الأدب الإسلامى فكرة مثيرة للجدل ورغم وجود تيار يناصر هذه الفكرة من الأدباء والنقاد إلا ان التيارات الأخرى لا تعترف به وترى انه من غير المنطقى ان يكون هناك تيار أدبى يقوم على أساس دينى. ولا يقتصر الجدل على التيارات المناوئة للأدب الإسلامى بل هناك خلافات داخل التيار المناصر لهذه الفكرة حول مفاهيم الأدب الإسلامى والأديب المسلم فالبعض على سبيل المثال يشترط في الأديب ان يكون مسلما وان يكون أدبه منطلقا من منطلقات ايمانية ومعبرا عن القيم الإسلامية في حين يدخل البعض الآخر كتابات غير المسلمين في دائرة الأدب الإسلامى مادامت تعبر عن القيم الإسلامية والإنسانية العامة. في هذا الحوار نلتقى الدكتور عبدالباسط بدر نائب رئيس رابطة الأدب الإسلامى ورئيس مكتب البلاد العربية للرابطة ومدير مركز وبحوث دراسات المدينة واستاذ الأدب الحديث ونقده وللدكتور بدر أعمال عديدة في خدمة الأدب الإسلامى ومن أهمها كتاب بعنوان : مقدمة لنظرية الأدب الإسلامى وكتاب آخر بعنوان : مذاهب الأدب الغربى رؤية اسلامية وله دراسات أدبية ونقدية برؤية اسلامية وله كتاب من ثلاث مجلدات بعنوان التاريخ الشامل للمدينة المنورة. ـ ما أسباب الخلاف حول مفهوم الأدب الإسلامى؟ ولماذا لا يجتمع المناصرون لهذا الأدب حول مفهوم واحد؟ ـ مفهوم الأدب الإسلامى توصل إليه النقاد من خلال النصوص التى أبدعها الأدباء الإسلاميون منذ عصر النبوة وحتى وقتنا الحاضر وهو التعبير الجميل الهادف عن قضايا النفس والحياة والكون من رؤية اسلامية فالمفهوم يختلف عن التعريف بأنه يعطى دلالات واسعة ويوصل إلى تصور ذى معالم واضحة أى تتضمن صفات وخصائص الأدب الإسلامى لذلك أجمعت الآراء على ان المفهوم يتضمن العناصر الأدبية فلابد ان يكون هناك تعبير جميل معبر ويحتوى على مواصفات العمل الأدبى بجانب الرؤية الإسلامية اذن لدينا عملية أدبية ولدينا موضوعات ومفهوم الأدب الإسلامى فتح بشمولية النوافذ على جميع قضايا الحياة والإنسان والكون فليست هناك قضية محظورة في الأدب الإسلامى هذا لكى يصحح المفهوم ولا يظن انه فقط أدب الدعوة الإسلامية الذى يعد موضوعا من موضوعات الأدب الإسلامى ثم الرؤية الإسلامية وهى العاطفة الوجدانية أو الوجدان الذى يصدر عنه هذا الأدب بحيث يكون ملونا بالقيم الإسلامية. خدمة المجتمع ـ ما هو الدور الذى يمكن ان يقوم به الأدب الإسلامى في العصر الحاضر؟ ـ الأدب يقوم بوظائف متعددة وكبيرة ومن خلال واقع الأمة فهو يعبر عن تطلع الشعوب إلى تغيير هذا الواقع وتطويره والتعبير عن مكنونات النفس الإنسانية المسلمة سواء كانت مقهورة أو متعاملة مع الواقع ومستشرفة لمستقبل أفضل وهذا الأدب يقف مع الأدوار التى تقوم بها الفعاليات الأخرى فكما تقوم السياسة بدور في خدمة الشخصية أو المجتمع وكما تقوم النظرية الإقتصادية والعمل الإقتصادى بدور في خدمة الفرد والمجتمع يقوم الأدب الإسلامى بدور مهم في خدمة الشخصية الإسلامية وخدمة المجتمع الإسلامى لأنه يقوم بتلبية الحاجات الفطرية والجمالية والتعبيرية وتصوير الواقع وخلق الحوافز والمشاعر والإنفعالات وتثبيت التصورات وهذه قضايا مهمة جدا للفرد المسلم والمجتمع المسلم والأدب الإسلامى يقوم بدور في أداء هذا العمل. ـ هل نستطيع القول بأن الأدب الإسلامى أصبح له تيار ومناصرون في مختلف البلاد العربية والإسلامية كسائر التيارات الأدبية الأخرى أم مازال محدودا ومنحصرا في فئة محدودة؟ ـ نحن نميز بين شيئين بين الأدب والأدباء وبين النظرية والنقاد ومصطلح الأدب الإسلامى موجود ونحن نؤكد أنه موجود منذ عصر النبوة ولايزال وجوده ممتدا حتى الآن فالأدب الإسلامى هو النص الذى يصدر عن وجدان أديب تلون بمشاعره الإيمانية ونحن نعرف انه منذ حسان بن ثابت وعبدالله بن رواحة وكعب بن مالكـ رضى الله عنهمـ والشعراء في عهد الصحابة وهذه النصوص موجودة ولم تقف عند تاريخ الأدب طوال عصورنا المتوالية أى في عهد الخلافة الراشدة والعهد الأموى والعباسى والفاطمى ونجد الآن كتبا ترصد هذه النصوص وتقدمها سواء في الشعر أو النثر فقضية وجود الأدب الإسلامى هذا لا مشاحنة فيه لكن الجديد في الأمر هو صياغة النظرية واشاعة المصطلح لأن القيم الإسلامية كانت في نسيج الأدب العربى وبالطبع كانت هناك قيم غير اسلامية سواء قيم جاهلية أو قيم لا تقبلها الأخلاق هذه مسألة طبيعية طالما ان هناك مجتمعاً وهناك شرائح مختلفة فهناك أدب يعبر عن هذه الشرائح وفي عصرنا الحاضر الأدب قفز إلى مكانة أخرى عبر أجناس متعددة عبر القصة والمسرحية والمسلسل التلفزيونى أو المسلسل الإذاعى واصبح منبرا أشد تأثيرا مما كان في الماضى ونحن نميز بين دورين دور للشعر كأن يؤثر تأثيرا انفعاليا فربما قبيلة تغضب لبيت شعر وربما تهز الخطابة الناس فكان الأدب له دور اعلامى ولكن دورالأدب تضخم الآن فلم يعد فقط يلبى حاجات جمالية تعبيرية فأنا أقرأ هذا النص مثلا لاتذوقه فهو اصبح قناعات جمالية ولا يختلف اثنان ان مسرحية معينة أو مسلسلا تلفزيونيا يمكن أن يؤصل مفاهيم لدى أبنائنا وبناتنا بل ولدينا نحن ويمكن أن يلغى مفاهيم أخرى ويمكن أيضا أن يأتى بحقائق أو يزور حقائق ومن الممكن ان نتعلم منه التاريخ فنحن لا نعرف شيئا عن التاريخ المملوكى لكن مسلسلا واحدا ناجحا في النص والأداء يستطيع ان ينتشر بين الناس ويعلمهم هذا التاريخ لأن عدد الذين يقرأون كتب التاريخ قلة الآن والأدب هو هذا التعبير الجميل سواء كان بوضعه اللغوى المطبوع أو المخاطب أو بصوره التقنية المعاصرة فالمسلسل التلفزيونى أو المسرحية هذا أدب لأنه في أصله نص دخلت فيه عناصر مشوقة أكثر وهى وسائل الأداء مثل التمثيل والتصوير والمؤثرات الصوتية والبصرية وغير ذلك اذن الأدب أصبح أشد أهمية في واقعنا المعاصر لآنه أصبح جزءا من بناء الشخصية ولذا يقرر منهج الأدب في جميع المراحل الدراسية من الروضة وحتى الجامعة والكليات المتخصصة والذين مازالوا يظنون ان الأدب عبارة عن تهويمات جمالية أو شيئا منقطعا عن الحياة فهؤلاء لديهم قصور في فهم واقعنا وأدبنا اذن امام هذه الحالة وأمام استخدام كل الإتجاهات للأدب وللنقد في تأصيل مفهومات وفي الدخول إلى أعماق الشخصية الإنسانية وفي توجيهها وجهات هنا وهناك ليس وجهة جمالية فقط ولكن وجهة قضية مضمونة كأنما الزمان استدار دورته وعدنا إلى عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلمـ عندما بدأ المشركون يهاجمون المسلمين بقصائد مختلفة ويهجون الإسلام والمسلمين فكان رسول الله يقول من لهؤلاء؟ يستنهض الشعراء ويوجه الأدب فينبرى بعض الشعراء المسلمين كى يقدموا هذه النصوص الإبداعية فيجب اعطاء الأدب دوره الحقيقى في بناء الشخصية ومخاطبتها في تحقيق كافة حاجاتها التى يحملها الأدب بطبيعته بدءا من الحاجة الجمالية لأن الإنسان في حاجة إلى تذوق جمالى وبحاجة إلى التعبير الجميل وان يعيش مع هذه المعانى(ان الله جميل يحب الجمال) مرورا بالقضايا المضمونية ووصولا إلى تحقيق أهداف يحتملها الأدب بطبيعته ولا تفرض عليه فرضا لذلك الأدب الإسلامى موجود لكن هناك عملية تشجيع وتنمية وتطوير ومساعدة الأدباء وتشجيع النقاد ليقرأوا هذه النصوص ويمدوا أيديهم إلى الأدباء الذين هم في حاجة إلى تقويم واقع المجتمع وتدعيم هذا التيار اذن تيار الأدب الإسلامى موجود والشعراء الذين يصدرون عن وجدان مسلم ويكتبون القصائد والقصص وغيرها موجودون أيضا في المجتمع بشكل أو آخر حتى في المجتمعات التى يواجه فيها أصحاب الدعوة الإسلامية القهر فانهم يجدون في الأدب متنفسا فهناك قصائد وقصص ومسرحيات وغير ذلك. بناء النظرية ـ اذن أين الذين يعبرون عن هذا التيار من أدباء أو نقاد؟ ـ هذا السؤال يجعلنا نصل إلى التيار النقدى وإلى بناء النظرية التي لاتزال في مرحلة التكوين وهذه طبيعة النظريات فالأدب موجود في العالم منذ قرون لكن نظريات الأدب في العالم الغربى لم تتبلور إلا في القرن الماضى ومازالت هناك اجتهادات في هذا الصدد كذلك الأمر بالنسبة للنقد نجد مئة شاعر وقصاص لكن نجد أعدادا محدودة من النقاد وهذه طبيعة الأشياء والنقاد هم الذين يؤصلون القواعد لأنه لابد ان يعتمد الناقد على خلفية كبيرة من النصوص ويستنتج منها العوامل المشتركة والقواعد الجمالية واذا سبق النقد النص فإنه نقد تخيلى أو مستقبلى أو غير واقعى وربما يكون فاشلا والأدب الإسلامى الآن موجود لكن النظرية النقدية وكما نقول فلسفة الأدب واظهاره هذا ما يجتهد فيه النقاد الإسلاميون وهو ما تحرص عليه الرابطة وهو يسير بخطى معقولة وهذه القضايا لا تقاس بالأيام وبالأشهر انما تقاس بالعقود وربما بالأجيال. متغيرات العصر ـ هناك اعتراض على تسمية الأدب الإسلامى وتساؤل حول لماذا تظهر هذه التسمية في صدر الإسلام أو العصر الأموى والعباسى؟ ولماذا سمي الأدب باسم العصر الذى انتجه؟ ـ نحن دائما نقول لا مشاحة في المصطلح لأن نمو المصطلحات يكون بناء على حاجات ترتبط بالزمان أكثر مما ترتبط بالمكان رغم ان المكان له أثر لكن متغيرات العصر هى التى تفرض هذا المصطلح أو ذاك والسؤال الذى يمكن ان نطرحه على هؤلاء الذين يعترضون على مصطلح الأدب الإسلامى هل كان لدى السابقين مصطلح فلسفة اسلامية أو حتى مصطلح اقتصاد؟ كثير من المصطلحات لم تظهر إلا في القرن الماضى وهذا ليس عيبا فالمادة تكون موجودة لكن لا يظهر المصطلح إلا بناء على حاجات عصرية ومستجدات ولذلك لا أرى في هذا ضيرا لأن عصرنا الحديث عصر النظريات وعصر المصطلحات المؤصلة وحتى بالنسبة للفقه الإسلامى هناك مصطلحات جديدة وهذا لا يعنى ان الفقه السابق كان قاصرا وانما يعنى انه متفاعل مع مستجدات العصر فلذلك لا ضير اذا لم يكن هذا المصطلح موجودا قبل قرن أو قرنين أو أكثر لأنه وجد الآن لأن هذا الزمن هو الذى اقتضاه. الوجدان المسلم ـ ما الذى يتميز به الأديب المسلم عن غيره من الأدباء؟ ـ يتميز باسلامه وبرؤيته الإسلامية ووجدانه المسلم وهو يتفق مع جميع الأدباء بأنه انسان يملك موهبة وهذا ما يجب ان نؤكد عليه فينبغى ان تكون لديه موهبة عالية وانه انسان يمتلك حساسية عالية يقرأ الأحداث والمستقبل وخبايا النفس ويملك القدرة على التعبير والعامل المميز الأكبر هو المشاعر الإيمانية والعنصر الإسلامى فاذا وقع حدث معين امام مجموعة من الناس فان كل واحد يختلف انطباعه عن هذا الحدث على سبيل المثال الأحداث التى تجري على أرض فلسطين تفاعلنا معها من المؤكد انه يختلف عن تفاعل اليهود والغربيين وهذا هو مجال