تزايد الاهتمام بظاهرة تنامي عمالة الاطفال في السودان كافراز طبيعي لتزايد معدلات الفقر والبطالة ولجوء الاسر الى استراتيجيات تكيف على رأسها دفع مزيد من افراد الاسرة، للعمل وبينهم الاطفال وتحقيق الكسب والاعالة. وفي حين تقدر المعلومات الدولية عمالة الاطفال بحوالي «250» مليوناً منهم 61% في آسيا و32% في افريقيا و7% في اميركا اللاتينية والكاريبي هناك حوالي 41% من أطفال افريقيا يعملون مقارنة بحوالي 21% من اطفال اسيا و16% من اطفال اميركا اللاتينية. وفي السودان يوضح اخر مسح شامل لسوق العمل تم في عام 1996م ان الظاهرة وسط اطفال السودان بين اعوام «6 و14» لا تتجاوز 6% وتهبط الى 3% وسط من هم دون العاشرة وانها من النوع الخفيف ومعظم عملهم مع الاسر بدون اجر وفي القطاع الزراعي حيث تقل المخاطر. جاء ذلك في ورقة عمالة اطفال السودان التي قدمها ابراهيم محمد ابراهيم في منتدى جامع تم بقاعة الشارقة مؤخراً باشتراك مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية والمنتدى السوداني للسلام ومؤسسة رعاية الاطفال السويدية ومنظمة فريدرش امبرت والذي انعقد تحت عنوان اثر السياسات الاقتصادية والاجتماعية على اوضاع الاطفال في السودان. يقول مقدم الورقة انه لا يقصد بالاشارة الى هذه النسبة المتدنية لعمالة الاطفال في السودان حاليا الاستهانة بالظاهرة فهي ظاهرة متصلة بالحرمان والفقر والامية ونقص فرص التعليم، ويضيف ان السودانيين فيما يبدو قد تكيفوا مع ضغوط الحياة بتقديم كبار السن والاناث لسوق العمل حيث تبلغ مشاركة كبار السن 47% وهي من اعلى نسب المشاركة في العالم كما تضاعفت مشاركة الاناث خلال عقد من الزمان وبلغ معدل نمو مشاركتهم ضعف مشاركة الذكور خلال العقد الاخير. الا ان مثل هذه المعدلات قد لا تستمر طويلاً مع اتساع رقعة الفقر وزيادة وطأته وشدته، بل ان هناك مؤشرات تشير الى امكانية زيادة ظاهرة عمل الاطفال، في هذا الاطار يشير المسح متعدد المؤشرات الى الحقائق التالية: 52% من الاطفال في سن مرحلة الاساس خارج المدرسة وهذا منبع مهم لعمالة الاطفال، وتتراوح نسبة الملتحقين بالمدرسة بين 66.1% للحضر و37.8% للريف وحوالي 49.7% للذكور مقارنة بحوالي 46.9% حوالي 33% لا يصلون الصف الخامس. ويشير البحث الى اختلاف المفاهيم حول عمالة الاطفال بالاضافة الى المفهوم الواسع المستخدم بواسطة اليونسيف فهناك عمالة الاطفال بأجر وعمالتهم بدون اجر وعملهم مع اسرهم في المزارع والمراعي والشئون الاخرى وعمالة المنزل اقل او اكثر من اربع ساعات في اليوم. وتقول هذه الدراسة ان تشخيص ظاهرة عمل الاطفال لا تقتصر على البعد الكمي وانما تتجاوزه الى التشخيص الكيفي لشروط هذا العمل وناتجه الاجتماعي، اذ لا تنحصر المسألة في عمل الاطفال وحسب وانما تعنى بالاساس استغلال هذا العمل واستغلال الطفولة نفسها.. ويكتنف عمل الاطفال كظاهرة استغلالية قائمة طويلة من المؤشرات اتضح بعضها من تحليل احصائي وهي العمل بدون اجر، العمل بأجر متدن مقارنة بأجر العامل البالغ، العمل ساعات طويلة، العمل الشاق بدنياً والتعرض لمخاطر بيئة العمل. التعرض للايذاء البدني واللفظي والنفسي من اصحاب العمل والمشرفين، حالات اصابة العمل والمرض الناتج عن بيئة العمل.. وتكتمل الصورة المؤلمة بوجود نسبة من الاطفال العاملين دون سن العاشرة وهو ما يقترب من النظر الى ظاهرة عمل الاطفال باعتبارها الوجه الاخر لظاهرة الحرمان من الطفولة ذاتها.. وتقع ظاهرة الحرمان من الطفولة الاكبر لظواهر الحرمان الاجتماعي «الفقر والامية والمرض» والتصدي لظاهرة عمل الاطفال يفترض التصدي بالأساس لمشكلة الفقر والتخلف ولذلك هناك مدخلان للظاهرة: المدخل الاستراتيجي اي الاحتفاظ بهدف القضاء على الظاهرة عبر الجديد التنموي. والمدخل الثاني تحسين ظروف الاطفال العاملين كما توجه المعايير الدولية والتشريعات الوطنية وفي كلتا الحالتين لابد من التدرج وصولاً للهدف.. وفي هذا الاطار تأتي اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم «182» لسنة 1996م. التي جاءت خطوة داعمة للجهود الدولية في هذا الصدد واهم ملامحها: اتخاذ تدابير فورية لخطر أسوأ اشكال عمل الاطفال. وهي الرق، العبودية، العمل الجبري واستخدام الاطفال في الصراعات المسلحة، اعمال الدعارة والاباحية، انتاج وتجارة المخدرات، الاعمال