الكلمات لحاييم حيفر. أما المغني الذي حول القصيدة الى نغمة دارجة فهو اريك لفي. الموضوع كان وداعا حنينيا لقرقعة آخر قطار أفعم دخانه أنفه، «تشيك تشيك تشاك نفخ القطار» - من بئر السبع الى محطته الاخيرة في حيفا. لقد كانت هذه في واقع الحال رمزا لقوة تآكلت مع السنين، ورويدا رويدا، بتثاقل وتهالك - «تشيك تشيك تشاك قرقع القطار» - لم تصمد قوته أمام حمله الثقيل. «نافخ الدخان القديم وقف في المحطة واشتعل نارا». لماذا تذكرت هذه الأغنية؟ بسبب شارون، بالطبع. فقد اتضح ان ليس القطارات تتعب بل والجرافات ايضا. فهي تصل الى قمة الجبل وفجأة يتبين انها ليست ما كانت عليه من قبل. ومع ان في ظهورها أمام الناس تبث ذات القوة التي كانت لها ذات مرة، الا انها لا تصمد أمام الحمل الثقيل. انها تقف بتثاقل في وسط الطريق فلا تسير الى أي مكان. ان قرار شارون رفض توصيات مجلس الأمن القومي، بكلتي يديه، أكثر مما هو بالمعارضة الذكية يبث عدم قدرة على الحراك. وبتعبير أدق عدم قدرة على التصدي لصورة الوضع الأمني، التي كلما اقترب المرء منها طالبته ليس فقط بالتمعن والبحث المعمقين، بل وبالأساس باتخاذ القرارات الشجاعة. فالاستنتاج الأساسي للتقرير والتوصيات للعام 2002 هو ان اسرائيل وصلت الى النقطة التي يتعين فيها ان تقرر حدودها النهائية. فهي الدولة الوحيدة في العالم التي ليس لها حدود دائمة، والزمن يمر والساعة الديمغرافية تدق. وسيأتي اليوم، وهذا ليس ببعيد، الذي ستكون فيه اغلبية عربية بين النهر والبحر، وهو سيحرم اسرائيل من تميزها كدولة يهودية وديمقراطية. في هذه الظروف، كما يتبين من تقرير مجلس الامن القومي، فان كل بديل أفضل من الوضع القائم: اقامة دولتين من خلال اتفاق، انفصال من طرف واحد تقرر فيه اسرائيل حدودها، أم اقامة دولة واحدة تحت سيادة اسرائيل. الخيار الأخير معناه ضم المناطق، الامر الذي لم يجرؤ حتى بيغن على عمله، وكذا على أي حال الترحيل الجزئي ايضا. ان ما يتبين من التقرير في واقع الحال هو ان كل بديل أفضل من وضغ اغلبية غير يهودية في دولة عديمة الحدود. والسطر الأخير في التقرير يمكن اجماله في كلمتين: جرس انذار. ان انعدام الرغبة لدى الحكومة المشغولة في الشئون اليومية التي لا تصل الى أي مدى يتجاوز الأنف للنظر في سحب العاصفة السائرة في الأفق هو فضيحة وانعدام للمسئولية الوطنية. دان مريدور، الذي كان مع بيني بيغن في العام 1999 بين المبادرين لفكرة تشكيل مجلس الامن القومي، يقول، انه جاء للتخفيف عن الحكومة أمر التركيز على النظرة بعيدة المدى. وبطبيعة الحال، فان حكومة على هذا القدر من الحجم تعنى بالسياسة قصيرة المدى ولا تدخل في مباحثات معمقة. ولكن قرار عدم القرار هو خطير ايضا. يقول مريدور: السفينة التي لا يفحص مسارها، نهايتها التحطم. يمكن لنا ان نعد على أصابع يد واحدة عدد الزعماء الذين اتخذوا قرارات تاريخية شجاعة: بن غوريون، الذي أعلن عن دولة خلافا لرأي الحمائم لديه وتبنى خطوط الهدنة للعام 1949 مترافقا مع القول الذي لا يُنسى «وحدة الشعب أهم من وحدة البلاد». وبيغن، الذي قرر التوقيع على اتفاق سلام مقابل كل الاراضي، بما في ذلك المستوطنات، في سيناء. وشامير الذي قرر التجلد في حرب الخليج. ورابين الذي قرر اتفاق اوسلو. بل وربما باراك الذي تطلع الى وضع حد لنزاع بعمر قرن ولكنه لم يعرف كيف. في المرحلة التي صعد فيها شارون الى السلطة اعتقدنا انه في نهاية طريقه سيتطلع الى ان يكون بين هؤلاء القلة. ولكن في المحطة التي يوجد فيها لا يزال يتراكض عدة شارونيين: ثمة شارون البراغماتي مع الدافع لاكمال الخطوة البن غوريونية. فقد كان الليكودي الاول الذي اقترح دولة فلسطينية مؤقتة حتى قبل ان تتقرر الحدود. وثمة شارون من مزارعي كفار ملال الذي يرى العرب عبر فوهة البندقية ويريد ان يحطم لهم رؤوسهم. وثمة شارون الذي يشم هواء القمم مع بوتين وبوش، وشارون الذي يتقزم حين يصل الى مركز الليكود. وهو يتردد بين شخصية وشخصية. فهو كأنه مشلول، تعب وعديم القدرة على القرار. نافخ الدخان القديم يقف في المحطة. عن «هآرتس»