لم يكن من قبيل المصادفة ان يعود الباحث الاستراتيجي الاميركي والخبير بالشئون الدولية انتوني كوردسمان في شهادته امام الكونغرس، مؤخراً، حول القدرات القتالية العراقية في اي حرب متوقعة الى المؤرخ الاغريقي توسيديدس في كتابه الذي يعود الى ألفي عام بعنوان «تاريخ حرب البيلوبونيز» ليخرج بمقولة مفادها انه في الحروب لا أهمية الا للمعلومات المستقاة من الرؤية والمقاربة الدقيقة الى حد اللمس. ليكن، ولكن بينما تدق عناصر الصقور في الادارة الاميركية طبول حرب موشكة على العراق، فإن الخبراء يطرحون فيضاً من علامات الاستفهام حول مدى قدرة العراق على المقاومة في لحظة الصدق الدموية، اذا حانت ولم يستبقها التحرك الدبلوماسي. فما هو قوام القوات التي يمكن ان يدفع بها العراق الى الميدان حقاً؟ ما هي طبيعة تجهيزات هذه القوات؟ ما مدى قدرتها على الصمود في وجه ما يوصف بـ «الحرب الجديدة؟» ما هي طبيعة النطاق الصلب الذي يضرب حول بغداد الآن؟ ماذا عن البدائل غير التقليدية اذا كانت متوفرة حقاً؟ هل بوسع العراق القاء ورقة الضغط على العصب الاسرائيلي رغم التهديدات المتدافعة من تل ابيب باللجوء الى الخيار النووي؟ هذه السلسلة التي نطرح بدايتها هنا تسعى الى الوصول ـ بالارقام والحقائق وعبر التحليل المعمق ـ الى منطلقات افضل لتأمل علامات الاستفهام هذه، وربما محاولة الرد عليها. بداية تتعين الاشارة الى ما يقوله الكثير من المراقبين العسكريين من ان الحرب التي تلوح بها واشنطن ضد العراق لن تكون حرباً جديدة بالمعنى العملي، ذلك ان العراق ومنذ عشر سنوات يتعرض لهجوم متواصل عبر ما سمي بـ «حرب العقوبات» التي اثرت الى حد كبير على قدراته العسكرية الدفاعية والهجومية على السواء بالقدر نفسه الذي اثرت سلباً على البنى التحتية والصناعية الداعمة لمجهوده الحربي وفيما يبدي صقور الادارة الاميركية حماساً ملحوظاً للهجوم على العراق، فإن السبب الاول وراء هذا الحماس يكمن في معرفتهم بأن الحرب التي يخططون لها ضد العراق لن تكون باهظة التكاليف الا على المستوى «الاقتصادي» فقط، حسب معظم التوقعات والسيناريوهات، وان كل ما يروج له عن امكانيات عسكرية عراقية ما هو الا جرعة اعلامية مقصودة لاعطاء «الحملة» المقبلة ابعاداً دراماتيكية تكفي لوصفها لدى نهايتها بأنها «نصر عسكري كبير». يجمع معظم خبراء التسلح على ان تقويم النطاق الاجمالي للقوة العسكرية العراقية لن يكون بالامر الصعب بعد مرور اكثر من عقد على الحصار الاقتصادي والمراقبة الاستخباراتية والرسمية المتواصلة، كما انه من السهل نسبياً تقويم مقدرتها القتالية غير ان الضجة الاعلامية التي تبدو جزءاً من آلية اطلاق الحملة الوشيكة تدفع لمحاولة وضع تقويم يعكس حداً ادنى من الدقة للقوة التي سيواجهها المهاجمون الاميركيون ليس للتنبؤ بأي عناصر تدور في فلك مفهومي النصر او الهزيمة وذلك نظراً لعدم وجود امكانية للمقارنة نهائياً بين الجانبين، بل هي محاولة لتوقع مدى ضراوة المقاومة التي سيبديها العراق. على الرغم من الخسائر الفادحة التي تكبدها العراق في حرب الخليج الثانية وفقدانه لحوالي 40 في المئة من اجمالي جيشه وقواته الجوية في هذه الحرب الا انه يظل احدى القوى العسكرية المؤثرة في المنطقة والقوات المسلحة العراقية تأتمر بقيادة موالية للنظام القائم حالياً في بغداد، وعلى رأس هذه القيادة وزير الدفاع