المضرة بصحة وسلامة واخلاق الاطفال. ومن ملامحها كذلك اعتماد سن الاطفال حتى 18 سنة، وانشاء آليات لرصد وتنفيذ الاتفاقية والتنسيق بين اطراف العمل. بدأ التدخل بالتشريع في السودان من فترة الاستعمار الا انه ظل متخلفاً وغير نافذ ويشير البحث الى عدم تحديد السن الادنى للعمل.. وفي مجال حماية الاحداث تحدد المواد 21 الى 27 من قانون العمل لسنة 1997م شروط استخدام الاحداث وتحظر استخدامهم في بعض الاعمال الخطرة ومراقبة عملهم واجراء الفحص الطبي لهم ومراقبة بوادر الانحراف وانهاء عقود العمل.. والاهم من ذلك كما يرى الباحث ابراهيم محمد ابراهيم عدم وجود آلية لنفاذ هذا التشريع حيث ان تشريع العمل «اتحادي» ونفاذه «ولائي» وللولايات اولوياتها وقد كان من نتائج ذلك الغاء مكاتب العمل القائمة في الولايات ناهيك عن نشرها في المحليات، كما ان ادارة العمل الاتحادية تمر بـ «ربكة» في اتجاه العاملين فيها لاختلاط وظائفها كادارة العمل وادارة الخدمة العامة.. الخ. وخلافا للمعالجات بالتشريعات والبرامج التي تفترض استدامة ظاهرة عمالة الاطفال ـ ان لم تعمل على تكريسها ـ تبقى الحلول الاستراتيجية التي تعمل على ازالة الظاهرة ومناهضة عمالة الاطفال. وقد صدرت اتفاقية حماية الاطفال في مواقع العمل على المستوى العالمي من قبل حكام منظمة العمل الدولية وعلى المستوى الوطني في السودان صدر قانون التنمية الصناعية لسنة 1908 وقانون استخدام الاولاد لسنة 29 وقد تحدثت اتفاقية حقوق الطفل الدولية لعام 1989 عن حقوق الطفل معرّفة اياه بكل انسان لم يتجاوز الثامنة عشرة ولكن المادة 35 من ذات الاتفاقية حددت سن الطفل في النزاعات المسلحة بخمس عشرة سنة في حين لم تحدد سن الطفل في زمن السلم كذلك تركت اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 138 تحديد سن الطفل للسلطات الوطنية في حين جاء تشريع العمل السوداني بوصف الحدث الذي يحدده لكل شخص لم يبلغ السادسة عشرة مما يعني اغفالاً للحد الادنى للسن. وتعتبر الاتفاقية رقم 138 الخاصة بالحد الادنى لسن العمل هي الاداة الرئيسية لاعمال المعايير الدولية فيما يخص عمل الاطفال وقد تم توزيعها بصدور اعلان حقوق الطفل واتفاقيات اخرى كما تم ادراجه ضمن الاتفاقيات المكونة للحقوق الاساسية للعمال وهي اتفاقيات ملزمة حتى دون تصديق الدولة عليها، وتتمثل اهم معطيات الاتفاقيات كما يحددها مقدم الورقة من جعل سن 15 عاما من العمر الحد الادنى الموحد لسن بدء العمل في كل الدول وكل القطاعات الاقتصادية بما في ذلك الزراعة ايضا جواز تخفيض هذا الحد بمقدار عام في الدول النامية التي يتطلب مستوى نموها ذلك.. كذلك احداث التلاقي بين سن انتهاء التعليم الالزامي وبدء العمل.. وجواز تخفيض السن لتصبح بين 13 و15 سنة في حالة العمل الخفيف غير الضار بصحة ونمو الاطفال وتعليمهم ورفع السن الى 18 سنة للاعمال الخطرة او تلك التي من المحتمل ان تلحق الضرر بصحة وسلامة واخلاق الطفل. واستثناء العمل لدى الاسرة وفي الحيازات الصغيرة اللازمة للاستهلاك المحلي دون الاتجار في السوق او التي لا تستخدم عادة العمل المأجور واستثناء العمل في اطار التدريب المدرسي والمهني والعروض الفنية. وتشير النسبة الى قضية البعد الاجتماعي الخلافي لمساعدة البنت او الولد في الاعمال المنزلية بما في ذلك رعاية افراد الاسرة لبعضهم التي تعد من اعمال التنشئة وتقع في اطار العمل المفيد اجتماعياً بما يجعل السعي الى نقلها لمعايير السوق تكريساً لاتجاه موغل في الفردانية، كما ان التعريف الفضفاض يصبح اكثر خطورة في ظل النظرة الحمائية.. حيث تم اخراج الشرط الاجتماعي من اجندة التجارة الدولية الا ان بعض الدول وعلى رأسها حكومة الولايات المتحدة الاميركية التي قد اصدرت تعليمات بمنع دخول المنتجات التي يشكك ان بها عمالة اطفال..! وتداول المشاركون في المنتدى التعليق على هذه الظاهرة وكانت الاشارة اللافتة ان هناك عمالة ضخمة للاطفال بعيدة عن الرصد، كما ان الظاهرة في هذه المرحلة قد تبدو صعبة القياس لكن علاجها ايسر بدلا ان تتضخم فتصبح سهلة القياس والدراسة صعبة الحل والمعالجة.. ونظرة سريعة لاسواق العاصمة او مراكز صيانة السيارات كفيلة بالاشارة الى مأساة الصغار الذين اخذتهم قسوة الحياة وضغوط المعيشة الى اتون مزاحمة الكبار بعيداً عن مقاعد الدرس ورياض الاطفال.