في الوضع الحالي حيث يسيطر الجيش الاسرائيلي على المدن الفلسطينية وعلى محاور الحركة ويقوم بهدم مراكز الشرطة الفلسطينية عندما يخطر على باله ذلك، لا يمكن اعتبار اختبار ومحك النتائج في المناطق مسألة ذات علاقة بالمجريات. من الناحية الاخرى يدعي الناطقون بلسان الحكومة الاسرائيلية ان الانخفاض القوي في عدد العمليات ضد المدنيين الاسرائيليين لا يبرهن على شيء. هم ينسبون ذلك لوجود قوات الامن المكثف في المناطق ولحظر التجول ولعمليات الاحباط الهجومية الممركزة والأقل تركيزا. «ايام الهدوء السبعة» التي كان رئيس الحكومة يطالب بها أخلت مكانها لاختبار التحذيرات التي يوجهها وزير الدفاع. بن اليعازر قرر في الواقع ان الاحتكاك العنيف سيتواصل طالما بقيت الجهات الاستخبارية تتحدث عن قيام جهات متطرفة بالتخطيط للعمليات. وحسب المبدأ الحالي القائل «ان الارهاب ليس مجديا» وطالما لم تعلن الحكومة الاسرائيلية عن «النصر» فهي تقلص الحوار مع الفلسطينيين وتحصره في شروط الاستسلام. وحسب المبدأ نفسه يتوجب ان تنتظر المفاوضات السياسية حتى قيام القيادة القديمة الفاسدة باخلاء مكانها لقيادة تنشد السلام والاستقامة والحكم السليم وبالأساس انه لم تكن لها أي صلة بالانتفاضة عموما وبعرفات على وجه الخصوص. على هذا النحو لا توجد أي قيمة في نظر الحكومة الاسرائيلية لتصريح قيادة فتح أحادي الجانب عن وقف اطلاق النار. وهذا يوضح ايضا اللامبالاة التي استقبلت بها الحكومة تصريحات ممثلي عرفات وعلى رأسهم وزير الداخلية عبد الرزاق اليحيى ومستشار الامن الوطني محمد دحلان ضد العنف. الامر ليس تخمينا أو توقعات للوضع. آثار الرفض والاستبعاد الكامل لأتباع فتح يمكن ان نجدها في لائحة الاتهام التي قدمت ضد مروان البرغوثي. الوثيقة التي أعدها كبار المسئولين في المستوى السياسي والقضائي بحرص شديد، اتهم البرغوثي ضمن ما اتهم به في انه كان خاضعا لامرة عرفات، الشخص الذي يقف حسب لائحة الاتهام على رأس «المنظمات الارهابية» التالية: فتح، والتنظيم، وكتائب شهداء الأقصى. قائد حزب العمل قال في مقابلة بثت مؤخراً في الـ سي.ان.ان، ان عملية السلام تنتظر من يخلف عرفات. وشيمون بيريز، شريك عرفات في جائزة نوبل للسلام، أضاف في جوهانسبرغ ان خطة السلام الاوروبية الجديدة ستتجمد حتى «ظهور شريك فلسطيني». ومن الناحية الاخرى يوجد ضغط أميركي قوي حتى يصادق شارون على عقد اجتماع المجلس التشريعي الفلسطيني. هذا الاطار الموثق نفسه حسب روحية «الاصلاحات» باخلاء المجلس الوزاري في رام الله من المؤتمرين بامرة عرفات لصالح شخصيات أكثر جدارة. من هي هذه الشخصيات؟ الاعتقاد المنطقي هو ان الاستخبارات التي تتابع عن كثب كل حزام ناسف تقوم باعلام المستوى السياسي بالامر، وذلك لعدم وجود أي احتمالات في ان ينتخب الجمهور الفلسطيني أو مؤسساته شخصية تعارض الانتفاضة. أبو مازن الذي جلس على الجدار وصل الى استنتاج انه لن يستطيع ان يقفز من هناك الى رئاسة الحكومة الا اذا ارتكز على كتفي رئيس فتح في الضفة، مروان البرغوثي. وهذا هو السبب الذي أدى الى التقارب بين الاثنين بمساعدة محمد دحلان الذي لا يوجد له نظير في تشخيص واكتشاف مصادر القوة، وبوساطة المصريين الذين لاحظوا منذ مدة شعبية البرغوثي في الشارع الفلسطيني. ومن المتوقع ان تتزايد هذه الشعبية اثر محاكمة البرغوثي. أصدقاؤه يناشدونه ألا يكتفي بالتعبير عن دعمه لأبي مازن، ويتوقعون ان يتحول الى نلسون مانديلا الفلسطيني. واذا كان شارون معنيا بجدية في استبدال عرفات أو للأسف الى تقزيمه، فعليه ان يختار بين قائد فتح مروان البرغوثي وبين زعيم حماس الشيخ احمد ياسين. الشخص الاول الذي كان بين رواد اللقاءات مع نشطاء السلام الاسرائيليين هو نفسه الذي يأمر رفاقه اليوم بايقاف اطلاق النار وعرض اتفاق سلام على الاسرائيليين على أساس المبادرة السعودية. والثاني (أي احمد ياسين) يؤيد العمليات الانتحارية ويعارض الاعتراف بدولة اسرائيل. هذا الاختيار نفسه بين فرصة الخروج من الاحتلال بسلام وبين قرار تكريسه. عن «هآرتس»