركا الا ان الحقيقة كما يصفها ناي هي «ان سيادة الولايات المتحدة سوف لن تعتمد على قوتنا العسكرية او الاقتصادية وحدها بل ايضا على القوة غير المتصلبة المتساهلة لثقافتنا وقيمنا والسياسات التي تجعل الاخرين يشعرون باننا قمنا باستشارتهم واننا وضعنا مصالحهم موضع الاعتبار «ان الحديث عن الامبراطورية قد يضللنا ويقودنا الى التفكير في اننا سنصل اليها وحدنا». ان القوة غير المتصلبة التي يتحدث عنها ناي تبدو منطقية ويبدو انها ستكون هكذا بالنسبة لكل الادارات الاميركية في مرحلة ما بعد الحرب من ادارة ترومان الى بوش واذا اردت للآخرين ان يريدوا ما تريد فان عليك ان تشعرهم بالانضمام اليك ان هذا المصطلح يعني النفوذ والتأثير، القدوة، المصداقية والسمعة، ان تساهل اميركا يعززه انفتاح وقوة مجتمعها، وما يقضي عليه هو السلوك المتصلب كتأكيدات بوش المتبلدة على ان معاهدة كيوتو «قد ماتت». ليس مطلوبا منا التعاطف مع اطروحة ناى في مجملها لكن ما يقوله في النهاية هو ان حكومة الولايات المتحدة تدفع ضريبة ما اسماه جيفرسون ذات يوم «الاحترام اللائق لاراء البشرية» ان الثمن الذي تدفعه اميركا نتيجة تعنتها تجسده المناوشات الدولية حول محكمة الجرائم الدولية، ان حكومة بوش تعارض قيام هذه المحكمة مدعيه ان الاميركيين الذين يعملون في الخارج سيتعرضون للاذى وفي يوليو سنة 2002 هددت بالانسحاب من مهامها في حفظ السلام ومن الفيتو وكل هذه المهام في المستقبل الى ان تضمن للاميركيين الحصانة ضد اي محاكمات.لكن الصدوع في بنيان الغرب لا تقتصر على مجرد الشجار حول سياسة الدفاع. فالحرب الباردة والحلف الاطلسي أخفيا لأكثر من نصف قرن خلافات عميقة بين مجتمعين في نوعين متناقضين جداً. فالأوروبيون يقلون في الانفاق على الدفاع، ليس فقط لأن الضمان الأميركي اتاح لهم دخول حديقة «السلام الدائم» بل ايضا لانهم في الربع الثالث في القرن اختاروا تكريس الكثير من المال للخدمات العامة المكلفة. والنتيجة هي ان اوروبا والولايات المتحدة في نواح عديدة مهمة اقل تشابها مما كانا عليه قبل خمسين عاماً.وهذه الملاحظة تتحدى علنا المزاعم حول «العولمة» و«الأمركة» المقدمة ليس فقط من قبل الانصار المؤيدين للعملية بل ايضا من قبل منتقديها الغاضبين. في المقام الأول نحن موجودون هنا قبلهم: احدى النقاط الجوهرية في عقيدة انبياء العولمة هي ان منطق الفعالية الاقتصادية سوف يجرف كل قبله (وهي مغالطة تعود للقرن التاسع عشر يشترك فيها هؤلاء مع الماركسيين). لكن الأمر بدا كذلك ايضا في اوج آخر عصر عولمة عظيم عشية الحرب العالمية الأولى، عندما تنبأ العديد من المراقبين أفول نجم الدولة القومية وبزوغ فجر عصر جديد في الاندماج الاقتصادي الدولي. بالطبع فان ما حدث بالفعل كان خلاف ذلك، ذلك ان العالم لم يستعد مستويات عام 1913 في التجارة وحرية التحرك والاتصالات الدولية الا في اواسط السبعينيات. فالطواريء غير المتوقعة في السياسة المحلية «فبركت» سلوك الاقتصاد الدولي، وربما تفعل ذلك مجدداً. صحيح ان ايدي الرأسمالية قد طالت العالم بأسره، لكن اشكالها المحلية لاتزال متنوعة جداً. وذلك لان الممارسات الاقتصادية تصوغ شكل المؤسسات الوطنية والمعايير القانونية التي تقوم بدورها ايضا بصياغة الممارسات الاقتصادية. وهكذا فإن تلك الممارسات متأصلة في عمق الثقافات الاخلاقية والوطنية المختلفة. ويعتبر هذا جزءا من جملة الاسباب التي تجعل النموذج الاميركي لا يروق اكثر من غيره للشعوب خارج الولايات المتحدة والتي تجعل نصره غير مؤكد أبدا ان أكثر من 20 بالمئة من الاميركيين فقراء، في حين تظهر الارقام ان نسبة الفقر في اوروبا الغربية تحوم حول 8 بالمئة. وعدد المواليد الذين يموتون في عامهم الأول في الولايات المتحدة اكبر بنسبة 60 بالمئة منه في فرنسا او المانيا. لكن هل يمكن لاوروبا ان تبدو مثل اميركا في حال تبني الانموذج الاقتصادي الأميركي؟ ان نموذج الاقتصاد الأميركي الحديث لا يمكن تكراره في اي مكان آخر. «الحرب على الارهاب» ليست الأمر الوحيد الذي تعتمد فيه اميركا بشكل حاسم على الاجانب. فالمعجزة الاقتصادية الأميركية التي ميزت العقد الماضي كان وقودها 1.2 مليار دولار يوميا من دفق رأس المال الاجنبي الضروري لتغطية العجز في ميزانية التجارة الخارجية، والذي يبلغ الآن حوالي 450 مليار دولار سنوياً. وهذه السيول الاستثمارية الضخمة الداخلة الى اميركا هي التي ابقت اسعار الاسهم مرتفعة ومعدلات التضخم والفائدة متدنية والاستهلاك المحلي مزدهراً. ولو مر بلد أوروبي او اسيوي او لا تيني بعجز تجاري شبيه، فإن مصيره الآن سيكون في ايدي صندوق النقد الدولي منذ زمن، لكن الولايات المتحدة تحتل مكانة فريدة تجعلها تطلق العنان لمثل هذا الاعتماد المشلول على المستثمرين الاجانب لأن الدولار لايزال العملة المعتمدة للاحتياطي العالمية منذ الحرب العالمية الثانية. الى متى يستطيع الاقتصاد الاميركي مواصلة العمل بهذه الطريقة قبل ان تسقط ارضا بصورة مؤلمة بسبب فقدان الثقة وراء البحار؟ يظل هذا السؤال موضع نقاش ومناظرات مستمرة، وكذلك الامر بالنسبة للادعاء بأن المحرك وراء الازدهار المثير في التسعينيات كان يكمن في انهار السيولة النقدية الاجنبية، وليس في الطاقة الانتاجية غير المسبوقة التي حققها قطاع التكنولوجيا الفائقة الجديد. والامر الواضح الان هو ان الانموذج الاميركي برغم كل اغراءاته حديثة العهد، يبقى نموذجاً فريداً وليس للتصدير. واذا كانت العولمة قد فشلت في اضفاء صفة الكونية على الانموذج الاميركي، فانها ساهمت ايضا في تقليل الحماسة الاجنبية له: ان الانخفاض في الملكية العامة للبضائع والخدمات في اوروبا على مدى العشرين سنة الماضية لم يرافقه اي انخفاض في الالتزامات الاجتماعية للدولة. وبسبب هذا الاختلاف الكبير بين المجتمع الأوروبي والمجتمع الأميركي، فإن هناك تباينا كبيرا في رؤيتهما للعالم وتناقضا حادا في تقييمهم للنتائج والعمليات الدولية. وتماما كما يؤمن الزعماء الاميركيون الحديثون عادة بأنه في الحياة العامة المحلية، يفضل ان يترك المواطنون ليعيشوا كما يشاؤوا، بتدخل حكومي محدود، فإن هؤلاء الزعماء يسحبون هذه الرؤية على الشئون الدولية ايضا. فالعالم في منظور واشنطن عبارة عن سلسلة من التحديات او التهديدات المنفصلة المدرجة حسب تداعياتها على اميركا. وبما ان الولايات المتحدة قوة عالمية، فإن اي شيء يحدث في العالم يدخل ضمن همومها، لكن الغريزة الأميركية موجهة لمخاطبة وتسوية اي مشكلة معينة بمعزل عن البقية. وهناك ايضا ثقة اميركية بأنه يمكن بالفعل «حل» المشاكل وعندها تعود الولايات المتحدة الى الوطن. وهذا التركيز على «استراتيجية الخروج» لتكون اميركا في العالم لكن ليست جزءا منه وتمتلك دائما حرية التقاعد في النزاعات، هذا التركيز له نظيره المحلي في الحياة الاميركية الحديثة. فالولايات المتحدة، مثل العديد من مواطنيها، خصوصا بعد 11 سبتمبر، لا تشعر بالراحة الكاملة إلا عندما تتراجع الى قلقها المحصنة. لكن هذا ليس خياراً بالنسبة للاوروبيين، الذين يبدو لهم عالم اليوم مثل شبكة عنكبوت محاكة في الانظمة الشرعية والوكالات، التي تنظم وتشرف على كل مظهر من مظاهر الحياة. والمشاكل التي تواجه أوروبا اليوم ـ الجريمة، الهجرة واللاجئين والمخاطر البيئية ـ جميعها مشاكل متأصلة مزمنة وعابرة للحدود. تعمل الحكومات عادة بالتفاهم والتشاور او من خلال المؤسسات متعددة الاطراف. وتماما كما ازاح القطاع العام العديد من المبادرة الفردية من ميادين عديدة بالحياة الوطنية، وكذلك فإن عادة التعاون تصوغ شكل المقاربات الأوروبية للشئون الدولية. وعلى هذه الاصعدة، يمكن القول أن اوروبا هي التي نجحت في عولمة الولايات المتحدة المتخلفة عنها بأشواط بعيدة. لكل هذه الاسباب ولأن جانبا كبيرا للغاية من السياسة الخارجية الأميركية تدفعه اعتبارات ضيقة لن تتغير فإنه من الصعب مشاركة ناي استنتاجاته المتفائلة حول «القوة الاميركية» ذلك ان أميركا ـ حرفياً ـ هي اسوأ اعداء نفسها، والرؤساء الاميركيون عندما يفكرون في الاعتبارات الخارجية غالبا ما يؤدي بهم ذلك الى تنفير الرأي العام الاجنبي من اميركا، والخطاب التفاخري والمواقف الاحادية تخاطب الكثيرين داخل اميركا بل وقد ترهب خصومها (على الرغم من ان هذا ليس مؤكداً) ولكنها بالتأكيد تعمل على تغريب وازعاج الطرف الثالث، اي اصدقاء اميركا والمعجبين بها الكثيرين في الخارج. ترجمة: مريم جمعة فرج علي محمد عن «نيويورك ريفيو أو بوكس»