يستمد هذا الكتاب أهميته من التجربة الفريدة لمؤلفه على صعيد الحياة السياسية الاميركية ومن آرائه ومواقفه، حيث يعتبر من الشخصيات العامة الاميركية القليلة التي واتتها الجرأة على التصدي علانية للماكينة الرهيبة للنفوذ الصهيوني في واشنطن . هنا يروي ديفيد ديوك قصة بروزه في الحياة السياسية لولاية لويزيانا وانطلاقه ليحتل المكانة البارزة التي يشغلها في مجلس الشيوخ الاميركي كأحد ابرز السياسيين الجمهوريين الذين يمتلكون ناصية رؤية للمستقبل الاميركي ترفض الخضوع للضغوط والابتزاز من قبل عناصر كاللوبي الصهيوني. ويظل ما يطرحه على امتداد هذا الكتاب مثيرا للجدل وللخلاف وحافلا بوجهات النظر ووجهات النظر المضادة، لكنه يستحق في نهاية المطاف المزيد من الاهتمام. ولدت في بلد بناه الاجداد الاوروبيون، وفي طفولتي عشقت ذاك التراث كثيرا حتى انني كرست حياتي للدفاع عنه والحفاظ عليه وبعد خمسة وعشرين عاما امضيتها عضوا في مجلس النواب الاميركي عن لويزيانا في اعقاب اكثر الحملات الانتخابية التي شهدها التاريخ الاميركي اضطرابا. وما ان اديت اليمين، واثناء تقدمي لاحتلالي كرسي في مجلس النواب حتى قام حاجبان من المجلس بتسليم سلال مليئة بالرسائل، احتوت على ما يقرب من 6000 رسالة من اشخاص يتمنون الخير للمجلس من كل انحاء الولايات المتحدة والعالم واستقرت على مكتبي كدسة من الرسائل تعلوها بطاقة بريدية يشير طابعها الى انها واردة من مدينة نيويورك ووجدت البطاقة طريقها الى مكتبي في لويزيانا كابيتول وتحمل فقط العنوان التالي: «ديوك ـ لويزيانا». وتقول الملاحظة المكتوبة بخط اليد على خلفية البطاقة: «شكراً للتحدث من اجل الاميركيين من اصل اوروبي الذين يعانون من وضع سياسي غير لائق». واحتشدت وسائل الاعلام الضخمة من حولي ليس من اجل الأهمية المحدودة لانتخاب مجلس نواب جديد ولكن لان الصحافة اعتراها الفزع بأن رجلا تجرأ الحفاظ على حقوق الاميركيين من اصل اوروبي امكن انتخابه لمنصب عام. وفي الحقيقية لم يزعجهم انتمائي السابق لمنظمة «كوكلوكلان» بل ورقة عملي الحالية، لقد كان السيناتور روبرت بيرد من ويست فرجينيا عضوا سابقا في المنظمة، واصبح فيما بعد ليبراليا ديمقراطيا، ولم يكن ذكره بذي اهمية لكنني اصبحت اتصدر عناوين الصحف، وتأكد لي انه لاخلاص لي من وسائل الاعلام، لانني لم اكن لاتراجع عن مواقفي ازاء «النوع ـ الجنس»، وتأكد لي ان الوف الناس اختاروني في الانتخابات لأنني جاهرت بما كانوا يشعرون به في قلوبهم، وكنت اعلم ايضا ان الكثير من التمنيات الطيبة الموجهة الي جاءت لأنني وصلت الى مقعدي النيابي كما وصلت البطاقة البريدية التي القيت على مقعدي وقرأتها لمواجهة الظروف الغريبة جدا.