التميز فنحن نشعر بان الفلسطينيين اخواننا وجزء منا ونتمنى ان نفعل كل شئ من أجل انقاذهم بينما اليهود مثلا يشعرون بالفرحة في حين ان الغربيين لا يبالون اختلفت الإنفعالات والمشاعر ذلك لأن الوجدان الذى يصدر عنه هذا الشعور مختلف ومتميز فعنصر التفاعل الإنسانى عند الغرب مثلا ضعيف او الحقائق لديه مزورة لذلك من العبث ان نقول انه لا يوجد أدب اسلامى طالما يوجد انسان مسلم ولديه وجدان ويتفاعل مع الأحداث فلابد ان يبدع نصا تظهر فيه طوابع اسلامه وايمانه. ـ عندما ينقل الأديب المسلم حدثا ويصوره من المفترض ألا ينصب من نفسه قاضيا يحكم على الأحداث والشخصيات كيف نستطيع الموازنة بين تصوير الأحداث والحكم عليها بما لايفقد العمل الأدبى جماله وطبيعته؟ ـ الأديب ليس قاضيا وصنعة الأدب تختلف عن صنعة القضاء والمحاماة ونقل الأخبار والإعلام فصنعة الأدب هى تفاعل مع حدث داخلى أو خارجى فالأدب لا يقتصر على الحدث الخارجى والأديب يعبر عن وجدانيات وانفعالات والقضية ليست مجرد وصف اطلاقا وانما تصوير حياة وتقديمها إلى الآخرين وفق عناصر متداخلة ومتشابكة وكثيرة ليتذوقها الآخرون لأن الأديب انسان خير يحب ان يقدم لغيره والشاعر يموت اذا لم يسمعه أحد والقصاص يشعر بأسى شديد اذا رأى الغبار فوق كتابه على رفوف المكتبات فالأديب يحب ان يتواصل مع الآخرين ومن هذا المنطلق الأديب المسلم انسان متفاعل مع الحياة وله رؤية خاصة فيها ويريد ان يخرجها من أعماقه ويضعها في الساحة الثقافية وينقلها إلى الآخرين. ـ كيف نستفيد من الأدب في خدمة قضايا الأمة العربية والإسلامية المصيرية؟ ـ الأدب يخدم قضاينا لكننى لا أحب كلمة استغلال الأدب أو توظيفه في خدمة هذه القضايا لأننا نريد الأدب الذى يولد كما يولد النبع وكما تتفجر قطرات المياه ذاتيا من أعماق الأرض سلسة عذبة حلوة كذلك الأدب نريده ان ينبع من وجدان مسلم يملك الموهبة والرؤية والقدرة على التعبير والتفاعل مع الحياة عند ذلك يكون أداء الأدب تلقائيا وقويا وتكون خدمته للمجتمع متوافقة مع طبيعته وخصائصه ومؤثرة أيما تأثير لكن ان نصدر مرسوما أو منشورا للأدباء نقول لهم افعلوا أو لا تفعلوا أو نلزمهم ونضع قيودا على ابداعهم هذا لا يكون في الأدب لأن الأديب اذا أصبح موظفا أو مسخرا اصبح أدبه منافقا أو مزيفا أو هزيلا. معاجم وموسوعات ـ البعض يقول انه لا يوجد أدباء يعبرون عن تيار الأدب الإسلامى فما ردكم على ذلك؟ ـ لديك موسوعة الأدباء الإسلاميين ومعجم الأدباء الإسلاميين الذى أخرجه الأستاذ أحمد الجدع بالتنسيق مع الرابطة في ثلاثة مجلدات ولى كتاب بعنوان دليل مكتبة الأدب الإسلامى فيه فهرس كامل للأدباء في الأقطار العربية الذين لهم أدب منشور وفهرس أيضا للنقاد الذين لهم دراسات نقدية فالذى يزعم ما تقول ليست عنده متابعة للساحة الثقافية هناك أدباء كثيرون لكننا نحتاج على المستوى الإعلامى إلى مزيد من الجهد للتواصل مع الآخرين. هل لرابطة الأدب الإسلامى دور في تشجيع الأديبات أم ان دورها يقتصر على الأدباء من الرجال فقط؟ ـ الرابطة تولى عناية خاصة بالأديبات وتشجعهن على المزيد من الإبداع وتجتهد في نشر انتاجهن وهناك عدد من الأديبات المسلمات فزن بالجوائز الأولى في المسابقات التى نظمناها وفي مجلة الأدب الإسلامى نحرص على ان يكون للأديبات حضور مناسب في كل مناسبة وهن يشاركن في جميع المؤتمرات فالنساء شقائق الرجال كما قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم.