وصلت قافلة شاحنات تحمل معدات حفر روسية، مؤخراً، معبر الوحيد الحدودي، ودخلت العراق من سوريا في طريقها الى منطقة كركوك العراقية. وسيلحق بها قريبا حوالي 50 اختصاصيا روسيا لبدء اعمال حفر 45 بئر نفط. وتعتبر هذه الابار بالنسبة لشركة «زاروبيجنيفت» الروسية النفطية مشروعا صغيرا لا تتجاوز قيمته 8 ملايين دولار، وبالكاد تشكل سببا لزيارة مديرها التنفيذي للعاصمة العراقية بغداد كل ثلاثة اشهر. أما القرار الكبير المنتظر فسيكون منح العراق للشركة الحقوق في تطوير حقل «بن عمر» النفطي الهائل اذا رفعت الامم المتحدة عقوباتها المفروضة على العراق، وهو ما سيكون حينها صفقة بعدة مليارات من الدولارات. وفي كل يوم تحفر الشركات الروسية وتشحن من النفط العراق يقدر ما تستطيع، في ظل رقابة الأمم المتحدة، وتحلم باليوم الذي تستطيع فيه العمل على راحتها. وفي كل يوم تزداد الايدي الروسية المشاركة في المشروعات العراقية من الشركات الهندسية الى منتجي المعدات الصناعية وحتى السياسيين وحتى وزارة الطواريء الروسية المختصة عادة بالعمل في حال حدوث فيضانات او حرائق غابات في روسيا قد دخلت اللعبة في العراق، حيث اسست شركة تابعة لها للاتجار في النفط الخام العراقي. ويشكل عمق الروابط الاقتصادية المتزايد بين روسيا والعراق، سواء القائمة حاليا او المحتمل اقامتها مستقبلا تحديا كبيرا للرئيس الاميركي جورج بوش وهو يستعد لهجوم عسكري على العراق والاطاحة بالرئيس العراقي. وفيما ساندت روسيا الحرب الاميركية في افغانستان فانها تحذر واشنطن من اي غزو للعراق، الذي يعتبر حليفا قديما لها.ويوضح يوري شافرانك وزير النفط والطاقة الروسي السابق والذي يتولي حاليا رئاسة لجنة مسئولة عن تعزيز التعاون الاقتصادي الروسي ـ العراقي انه: «اذا حدث هجوم اميركي ضد العراق فسيضعنا في موقف صعب جدا. فهو سيعني ان الموقف الروسي قوبل بالتجاهل، وان احدا لا يهتم بما تريده روسيا. وهذه المشروعات بالنسبة لنامهمة جدا أكثر من اي وقت مضى. غير ان موقف الكرملين الحقيقي ظل حتى الآن غامضا. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين اهتم جدا بصداقته الجديدة مع بوش وعمد الى كبح جماح الخطابة الروسية المعادية لاميركا والتي تزايدت عام 1999 مع الحرب ضد الصرب في كوسوفو. غير ان بوتين يهتم جدا بالمصالح الروسية الاقتصادية واكدت حكومته على انها ستوقع قريبا معاهدة تعاون اقتصادية طويلة الأمد بقيمة 40 مليار دولار مع العراق تغطي قطاعات اقتصادية عديدة، مثل الطاقة والمواصلات. وقد يشير عدم وضوح الموقف في الكرملين الى اهتمامه بالتوصل لاتفاق مع واشنطن. اذ بدأت رموز سياسية مهمة في موسكو وواشنطن على السواء باطلاق افكار حول ضمان المصالح الاقتصادية الروسية في العراق ما بعد النظام الحالي. وفي المقابل تعمل موسكو على اخراس اي معارضة لهجوم عسكري اميركي ضد العراق اذا لم تدعمه فعلاً. يقول ميخائيل خودركوفسكي رئيس «يوكوس»، ثاني اكبر شركة نفط روسية انه: «لابد من اتخاذ قرارات سياسية صعبة في الفترة المقبلة من قبل الولايات المتحدة، اذا ارادت من روسيا ان تتخذ مواقف تفضلها اكثر تجاه الحالة العراقية. فإذا ارادت واشنطن من روسيا ان تشارك في حل المشكلة، واعتقد ان بمقدور روسيا فعل الكثير لها في هذا الموضوع، فإن افضل طريق امام اميركا هو الاهتمام بالمصالح الروسية من الناحية الاقتصادية فإن لم تكن لدينا اي مصالح لماذا نزعج انفسنا بمشاركة واشنطن في هذه المشكلة؟». غير ان هذه المحاولات للوصول الى حل وسط لم تؤد حتى الآن لاي اتفاق ملموس، على الاقل علنا. يقول جوزيف بيدن، عضو مجلس الشيوخ الاميركي ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في المجلس، خلال جلسة عقدت في يوليو الماضي: «لا افهم ما الذي يمنع الوصول الى وضع يحقق مصالحنا ومصالحهم معا اذا كنا عاقلين ازاء هذا الامر. ومع ذلك لا أرى احدا في الادارة الاميركية يقوم بأي خطوة للوصول الى هذا الوضع معهم». إن اهتمام روسيا بالعراق قديم، ويعود الى أيام الحرب الباردة، حينما أقام الاتحاد السوفييتي علاقات تحالف مع عدد من الدول العربية. فطوال سنين كان الألوف من الخبراء السوفييت يعملون في العراق، كما باعت موسكو لبغداد كمية كبيرة من السلاح. ومازالت لموسكو ديون كبيرة على بغداد. ويقدر عباس خلف السفير العراقي في موسكو حجم هذه الديون بحوالي 7 مليارات دولار. وقال «ان العراق مستعد لسداد هذه الديون بعد رفع العقوبات المفروضة عليه»، غير ان بيدن قال مؤخراً ان حجم الديون الروسية على العراق تبلغ 11 مليار دولار. كما أصبحت روسيا في العام الماضي أكبر شريك تجاري للعراق ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء. ففي مدة ستة أشهر التي انتهت في مايو الماضي اشترت روسيا 90 مليون برميل من النفط الخام من أصل 226 مليون برميل باعها العراق ضمن صفقة بلغت قيمتها 1.8 مليار دولار كما يقول أحد المدراء في قطاع النفط يعمل في العراق. وتبين أرقام الأمم المتحدة ان روسيا قد باعت العراق حتى 31 يوليو الماضي ما قيمته 4.18 مليارات دولار من الأغذية والادوية والتجهيزات الصناعية منذ بدء تطبيق البرنامج أواخر 1996 بحيث فاقت صادراتها للعراق كل الدول الاخرى. ويقول خلف «تقريباً كل الشركات الروسية تتعامل معنا».ويسمح برنامج النفط مقابل الغذاء للعراق بيع النفط الخام للشركات الاجنبية مثل حوالي 10 شركات روسية تشتري هذا النفط وتعيد بيعه في الاسواق الاميركية والاوروبية والاسيوية، ومعظم عوائد هذه المبيعات يتم الاحتفاظ بها لانفاقها على الاحتياجات الانسانية وأعمال البنى التحتية في العراق. غير ان مبيعات النفط العراقي الخام انخفضت مؤخراً ليس بسبب تعليق العراق مؤقتاً صادراته النفطية في الربيع الماضي للضغط على اسرائيل والولايات المنتحدة فقط، فالشركات الروسية تلقي باللوم فيما يتعلق بانخفاض المبيعات على نظام التسعير الذي فرضته واشنطن وبموجبه لا يتم تحديد قيمة النفط الذي باعه العراق إلا بأثر رجعي بعد البيع، وهو ما جعل الشركات تحجم عن الشراء لأنها تريد ان تعرف كم ستدفع ثمن ما ستشتريه وقت الشراء فعلاً. ويصر مسئولو الأمم المتحدة على الزعم بأن العراق كان يفرض اضافة على السعر بين 20 و50 سنتاً على كل برميل تدفع للحكومة العراقية بشكل غير شرعي عبر قنوات خلفية. ويقول هؤلاء ان الشركات الروسية كانت تفعل ذلك. ومن بين الشركات التي ذكرت بالإسم شركة «امركوم» التي تمتلكها وزارة الطواريء الروسية ويقف على رأسها رجل بوتين وحليفه القوي سيرغي شويفو. وأصبحت «امركوم» مؤخراً من الشركات المفضلة جداً. بالنسبة للعراقيين حيث حصلت العام الماضي على عقدين لشراء 15 مليوناً و20 مليون برميل من الخام العراقي.وتبعا لمسئولي الامم المتحدة كان العراق يفرض 20 سنتا على كل برميل في الوقت الذي حصلت إمركوم على صفقتها. ويعتبر الدبلوماسيون الغربيون ان فرض زيادة بمقدار 5 سنتات امر مشروع وكل ما هو اكثر من ذلك تمثل عوائد غير شرعية لصدام حسين. وضمن هذا المعيار تكون امركوم قد دفعت 1.8 مليون دولار بطريقة غير مشروعة. لكن متحدثا باسم «امركوم» قال ان عقود شركته مع العراق: «تتفق مع قواعد الأمم المتحدة ونظمها». واضاف ان الشركة تعمل كوسيط لتسويق النفط العراقي وانكر ان تكون تدفع مثل هذه الرشاوى. اما اضخم عقد نفطي في العراق فقد حصلت عليه شركة «لوكويل»، أكبر شركة نفط روسية. فقد وقعت هذه الشركة عقداً لمدة 23 عاماً يمنحها الحق في قيادة تجمع من الشركات لتقوم بتطوير جزء من حقل القرنة الغربي الواقع في جنوب العراق. كما يخول هذا العقد الشركة حقوق استخراج 667 مليون طن من النفط الخام، وان تدفع قيمتها قرابة 20 مليار دولار. ويقول ليونيد فيرون نائب رئيس لوكويل والشريك في ملكيتها: «إنه عقد هائل». غير ان هذه الصفقة ظلت مجمدة بفعل العقوبات الدولية، وهو ما وتر العلاقات بين العراق و«لوكويل» فقد ضغط العراقيون على الشركة لبدء العمل في حقل القرنة الغربي على الرغم من العقوبات، إلا ان الروس رفضوا. وهذا ما جعل العراق يستبعد «لوكويل» من مبيعات برنامج النفط مقابل الغذاء. ويقول فيدون: اننا نشعر بخيبة الأمل، واي مسئول في شركة نفطية كان سيشعر بالشعور نفسه حينما لا يستطيع العمل على تطوير حقول نفط، غير اننا لسنا سياسيين، ولا نستطيع اتخاذ قرارات من هذا النوع.. وقد التفت العراق، مؤخراً لشركة «زارو بيجنفت» الروسية المملوكة للحكومة لمنحها عقود تنمية الحقول النفطية طويلة الأمد. وكانت الشركة تعمل في العراق لأكثر من ثلاثة عقود. وقال خلف إن الحكومة العراقية التي خاب أملها بالفرنسيين لدعمهم المتواصل للعقوبات الأميركية قررت مؤخراً تجريد كونسورتيوم توتال فينا الف الفرنسي من حقوق تطوير حقل بن عمر واعطائها لزاروبيجنفت. وبهذا العقد تستطيع الشركة الروسية ان تستخرج 3.3 مليارات برميل نفط خام من بن عمر. ويقول نيقولاي توكاريف المدير العام لزاروبيجنفت انه لايزال يفكر بما سيفعله. ويضيف: «لقد قدموا عرضهم لنا، وبالطبع نحن مهتمون جدا لانه من حقول النفط المميزة. غير اننا ندرك تماما ان المشروع بالعمل بالطاقة القصوى في الحقل سيعتمد على الكثير من العوامل السياسية. وقد حصلت شركات روسية اخرى على عقود اصغر. فشركة سلافنفت المملوكة للحكومة حصلت العام الماضي على عقد لتطوير حقل لحيس جنوب العراق لاستخراج 490 برميلاً. وفي يونيو وقعت شركة سيبور وهي فرع من شركة غاز بروم الروسية العملاقة عقدا لتطوير حقل غاز في جنوب العراق. فيما حصلت ثلاث شركات مجتمعة هي تاتنفت وروسنفت وزاروبيجنفت على عقد لتطوير حقل آخر في القرنة الغربية بعد رفع العقوبات. ويظل السؤال الماثل امام الروس هو ما الذي سيحل بهذه العقود اذا ما مضت الولايات المتحدة قدما في حربها ضد العراق وصدام حسين. بعض المدراء يزعمون بأن عقودهم يجب ان تبقى سارية غير ان الكثيرين مازالوا يتفكرون ويبحثون عن بدائل تتمثل بالتواصل مع شخصيات من الصفوف الخلفية في السلطة للابقاء على حظوظهم قوية حال الاطاحة بالصف الأمامي. وكان ارييل كوهين الباحث في مؤسسة هيرتيج الامريكية في واشنطن قد اقترح في ابريل الماضي على ادارة بوش ان تؤكد دعمها للحقوق التعاقدية الروسية في العراق وبقائها سارية لكسب موافقة موسكو على الحرب الاميركية. كما اقترح ايضا ان تدعم اميركا المطالب الروسية لاي حكومة عراقية بعد صدام بدفع ما على العراق من ديون لروسيا او ان تقوم واشنطن باجراء صفقة مع موسكو تتم بموجبها مبادلة الديون الروسية ـ بتخفيض لما على موسكو من ديون لنادي باريس او الدول الدائنة لها بقيمة مماثلة للديون الروسية. وكان لهذه الافكار صداها في ارجاء الكونغرس حيث قال النائب الجمهوري هنري هايد رئيس لجنة الكونغرس للعلاقات الدولية: ان هذا يمثل ضرورة اقتصادية لروسيا وعلينا ألا نكتفي بمجرد الاحتجاج على تنامي علاقاتها مع العراق. علينا ان نعرض عليها ما يستحق ان تهتم به او قريبا منه على الاقل في مقابل ما نريده. وفي غضون ذلك طرحت شركات روسية مثل لوكويل ويوكوس وجازبروم افكارا عن بدائل اخرى تتمثل في تشكيل الشركات الروسية والأميركية لتجمعات مشتركة من الشركات للاستثمار في النفط العراقي بعد صدام حسين. يقول خودركوفسكي مدير يوكوس: «ندرك ان الاميركيين لا يستطيعون اعطاءنا اي ضمانات. لكن اذا ما كانت هناك ارادة سياسية كافية، او تشكيل كونسورتيوم بين الشركات الروسية والاميركية قبل حدوث كل ما هو منتظر.. فذلك سيوفر مستوى كافياً من الضمانات للشركات الروسية وروسيا عموماً. عن «واشنطن بوست»