وعندما تلاشى الهرج والمرج في المجلس قلبت في ذهني الطريق الطويل الذي قادني للتحول الى اشهر نائب لولاية. بدايتي ان حكاية اي فرد لا تبدأ حقيقة بمولده، او حتى بتكون مفاهيمه من دون الاخذ بالاعتبار العوامل الوراثية والهندسية الجينية التي تكون شخصيتنا، لقد صيغت الجينات التي تكون شخصيتي وكل اميركي من اصل اوروبي خلال العصر الجليدي، واستمرت عبر الاجيال من دون انقطاع. لقد ورثت كل ملامحي والكروموزمات التي يتكون منها جسمي سواء خيرة او رديئة من الالوف من حامليها الذين ناضلوا كل بدوره من اجل البقاء وقد حمل كل جيل لنقل مورثاته الى جيل آخر، حتى وصلت الى والدتي ووالدي وعلى الرغم من ان طبيب امي قد اضعف من عزيمتها، الا انها ناضلت حتى ارى نور الحياة، وهي عازمة على نقل حياة جديدة الى تلك السلالة المتصلة التي انتمي اليها. ولدت قرب المركز الجغرافي للولايات المتحدة لأبوين ولد أحدهما في كنساس والآخر في ميسوري اما انا فقد ترعرعت في ضواحي نيو اوليانز، حيث بدأت عائلتي في الاقامة هناك منذ ان كنت في الخامسة ولم اشأ ان اكشف عن الجانب الاميركي الشمالي في عروقي لاترابي، لقد كنت انا واترابي نتقاسم كل شيء يمت للجنوب بصلة، ولم اتفوه بكلمة واحدة عن اي من افراد عائلتي وانحدارها في اقصى الشمال من ولاية ماساشوستس وهي في مخيلتنا تقع الى اقصى الشمال، وانتمي الى جذور خلاصية، وقد هاجرت اسرتي من اسكتلندا في اوائل القرن التاسع عشر، لقد كانت عائلتي بكاملها تفلح الارض وتزرعها. وبينما كانت الايام والسنون تنقضي ويشتد عودي بات واضحا ان والدي صرفا النظر عن اعدادي لاكون واعظا مفوها، فلم اكن من النوع الصاخب، قوي الحنجرة، بل كنت اميل الى الهدوء، ولذلك فلن اصلح لاعتلاء المنبر وشجعني والدي على القراءة، ومنذ ان بلغت الثالثة والنصف من العمر مضى يشجعني على الجلوس والقراءة ساعة على الاقل كل يوم. ولما بلغت الرابعة، عين والدي وكان مهندس بترول، في هولندا، وعمل بشركة شل وخلال اقامتنا في هولندا قمنا بجولات سياحية في عدد من الاقطار الاوروبية ومنها اسكتلندا، وفي العام 1955 عادت اسرتي الى الولايات المتحدة على متن السفينة «كوين ماري» واستقرت بنا الحال في نيو اورليانز، حيث واصل والدي العمل لدى شركة شل، واقمنا في ضاحية عرفت باسم جينتلي وودز، وهي ضاحية احتفظت بالصورة التقليدية للطبقة الوسطى لأواسط الخمسينيات. واذا كان معظم الناس يحملون في ذاكرتهم صورة مدرسهم في باكورة حياتهم فانني لا ازال احمل في ذهني صورة مدرستي المفضلة زينة سترول عندما درست في مدرسة كليربورن وقد ساعدتني على تصحيح لفظي للكلمات الانجليزية بعد ان كنت متأثرا بلفظ الكلمات الهولندية، وبصرف النظر عن والدي ووالدتي فقد كانت تناقش معي، بعد انتهاء الحصص الدراسية، قضايا خاصة بالعالم والسياسية والعلوم، وكانت اول مدرسة تشجعني على القراءة، بعد والدي، وقد تمسكت زينة سترول بروح انضباطية عالية، ولكنها بعد انقضاء الحصص كانت تحتضن كل تلميذ وتلميذة على حدة. وخلال دراستي من الحضانة الى الصف السادس الابتدائي لم ألحظ وجود اي مخدرات في مدرسة كليربورن، ولم أر أية صور خليعة او كأس خمر، وعدا عن عدم وجود اي حادث قتل باطلاق النار في اروقة المدرسة فلم اشهد اية حوادث عنف باستثناء جولات المصارعة والصراع بالايدي بين الصبيان، ولم يستخدم احد اية اسلحة في هذه الجولات، كما كانت حالات السرقة والغش نادرة، وعندما كانت تحدث فإن المهاجم لم يكن يتفاخر بما حدث، ولعل افظع عمل يمكن ان يأتي به الطالب هو مضغ اللبان او الخروج من الصف من دون اذن. والحقيقة انني وزملائي كنا متخابثين. قرأنا بعض الكتب واعدنا تمثيل المغامرات المصورة في هذه الكتب، لقد وجدنا خيالاتنا في صفحات قصص السيروولتر سكوت المليئة بالفرسان الجشعان، الذين يخوضون المعارك من اجل الحرية. لقد كنا يانعين، في عمر الزهور احببنا لعبة الحرب والصيد البري والبحري واقامة المعسكرات الصيفية، وبالنسبة لنا فان ديفي كروكيت كان يجسد كل تلك المهارات باعتباره بطلا اسطوريا، وكنت اتمسك بأهداب الدين. لقد شهدت اميركا نضالا على مدى قرنين من الزمان تم خلالهما بناء حضارة جديدة وامة عظيمة ولعبت اعوام الخمسينيات واوائل الستينيات دوراً عظيما ايضا في بعث الروح والثقة بالمستقبل، واعتقد ان الاساطير تغيرت خلال العقود الثلاثة الماضية، فعيد الشكر الذي كان يحتفل به تقليديا لتخليد نضال اجدادنا لبناء صرح الأمة الاميركية وتوطيد دعائمها لم يعد الكثيرون ينظرون اليه كعيد شكر لانتصارنا في ذلك النضال بل اصبح مناسبة للاختلاط متعدد الثقافات ما بين الاميركيين من اصل اوروبي والهنود واختزلت المؤسسة السياسية كلها الصراع ما بين البيض والهنود ليصبح رحلة ندم بالنسبة للاميركي الابيض. المسألة اليهودية في العقد الاخير من القرن الماضي كان مجرد توجيه اي انتقاد لليهود او لمعتقداتهم او لاسرائيل يعد من أسوأ الجرائم الاخلاقية فأي شخص يحمل في ثنايا عقله اية افكار سلبية حول اليهود يجد نفسه مصنفا مع اعداء السامية، وما ان يحصل اي شخص على هذه الصفة، سواء اكان ذلك صدقا ام كذبا فلن ينجو من سياط وسائل الاعلام، التي تعتبر العداء للسامية خطيئة كبرى لا تغتفر، اما بالنسبة لي كشحص لا يمكن اصلاحه او ردعه فأجد لدي الحرية في الكتابة والحديث صراحة وبكل حرية عن احدى المحرمات التي تجرؤ قلة فقط على اقتحامها. لست معاديا للسامية وانا ارفض تلك المسبة، ولكن ينبغي ان اتطرق الى ما وصفه هنري فورد بـ «معضلة العالم الاولى» وهي معضلة باتت الآن خطيرة على بقاء الشعب الاميركي وحريته. لقد بات من الصعب غالباً في عالمنا المشبع بصور المحرقة ان تذكر كلمة «يهودي» من دون ان تثار الانفعالات والعواطف، لقد لجأ الاعلام الغربي الى الترويج لهذه الصورة وتكرار الترويج لها. وحسب ما ذكر المؤرخ الانجليزي ديفيد ايرفنج، الذي يتمتع باحترام واسع، فان كلمة «المحرقة» التي تكتب مبدوءة بحرف كبير اصبحت علامة مسجلة تنطبق على هذا المعنى فقط، وقد تحول «المحرقة» من موضوع فرعي وهامشي للحرب العالمية الثانية الى نقطة اصبحت فيها الحرب مرجعا لـ «المحرقة» وقبل سنة من نشر هذا الكتاب، قامت صحيفة بنشر عشرات الانباء والمقالات الخاصة بالمعالم المختلفة للمحرقة وفي العام ذاته اغفلت الصحيفة ضحايا الحرب العالمية من السوفييت الذين تراوح عددهم ما بين 20 الى 40 مليونا ولكنها نشرت تقارير عن مصرع ثلاثة ملايين كمبودي، ولم تظهر مقالة واحدة في الصحيفة عن ذبح ما يتراوح ما بين 30 الى 40 مليون صيني. وعندما فحصت ارشيف الصحيفة اكتشفت ان ما نشر من مقالات اخبارية عن «المحرقة» في اواخر التسعينيات من القرن الماضي بلغ عشرة اضعاف ما نشر عنه في اواخر العقدين الرابع والخامس من القرن الماضي. وقلما كتب عن حادثة الكثير وذكرت إلا خفت ذكرها بعد حين، وعلى سبيل المثال، فقد حظيت الحرب العالمية الثانية بالنصيب الاوفر من الاعمال السينمائية والتلفزيونية والوثائقية والكتب والمقالات في عقد الخمسينيات اكثر من اواخر التسعينيات، لكن الامر لم يكن كذلك بالنسبة «للمحرقة» ويبدو انه كلما ابتعد بنا الزمن واتسعت صناعة «المحرقة» انقدنا قسراً الى الانغماس فيها. يحتاج الامر الى عمل جبار لاحصاء كل الاعمال التلفزيونية التي خصصت لـ «المحرقة» سواء القصص الاخبارية او البرامج الخاصة او الوثائقية والاعمال الدرامية الوثائقية فضلا عن المؤلفات مثل الكتب الخيالية وغير الخيالية والافلام وتعرض علينا ليل نهار قصص ضحايا «المحرقة» والاقارب والناجين منها وجرائم الحرب والمجرمين والاعمال الفنية ذات البناء المعتمد عليها والاعمال الادبية والقصص التذكارية والتذكاريات ويقع في واشنطن متحف لـ «المحرقة» بلغت تكلفة انشائه ملايين عدة من الدولارات، ويقع على اقدس ارض اميركية في البانثيون الاميركي، بالقرب من معهد سميثسونيان يتم تمويله بمبالغ ليست صغيرة من دخل الضرائب الذي يدفعه الاميركيون من قوتهم، والمثير للاستغراب ان هذا المتحف شيد قبل اي نصب تذكاري يخلد الحرب العالمية الثانية. انه صرح عملاق ونسخة عصرية من غرفة الرعب في متحف شمع مدام توسو. ولكن «المحرقة» ليست العذاب اليهودي الوحيد الذي ينبغي علينا ان نأسى له، لاننا شاهدنا الكثير من القصص التاريخية المحزنة والانتاجات الهوليوودية التاريخية الاخرى حول اضطهاد الآخرين لليهود في فصول التاريخ لقد شاهدنا اليهود ضحايا في الشرق الاوسط وضحايا في اوروبا وحتى في اميركا، وهناك سيل لا ينضب من الكتب والمقالات والافلام والمسرحيات حول يهود عانوا من شرور الهجمة المعادية للسامية. وفي كل عام تبرز عشرات الالوف من القصص حول الذكاء والعواطف الانسانية القوية والايثار والقدرة الابداعية والجوانب الاخلاقية والشجاعة لليهود، وتملأ شاشات التلفزة والسينما، وتغطي صور الصفحات الاولى للصحف الاميركية والمجلات والبرامج المرسلة عبر الاقمار الاصطناعية وهناك الالوف من الجداريات التي تصور اليهود المضطهدين كأبرياء وكنبلاء وكأبطال، في حين ان خصومهم يصورون وكأنهم يجسدون الشر بعينه، والحقيقة انه ليست هناك اي مجموعة على وجه هذه البسيطة افضل من اليهود في العلاقات العامة. لقد شاهدنا تلك الصورة النمطية للعداء للسامية بدءا من ملاحقة جيش فرعون وهو مشرع السيوف والرماح يلاحق العبرانيين او القيصر وجيشه من القوزاق المعادين للسامية او هتلر ورجال الاس. اس الذين يرتدون الثياب السوداء ويمضون في اضطهاد اليهود او صورة عربي مزعوم بدون اسم وهو يحاول اختطاف اطفال مدارس اسرائيليين او تلك الصورة المألوفة ليهودي حساس يسيء رجل اعمال معاد للسامية اليه، لقد شاهدنا الاجسام اليهودية التي هي اقرب لهياكل عظمية منها لاجسام آدمية عادية، ولقد شاركنا جميعا هذا الالم اليهودي، لقد علمت كل هذا، وكان كل شيء صادقا بالنسبة لي عندما كنت شابا صغيرا. في الحادية عشرة من عمري كنت اقرأ كتاب «آن فرانك: مذكرات فتاة شابة» اثناء وجودي في مكتبة المدرسة، وشعرت باشمئزاز من لا انسانية اعداء السامية، وما ان فرغت من قراءة الكتاب حتى شعرت بأنني فقدت فردا من افراد اسرتي وبأكمام قميصي مسحت ذاك الدمع الذي ظهر في عيني. لم اكن اناقش والدي سوى مرات قليلة حول اليهود، اولئك الذين كان يكيل لهم الثناء فقط، لقد تحدث عن عمي ناثان الذي اعتنق المسيحية، بعد ان كان يهوديا، وكان والدي يحمل له احتراما كبيرا وتحمل هذا الاحترام لليهود الذين يطلق عليهم اسم «العبرانيين» معتقدا ان هذه التسمية تحمل ثناء اكبر من تسميتهم باليهود. وفي مناسبات مختلفة وصف هؤلاء «العبرانيين» بأنهم مكافحون واذكياء ومثقفون ويعرفون تدبر امرهم ، وتعني «تدبر الامور» ثناء وتترك اثرها واضحا علي، لانني اعلم ان والدي ينظر الى تلك السمة الخاصة على انها الاهم من بين كل السمات، كان يكره الاسراف في كل شيء ومن اي نوع، لقد تعلمت ذاك الدرس مرات عدة على مائدة الطعام، اذ علي تناول كل لقمة من الطعام قبل ان يأذن بالانصراف، اعتقدت ان كلمة «تدبر» ليست غريبة عن عائلة ديوك الاسكتلندية، لكن سماعي انها يهودية اثار اهتمامي.لقد كونت الخطب الخاصة بـ «المحرقة» وقصص الانجيل انطباعاتي الاولية عن اليهود، ودفعني فيلم سيسل بي. رومي الكلاسيكي بوصفه يكرس مفهوم الوصايا العشر الى تشبيه الهيودي المعاصر بالاسرائيليين الابطال كما في التوراة وشكلت اعجابا عظيما وعميقا بـ «الشعب المختار» . التحول الكبير لكن كيف تحولت من مغرم باليهود الى ان اوصف في النهاية بأنني خطر ومعاد للسامية من قبل منظمة قوية مدافعة عن اليهود مثل «عصبة مناهضة تشويه سمعة اليهود» او «بناي بريث»؟ لم يسبق ان اتهمني يهودي علانية قط بارتكابي خطأ لم يعلمني اي من والدي او اصدقائي او وجهت اليهم اللوم لانهم تآمروا على المسيح، وعلى الرغم من انني ارفض رفضا قاطعا ان اوصف بأنني معاد للسامية، فانني اعتقد اعتقادا راسخا كأي شخص آخر بأن اليهود يستحقون الثناء لانجازاتهم، ولكن بالعكس ينبغي الا يكونوا محصنين ضد الانتقادات لنواقصهم، والمشكلة الوحيدة هي انه في اعقاب الحرب العالمية الثانية اغرقت الولايات المتحدة بقصص «المحرقة» ولذلك فان اي انتقاد لليهود كمجموعة ينظر اليه كمعادل اخلاقي لارتكاب قتل جماعي. لو انتقد اي شخص التاريخ اليهودي او سلوك اليهود او الملامح غير المتسامحة لدينهم او حتى سياسات اسرائيل الصهيونية، فانه بدون شك سيصنف كـ «معاد للسامية» وهو تعريف ليس هناك ما يعادله من ضرر او تحامل، واذا تحدث اي شخص عن اساءة معاملة الهنود الحمر في التاريخ الاميركي لايوصف بأنه معاد للأميركي وهؤلاء الذين يعبرون عن الفزع ازاء محاكم التفتيش الاسبانية لا يصنف بأنه عدو للمسيحية او عدو لاسبانيا. وسائل الاعلام تلك التي لا تتردد في منع حتى اخف الانتقادات لليهود لا تتوانى عن اهدار كرامة اي مجموعة اخرى، وعلى سبيل المثال فان الجنوبيين البيض والالمان والانجليكانيين المسيحيين اخذوا اكثر من نصيبهم من السخرية والاستهزاء وبات تصوير الريفي الجنوبي الابيض ذي الفكين النحيلين والاسنان الخضراء الجاهل والعنصري الكريه والقاتل صورة نمطية في افلام هوليوود ومن افضل الكتب مبيعا في التسعينيات كتاب «المتواطئون مع هتلر» الذي روجت له وسائل الدعاية والاعلان ويقول الكتاب ان الشعب الالماني يكمن الشر في اعماقه، وهناك شيء يجعل من كل الالمان مذنبين عن الفظاعات التي ارتبكت في غمار «المحرقة» وفي تناقض صارخ فانه كلما ذكر اليهود يسود صمت ممزوج بالاجلال، ولكن ماهو هذا الشعب اليهودي الذي اثار مثل هذا العشق غير المحدود وتلك الكراهية العميقة؟ فيما مضى اصحبت مقتنعا بأن النوع مهم وان الناس من اصول اوروبية بحاجة لحماية تراثهم وثقافتهم وهكذا فقد اصبحت عضوا شابا في مجلس المواطنين، وغالبا ماكنت اتوجه الى المكتب الكائن، في شارع كاروندولت في نيواورليانز بعد الانتهاء من الدراسة للقيام بأعمال تطوعية حتى في ايام الصيف المطرة. وتدفقت الى مقر المكتب مئات المطبوعات من مئات الجماعات ذات الاتجاهات اليمينية في جميع انحاء اميركا، وفي احد الأيام وبينما كنت اساعد في فرز البريد وقع بصري على صحيفة «كومون سنس» او «الفطر السليمة» لقد كانت الصحيفة محافظة يمينية تترسم خطا توماس بين لكنها كانت ابعد ما تكون عن ان تمثل آراء بين، وجاء في احد العناوين «الشيوعية هي اليهودية» مشيرة الى الخطط التي وضعها الشيوعيون بقيادة اليهود لاميركا وعثرت ايضا على اصدارات قديمة وتنبأ عنوان كبير في احدى هذه الصحف بأن تخضع اميركا «للدكتاتورية الحمراء مع قدوم عام 1954 ولكن مثل هذا التحذير لم يمنح الصحيفة شيئا من المصداقية ورأيت في صحيفة شبيهة لـ «ناشونال اينكويرر» شيئا مثيرا للسخرية، ولكن كانت تصيب مقاومة اغراء قراءة شيء ما مثير للفضيحة ولايعدو كونه مادة تبعث على الضحك. كلمات صادقة احدى المتطوعات المنتظمات كانت ماثي سميث، وهي سيدة عجوز، ترتدي فستانا من قماش طبعت عليه ورود واعتمرت قبعة غريبة المظهر رأتني هذه العجوز احدق في العناوين الغريبة، وأومأت لي قائلة اتعلم ان هذا الكلام صحيح، ورددت عليها قائلاً الدكتاتورية الحمراء قائمة في العام 1954 وسارعت للقول: لا الشيوعية هي اليهودية واليهود هم وراء الشيوعية. وظننت انه بامكاني مداعبة تلك العجوز بمجادلتها بأدب فسألتها «يا سيدتي كيف يمكن ان يحدث ذلك؟ الشيوعيون ملحدون لا يؤمنون بالخالق واليهود يؤمنون بالله اذن كيف لهم ان يكونوا شيوعيين». قالت متسائلة: هل تعلم من هو هربرت ابثيكر؟ اجبت قائلا: «لا» وتظاهرت بعدم المبالاة.