الفريق سلطان هاشم العديبي ورئيس الاركان المشتركة الفريق ابراهيم محمد التكريتي ولا يزال لدى العراق جيش قوامه حوالي 425 ألف رجل وحوالي 2200 دبابة قتال رئيسية و3700 عربة مدرعة و2400 قطعة مدفعية والى جانب هذا يحتفظ العراق بحوالي 300 طائرة حربية تتمتع بقدر غير معروف على وجه الدقة من الجاهزية القتالية. يقول المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية انه لا يزال بمقدور الجيش العراقي تعبئة حوالي 375 ألف جندي ضمن سبعة فيالق، فيلقان للحرس الجمهوري و5 فيالق لقوات الجيش النظامية الاخرى وتنقسم هذه القوات الى ست فرق للحرس الجمهوري (3 فرق مدرعة وفرقة ميكانيكية وفرقتا مشاة) الى جانب اربعة ألوية قوات خاصة للحرس الجمهوري اما الجيش فينقسم الى حوالي 16 فرقة وفيما تعتبر 11 فرقة منها فرق مشاة لا تعد عالية التجهيز، فإن هناك ثلاث فرق مدرعة وثلاث فرق ميكانيكية كما يتضمن الجيش سبعة ألوية من القوات الخاصة وحوالي ثلث هذه القوات هم جنود متطوعون فيما الباقي مجندون إلزاميون. معظم عتاد الجيش العراقي يتألف من معدات قديمة او متضررة نتيجة المواجهات السابقة الا ان هذا العتاد يتضمن حسب تقديرات القيادة المركزية الاميركية، حوالي 700 دبابة من طراز تي 72 السوفييتية وتعد دبابات حديثة نسبياً بمعايير الشرق الاوسط و900 عربة مشاة قتالية مدرعة بي.ام.بي و150 مدفعا محمولا و200 راجمة صواريخ كما ان لديه مخزوناً جيداً من الصواريخ المضادة للدروع مثل اي تي 3، اي تي 4، ميلان، اتش..أو.تي الموجهة، الى جانب حوالي 100 مروحية هجومية و275 مروحية نقل عسكرية كما ان قيادة الدفاع الجوي تمتلك خزيناً كبيراً من الصواريخ المحمولة مثل سام 7 وسام 8 وسام 9 رولاند اضافة للصواريخ المحمولة على الكتف. وكانت تقارير المخابرات الاميركية قد اشارت في اوائل عام 2001 الى ان العراق نشر فرقه العسكرية وفق محور يمتد من الشمال الى الجنوب، مع توزيع فرق الجيش وفرق الحرس الجمهوري بعضها الى جانب البعض الآخر ومع ان كل الفرق الموجودة على حدوده الجنوبية هي فرق تابعة للجيش، فإن بعض فرق الحرس الجمهوري تستطيع التحرك الى الحدود بسرعة كبيرة نسبياً. وتضيف هذه التقارير ان الفرق العسكرية تتوزع من الشمال الى الجنوب حسب الاوضاع التالية 14 فرقة في الشمال وثلاث وسط العراق وست جنوب النجف وللحرس الجمهوري ثلاث فرق مدرعة في منطقة بغداد: واحدة قرب النجف وواحدة قرب العاصمة بغداد وواحدة قرب الصويرة وهذا الوجود الكثيف للحرس الجمهوري حول بغداد هو بهدف ان تلعب دوراً أساسياً في الأمن الداخلي كما ان للحرس الجمهوري قوات في الشمال قريباً من منطقة خط الطيران الشمالية. وتفيد مؤسسة جينز العسكرية ان قيادات الجيش النظامي تتوزع في بغداد والبصرة وكركوك والموصل وكل منها مسئول عن فيلق منه وعند استثناء قوات الجيش المخصصة للأمن الداخلي والموجودة قريباً من بغداد الى جانب بعض القوات ذات الدور المماثل في البصرة وكركوك، تصبح قوات الجيش موزعة كالتالي: في الشمال توجد قيادة الفيلق الأول في كركوك والخامس في الموصل وهذان الفيلقان مكلفان بحماية الحدود مع تركيا وحقول النفط في الشمال، كما انهما ينتشران على تخوم الجيب الكردي. ويتضمن الفيلق الاول فرقة المشاة الثانية ومقر قيادتها في الربيع والفرقة الميكانيكية الخامسة وقيادتها في الشعوان وفرقة المشاة الثامنة ومقر قيادتها في الشعوان وفرقة المشاة 38 وقيادتها في كرم قادر. اما الفيلق الخامس فيتضمن وحدات تنتشر على الحدود السورية ويتكون من الفرقة الميكانيكية الاولى وقيادتها في مخمور وفرقة المشاة الرابعة وقيادتها في الباشقة وفرقة المشاة السابعة ومقرها في قلعة علطون وفرقة المشاة 16 وقيادتها في الموصل. في الشرق ينتشر الفيلق الثاني ومقر قيادته في ديالة حيث يتمركز شرق بغداد لحمايتها من جانب ايران او لصد اي هجوم تشنه قوات المعارضة التي تدعمها ايران ويتكون هذا الفيلق من الفرقة المدرعة الثالثة وقيادتها في الجلاوية وفرقة المشاة 15 في العميرلي وفرقة المشاة 34 وقيادتها في خانقين. في الجنوب ينشر العراق الفيلقين الثالث والرابع وتقع قيادة الفيلق الثالث في الناصرية ويمتد قريباً من الحدود مع الكويت ويتضمن الفرقة المدرعة السادسة وقيادتها في مجنون وفرقة المشاة 11 وقيادتها في الناصرية والفرقة الميكانيكية 51 وقيادتها في الزبير. اما الفيلق الرابع فقيادته في العمارة ويحرس الحدود مع ايران ويتكون من الفرقة المدرعة العاشرة وقيادتها في الطيب والعمارة وفرقة المشاة 14 وقيادتها في جنوب العمارة وفرقة المشاة 18 وقيادتها في المشرف والعمارة. ويضيف الحرس الجمهوري الى هذا التشكيل فيلقين اثنين الاول هو فيلق الحرس الجمهوري الشمالي والمتمركز بحيث يستطيع تنفيذ اوامر بالدفاع ضد ايران والمقاتلين الاكراد، الا ان مهمته الرئيسية حسب تقارير جينز هي حماية بغداد الكبرى وتكريت ويتضمن الفيلق المدينة المنورة المدرعة ذات الألوية الاربعة والمتمركزة في معسكري الراشدية والتاجي وتلعب دوراً مهماً في حماية المناطق الخارجية من منطقة بغداد اما قوات الحرس الجمهوري الخاصة فتوفر الحماية الأمنية والدفاعية داخل العاصمة ويتضمن الفيلق الشمالي ايضاً فرقة عدنان الاولى الميكانيكية ومقرها في الموصل وفرقة مشاة بغداد في مقلوب وفرقة العابد للمشاة في معسكر خالد بكركوك. وتقع قيادة فيلق الحرس الجمهوري الجنوبي في الحفرية ومركز قيادة الفتح المبين ويوفر الحماية بمواجهة ايران في الجنوب اضافة لمواجهة اي هجوم يأتي من الجنوب بقيادة اميركية ويتضمن الفيلق فرقة مشاة نبوخذ نصر وقيادتها في حسينية الكوت وفرقة حمورابي الميكانيكية في الوحدة وفرقة النداء المدرعة. وتضيف قوات الحرس الجمهوري الخاصة اربعة ألوية اخرى تتمركز معظمها ضمن بغداد وهي منظمة بحيث تحمي نظام الحكم من اي انقلاب او تحرك معارض وتنقسم ألوية قوات الحرس الجمهوري الخاصة على 14 كتيبة مشاة مؤللة ولواء مدرع وقيادة دفاع جوي مع وحدات مكلفة بحماية دفاعات بغداد الجوية الثابتة ضد اي محاولة انقلابية وتتكون هذه القوات حالياً بما يتراوح ما بين 12 و15 ألف رجل، غير انها قادرة سريعاً على تعبئة 20 الى 25 الف جندي حيث الحاجة وهذه القوات هي الوحيدة المتمركزة داخل العاصمة بغداد وحول القصر الجمهوري الرئاسي الى جانب ألوية من قوات الأمن الخاصة والمخابرات. وهناك وجود كثيف للقوات العسكرية داخل بغداد هدفه حماية النظام ويتضمن هذا الوجود الى جانب الحرس الجمهوري حوالي 30 ألف رجل في قوات الشرطة و20 ألف رجل في قوات حرس الحدود حسب تقديرات الاستخبارات الغربية كما ان لجهاز الاستخبارات العسكرية ما بين 3 و5 آلاف عنصر في العاصمة وقيادته داخل مجمع ضخم في منطقة الاعظمية كما له وحدات في معسكر الرشيد وكركوك والموصل والبصرة والى جانب الاستخبارات العسكرية هناك ايضاً جهاز الامن العسكري المسئول عن الأمن داخل المؤسسة العسكرية والذي يتعامل مباشرة مع القصر الرئاسي. غير ان هذه القوات المسلحة البرية العراقية في كل فروعها عموماً تعاني من نواحي قصور عديدة حيث فقدت الكثير من عناصرها خلال المواجهات العسكرية الطويلة السابقة كما انها لا تحصل على مستويات جيدة من التدريب، نتيجة القيود التي تضعها الظروف الاقتصادية والسياسية والعسكرية السائدة اضافة الى انها لم تتمرس بتنفيذ عمليات مشتركة متقدمة توازي المعايير السائدة حالياً في الجيوش المعاصرة ويقتصر تدريبها الى حد كبير على تشغيل مصادر النيران الثابتة وتدريبات المناورة المحدودة، فيما تبذل قوات الحرس الجمهوري وقوات الحرس الجمهوري الخاصة وقوات الامن الجزء الاكبر من جهودها في التدرب على عمليات حرب المدن لحماية النظام، وليس على الحرب التقليدية الحديثة المشتركة لكن هذا لا يلغي الحقيقة القائلة ان قوات الحرس الجمهوري لم تتفكك في حرب الخليج الثانية، بل حافظت على ثباتها، كما ان قوات الجيش النظامية كانت تبدي مقاومة طيبة للمهاجمين حينما كانت الاوامر بالثبات واضحة. وتواجد القوات المسلحة العراقية مشكلة مهمة اخرى وهي السيطرة المركزية المطلقة من قبل الرئيس العراقي عليها، وهو ما يلغي هامش المبادرة في صفوفها فالرئيس العراقي يوزع المراكز القيادية حسب عناصر الولاء والانتماء القبلي وليس الكفاءة والخبرة كما ان المنافسة الشرسة بين صفوف القوات المسلحة تركت اثرها الكبير عليها. وعن سلاح آخر هو القوات الجوية، يقول مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن ان العراق لايزال لديه 316 طائرة مقاتلة ما بين 50 و 60 % منها قابل للخدمة، وفيما يبلغ عدد ضباط القوات الجوية حوالي 30 الفا، فإن الطيارين ذوي الرتب العالية يستطيعون الحصول على مابين 60 و 120 ساعة طيران تدريبية سنويا اما حصة ذوي الرتب الاخرى فإن معدل ساعات الطيران التدريبية لهم هي بحدود 20 ساعة سنويا. وحسب تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية فإن لدى العراق الان بضعة قاذفات توبوليف 22 قديمة و 130 طائرة هجومية تتضمن طائرات ميراج اف 1 وسوخوي 20 و 40 طائرة سوخوي 22 و طائرتي سوخوي 24 وطائرتي سوخوي 25 كما يمتلك العراق مخزونا واسعا من صواريخ جو ارض قصيرة المدى والقنابل العنقودية الى جانب ذلك لدى القوات الجوية العراقية حوالي 180 مقاتلة اعتراضية تتضمن 120 طائرة ميج 25 و 50 طائرات ميراج اف 1 و 10 طائرات ميج 29 اضافة لخمس طائرات ميج 25 الخاصة بالاستطلاع كما مازالت هذه القوات تملك مجموعة من مقاتلات ميج 21 القديمة وبعض الطائرات التدريبية والطائرات الصغيرة الاستطلاعية بدون طيار والتي اجرى العراق تجارب على استخدامها كطائرات هجومية بدون طيار. غير ان القوات الجوية العراقية تعاني من محدودية التدريب على العمليات الجوية سواء القتالية او الهجومية كما ان فرض منطقتي حظر الطيران الشمالية والجنوبية جعل امكانية اجراء تدريبات تتصف بالواقعية امرا غيرا ممكن، كما تفتقد هذه القوات للمعدات الحديثة مثل اجهزة الاستشعار المحمولة جوا او تجهيزات القيادة والسيطرة والاستخبارات والاستطلاع، باستثناء عدد صغير من الطائرات بدون طيار، ومازالت انظمة الانذار والتحكم تعتمد على تجهيزات ارضية قديمة غيران القوات الجوية ركزت على التدريب على الغارات الهجومية التي تستهدف اختراق دفاعات العدو عبر طائرة منفردة على ارتفاع منخفض او تنفيذ عمليات هجومية مستقلة بتشكيلات صغيرة. وتنقسم قيادة الدفاع الجوي العراقية التي تمتلك شبكات كثيفة من الدفاعات الجوية الى اربع قيادات اقليمية تتمركز في كركوك «الشمال» وكوت الحي «الشرق» والبصرة «الجنوب» والرمادي «الغرب»، ومعظم منشآت الدفاع الجوية مبنية تحت الارض ومحصنة كما ان لدى الدفاع الجوي شبكة احتياطية من الادارات تتصل بمراكز قيادة تعمل بالالياف البصرية، وتتهم بعض التقارير الاستخباراتية الغربية الصين بأنها ساعدت العراق في تطوير شبكة قيادة بالالياف البصرية ذات حصانة عالية ضد التدمير، غير ان هذه التقارير لاتحدد مدى تطور هذه الشبكة وحجمها، كما ان هناك تقارير اخرى عن نجاح العراق في الحصول على رادارات حديثة من اوكرانيا. هذه الشبكة الدفاعية مدعمة ايضا بأعداد كبيرة من المدافع المضادة للطائرات قصيرة المدى وصواريخ سام 8 بي وسام 11 وسام 13 قصيرة ومتوسطة المدى، وتنشر قيادة الدفاع الجوي صواريخ سام 7 وسام 10 «ستريللا 2 وستريللا 10» قصيرة المدى حول المنشأت الهامة والحساسة، ويقول البنتاغون ان الدفاع الجوي العراقي قد طور مهارات التحريك السريع لنيرانها واراداتها المضادة للطائرات واستخدام تقنيات التمويه للعتاد وتوجيه رادارات الكمائن الجوية وتتبع الاهداف بالتقنيات البصرية، كما يقول ان هذه القوات قد اجرت بعض التطوير على مخزونها في صواريخ سام 2 وسام 3 وسام 6 القديمة. على صعيد المقدرات التعبوية والامكانيات العملية يقول مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية ان العراق اظهر احتفاظه بمقدرته على اجراء مناورات تدريبية ذات شأن للقوات البرية وانجاز طلعات جوية على ارتفاعات عالية نسبيا غير انه لم يتوصل لتطوير تشكيلات قتالية تدريبية تظهر حصول جيشه على مستويات تدريب ثابتة او مقدرته على تنفيذ عملية مشتركة فاعلة بين التشكيلات المقاتلة فوق مستوى الالوية منفردة او عمليات مشتركة بين القوات الجوية والبرية. كما لم يطور العراق تكتيكات لاستخدام صواريخ ارض جو بطريقة حسنة التنظيم لتكون قوة مناورة تغطي قواته البرية خارج معسكراتها. كما يحسن العراق تحريك قواته المدرعة الثقيلة بسرعة باستخدام ناقلات الدبابات حين تتيح له ظروف المعركة استخدام شبكة الطرق دون التعرض لهجمات جوية مكثفة ومع ان قوات الحرس الجمهوري وفرق الجيش المدرعة والميكانيكية تقاتل على نحو طيب من مواقعها الدفاعية الثابتة، فإن مثل هذه التكتيكات لم تفعل سوى القليل لحمايتها اثناء حرب الخليج من التفوق الجوي الاميركي والمروحيات الهجومية وتجهيزات الرؤية الحرارية والمدي القتالي البعيد للاسلحة المهاجمة وتقول مؤسسة جينز ان المدفعية العراقية وان كانت تتمتع بمدى بعيد الا ان هذه الميزة ليست ذات معنى او شأن في الميدان لتواضع امكانيات التسديد الدقيق على المدى البعيد ولعدم تطويرها مع طرق عمل للاستبدال السريع للذخائر ولمحدودية تكتيكات المناورة المدفعية لديها. والاهم من ذلك هو محدودية تدريب هذه القوات بسبب ضعف الامكانيات المالية نتيجة العقوبات وخصوصا التدريب على العمليات المشتركة الذي يظل نقطة الضعف الحاسمة. بالنسبة للعمليات الجوية فقد تميزت الحرب العراقية الايرانية طوال مراحلها بالاداء الضعيف من جانب المقاتلات والمروحيات العراقية سواء في عمليات الدعم الجوي للقوات البرية او في العمليات الهجومية، كما ان العراق لم يحصل على الفرصة للقيام بعمليات جوية خلال حرب الخليج، اما ما قالته المعارضة العراقية والولايات المتحدة وبريطانيا عن استخدام العراق للمروحيات الهجومية بكثافة لقمع تحرك الجنوب عقب حرب الخليج وكون ذلك هو السبب في فشل هذا التحرك فلم يكن سوى ذرائع لا صحة لها استخدمتها واشنطن ولندن لتبرير فرض منطقة حظر الطيران جنوب العراق ثم في الشمال لاحقا، ذلك ان القوات العراقية لم تكن بحاجة للمروحيات الهجومية اصلا لقمع التمرد لان ما لديها من مدرعات ومدفعية كان فيه الكفاية لتنفيذ هذه المهمة. ومن الملاحظات الهامة حول القوة العسكرية العراقية حاليا هو ان البنية التحتية العسكرية للعراق افضل حالا بكثير من العتاد والقوات القتالية فقد استطاع العراق اعادة بناء الكثير من التحصينات والمنشآت العسكرية التي دمرت خلال حرب الخليج، كما اعاد انشاء جزء كبير من نظام الاتصالات والسيطرة والقيادة وادارة المعركة والاستخبارات للقوات الجوية، ويتضمن هذا النظام حاليا شبكة واسعة من الاتصالات بالالياف البصرية وانظمة الاشارة الراديوية ومجموعة واسعة من الرادارات السوفييتية الصنع متعددة الاستخدامات كما اعاد العراق بناء معظم القواعد الجوية التي تعرضت للقصف خلال حرب الخليج، كما ان بعض هذه القواعد لم يتعرض اصلا سوى لضرر محدود، ويستطيع العراق الان تشغيل شبكة من القواعد الجوية تتضمن 25 مطارا حربيا رئيسيا العديد منها مزود بتحصينات وملاجيء معززة.لقد كان للعقوبات المفروضة على العراق اثر سلبي كبير على امكانيات قواته المسلحة القتالية، اذ لم يتمكن من الحصول على اي عتاد حديث لتفادي نقاط الضعف التي اكتشفها في قواته خلال حرب الخليج. وفشل العراق في تحديث هذه القوات يعني ان الجزء الاكبر من مجهوده الحربي اصبح قديما وذا مستوى مشكوك به من الجاهزية القتالية وسيواجه مصاعب كبيرة في خوض معارك مطولة كما يثير هذا الوضع الكثير من الشك في مقدرة القوات العراقية على اجراء تحركات او مناورات واسعة مع الحفاظ على تماسك عملياتها. غير ان المصادر الغربية في المقابل تكرر المزاعم بأن العراق حصل سراً على بعض العتاد العسكري عن طريق التهريب، وتتهم هذه التقارير سوريا بأنها كانت المصدر الرئيسي لمرور هذا العتاد الى العراق ومن بين هذا العتاد تذكر هذه التقارير تحديدا حصول العراق على 80 محركا نفاثا للطائرات مثل مقاتلات ميج 29 و رادارات جوية وتجهيزات ملاحية لطائراته الحربية ومحركات لدبابات تي 72 و تي 55 واسلحة تشيكية مضادة للطائرات وقطع غيار لدبابات تي 72 وشاحنات عسكرية. لكن حتى وان كانت هذه التقارير صحيحة الا انها لا تعني شيئاً ذا اهمية بالنسبة للواقع على الارض، فهي ابعد ما تكون عن تمكين العراق من اعادة بناء قواته المسلحة او حتي التعويض عن مستويات تسلحه السابقة التي كان ينفق عليها سنويا حوالي 3 مليارات دولار من المشتريات العسكرية فهو لم يدخل في قواته المسلحة اي سلاح جديد منذ عام 1991 وحوالي ثلثي مدرعاته وطائراته تعتبر قديمة جدا مقارنة بالقوات المسلحة الحديثة كما ان الانتاج العسكري المحلي لا يتجاوز المدافع والذخائر، حيث لم يتمكن العراق من انتاج اي سلاح متطور على مستوى واسع. اعداد: جلال الخليل