وبدت وكأنها نابض مضغوط يوشك ان ينفلت وتابعت قائلة: « له دور رسمي كمنظر رئيسي للحزب الشيوعي الاميركي وادرج اسمه بين شخصيات العالم اليهودي، لقد كان ليون تروتسكي الشيوعي، الذي استولى على روسيا مع لينين، من بين اسماء الشخصيات اليهودية الاميركية ايضا اسمه الحقيقي هو ليف برونشتاين وكلاهما شيوعي ملحد، وسجل اسماهما بفخر باعتبارهما يهوديين عظيمين في هذه الكتب التي اشرفت على طباعتها المنظمات الحاخامية القائدة في العالم. وبكل وداعة قلت: ربما ادرج اسماهما في هذه الكتب لانهما كانا يهوديين فيما مضى. ورددت قائلة بتنهيدة: امامك الكثير لتتعلمه بموجب قانون العودة الاسرائيلي يمكن ان تكون شيوعيا ملحدا، ولكن لا يزال بامكانك الهجرة الى اسرائيل وهناك الكثيرون منهم، فأنت لا تؤهل للهجرة الى اسرائيل مالم تكن يهوديا، ويوصف اليهودي بأنه الشخص المنحدر من اصل يهودي وهكذا ترى انه بامكانك ان تكون يهوديا وفي الوقت ذاته ملحدا وشيوعيا، واقول لك ان الشيوعية هي يهودية. وكررت وراءها بسخرية «كل اليهود شيوعيون» وردت باصرار «لا، لا، لا» وظهرت في نبرة صوتها انها تتمالك اعصابها وتابعت قائلة: ليس كل اليهود شيوعيين اشبه بالقول ان جميع الافاعي سامة لكن معظم قادة الشيوعيين في اميركا هم من اليهود وكذلك معظم جواسيس روسيا في اميركا وكذلك قادة اليسار الجديد، ومن الناحية التاريخية فان معظم القادة الثوريين في روسيا هم يهود ايضا. ما قالته ماتي سميث جعلني مضطربا وعلى الرغم من أن الوقت لم يكن قد حان بالنسبة لي للمغادرة فانني زعمت ان علي اللحاق بالحافلة للعودة الى البيت، غادرت المكتب على عجل ورأيت ان ماتي سميث كانت على خطأ، لكن لم تكن لدي اية ادلة حتى انفي كلامها. وعزمت على اجراء بحث حول هذا الموضوع حتى يصبح بوسعي ان اوضح لها لماذا وقعت في الخطأ. وازعجني شيء آخر ايضا حيث شعرت قليلا بعقدة ذنب لانني تحدثت الى شخص قال كل تلك الاشياء عن اليهود، لقد كنت بطبعي معاديا للشيوعية ولافتراض ان اليهود كانوا وراء كل ذلك الفزع الذي سببه الشيوعيون كان يعني بالنسبة لي مزاعم مرعبة حتى ان قلبي حدثني بأن كل تلك الاقاويل قد تكون محض افتراء، لقد كانت تلك هي المرة الاولى اقف وجها لوجه مع شخص افترض انه معاد للسامية وهرعت للحاق بحافلتي. وخلال اليومين المقبلين تجنبت حتى التفكير بالقضية ونأيت بنفسي عن مكتب مجلس المواطنين، واخيرا التقطت عددين من صحيفة «كومون سينس» واخذتهما معي الى البيت، وذكرت احداهما ان منظمة «إن ايه ايه سي. بي» ليست سوى منظمة واجهة للشيوعية تم تكريسها للاطاحة نهائيا باسلوب معيشتنا وذكرت الصحيفة ان 12 يهوديا وأسود اسسوا هذه المنظمة واشارت إلى ان جميع الاعضاء المؤسسين ماركسيون مخلصون لهم صلات وثيقة بالحزب الشيوعي، وتابعت الصحيفة تقول ان الشخصية السوداء الوحيدة من المؤسسين هو دبليو . اي. بي دوبوا، وهو عضو مخلص للحزب الشيوعي وهاجر الى غانا حيث توفي هناك، وفضلا عن ذلك اوضحت الصحيفة الشغوفة بالفضائح، ان منظمة « إن. إيه، إيه. سي. بي» (اي الرابطة القومية لتطوير الملونين في اميركا تتلقى تمويلا من اليهود وكان رئيسها دائما يهوديا وقالت الصحيفة ان يهوديا يدعى كيفي كبلان هو الرئيس الفعلي للرابطة، بل كان الرئيس الاسود مجرد واجهة والمقصود روي ويلكنس وعلى الرغم من ان الجمهور كان يعتبر ان ويلكنس كان رئيسا للرابطة فان الصحيفة اكدت انه كان في الحقيقة يحتل اقل مرتبة للسكرتير القومي. اما العدد الثاني من الصحيفة نفسها فلم يكن اقل اثارة حيث تضمن مقالا مطولا اكد ان الشيوعية الدولية بدعة يهودية والثورة الروسية لم تكن ثورة روسية على الاطلاق، ويفترض ان اليهود قاموا بتمويل وقيادة الشيوعية منذ نشأتها وقام اليهود بالهيمنة عليها بالكامل في الولايات المتحدة. واقتبست هذه الصحيفة اليمينية «ناشونال انكوايرر» الكثير من الاسماء والتواريخ والمصادر لدعم اقاويلها غيرالمعقولة وشعرت بشك عظيم ازاء مصداقيتها ولكن المعلومات كانت دامغة جدا بصورة يصعب انكارها لكنني تعلمت في ضوء ابحاثي العرقية الا استبعد الاراء غير المحبوبة بسهولة. وعلى الرغم انها من الظاهر موثقة توثيقا قويا، فان المقالات بدت مستهجنة وبعيدة عن الحقيقة. ولكن كيف لاكثر منظمات السود نفوذا واوسعها في اميركا ان تكون تأسست ومولت واديرت من قبل اليهود والماركسيين اليهود بدلا من السود؟ كيف لشيء لا يصدق ان يحفظ هكذا هادئا دون ان يعلم عنه معظم الناس شيئا؟ فلو كانت الثورة الروسية فعلا بقيادة اليهود بدلا من الروس الماركسيين فكيف لهذه الحقيقة التاريخية الكبيرة ان تغفل في كتبنا التاريخية وفي وسائل اعلامنا الشعبية؟ والادهى من ذلك لم اكن افهم لماذا يلجأ اليهود الاثرياء واصحاب النفوذ الى تبني امتزاج ألاعراق والشيوعية. كان والدي في ذلك الحين يحدثني باستفاضة عن شرور الشيوعية، ومنذ نعومة اظفاري كنت مناهضا للشيوعية وقرأت كتبا مثل «ضمير محافظ» للكاتب باري جولد ووتر و «لا احد يجرؤ ان يسميها خيانة» للكاتب جون ستومر، مثل تلك الكتب وكتب اخرى تركت انطباعا لدي باختراق الايديولوجية الشيوعية للمجتمع الاميركي ولوسائل اعلامه ولحكومتنا. عندما تفجرت ازمة الصواريخ الكوبية ما زلت اذكر ان والدي كان يسعى لبناء ملجأ نووي حتى انه اشترى مؤونة وامدادات اخرى تكفينا للبقاء احياء، وخلال تلك الفترة انتقلت فكرة الحرب النووية من كونها فكرة مجردة الى حقيقة بالاستعداد لها. وفي اوائل الستينيات اختبرت معظم الاحياء صافرات الانذار، باطلاقها عند الظهيرة وعندما كنا ننسى الوقت في المدرسة كانت تنطلق صافرات الانذار عند الظهيرة ونتساءل للحظات ما اذا كانت الحرب قائمة فعلا. وخلال الازمة الكوبية كان معظم الكبار يرون ان الحرب النووية لن تقع لانها لا ينبغي ان تقع لان مجرد التفكير بها شيء وحشي، ولما كنت في الحادية عشرة من عمري كنت اميل الى الاعتقاد ان اي شخص يمكن ان يجذب المفتاح. ومضت سنوات ليكتشف العالم أننا مشينا بخطى اقرب الى حرب نووية اقرب بكثير مما كان يفكر معظم الاميركيين في تلك الفترة، واسهم اعتقادي بأن الشيوعيين اوشكوا ان يعرضوا عائلتي لخطورة محرقة حرب نووية في ازكاء مواقفي المناهضة للشيوعية وتعميقها. تأليف : ديفيد ديوك، عرض ومناقشة: محمد نبيل سبرطلي