مثير للتشوق ان يعرف المرء ما الذي اعتقده ارييل شارون حين «هدأ» من روع جبهة الرفض في حكومته اذ قال انه «بالاجمال لم يحصل سوى تحريك سيارتين عسكريتين ، في بيت لحم»؟ بمعنى ان الاتفاق مع الفلسطينيين على وقف النار هو مجرد ضحك على الذقون ليس إلا. فلا يعقل ان يكون سياسي مخضرم مثله قد أخذ بالحسبان احتمال ألا يحتفظ وزراء المفدال بالبشرى لانفسهم. لقد أخذ رئيس الوزراء الاسرائيلي الاحتمال بالحسبان ألا يغيب هذا النبأ المهم عن ناظر تلك القوى في القيادة الفلسطينية والتي تعارض المبادرة الامنية - السياسية الجديدة. أفلم يعرف ان اقواله هي كالسديم في عظام رجال الجهاد الاسلامي الذين يعدون للعملية المقبلة؟ أولم يخش ان يؤدي تحطم الأمل في الخروج من الحصار من خلال وقف النار الى تجنيد انتحاريين جدد لحماس؟ ومثير للتشوق، بقدر أكبر من أقوال شارون الاستفزازية، الصمت المتجلد لقيادات الانتفاضة. ليس هذا صدفة. ففي البيان الذي أعلنوا فيه عن وقف النار، قبل العملية في غزة والتي قتل فيها خمسة عشر مواطنا فلسطينيا، أعلن قادة فتح، انه ليست لديهم أي توقعات من حكومة شارون. وفضلا عن ذلك، فقد وعدوا بالتمسك بقرارهم، حتى لو حاولت اسرائيل جرهم الى المواجهة. وهذا هو السبب الذي دفع محمد دحلان الى القفز على مبادرة مروان البرغوثي ولم يخش التوقيع على اتفاق افتقد ليس فقط لذرة طرح سياسي، مثل مسار ميتشل، الذي يتضمن تجميدا للاستيطان وانسحاباً اسرائيلياً الى خطوط ما قبل الانتفاضة، بل انه لم يطالب حتى برفع حظر التجول عن نابلس والقرى المحيطة بها، والذي يستمر منذ أكثر من شهرين. واولئك في اوساط المؤسسة السياسية والامنية في اسرائيل الذين اكتشفوا، وان كان على نحو متأخر، المبادرة الفلسطينية، يدعون بأن التغيير ينبع من «التعب»، أو من اعتراف السلطة الفلسطينية بفشل الانتفاضة. أمين سر فتح في الضفة، حسين الشيخ، قال لصحيفة «هآرتس» ان قرار وقف النار يكمن بالاعتراف بأن العنف ولا سيما العمليات تخدم سياسة الاحتلال الاسرائيلي. ياسر عرفات، الذي سارع في سبتمبر 2000 الى القفز على ظهر النمر، حين انقضت فتح على اسرائيل، يسارع الآن الى الصعود على ظهره حين يقرر هذا تغيير الاتجاه. ففي لقاء مع اعضاء اللجنة المركزية لفتح، عقد في التاسع من اغسطس، اضطر عرفات الى العمل ضد اعضاء المجلس الوزاري الذين يتحفظون من اتباع يد شديدة ضد رافضي وقف النار في حماس والجهاد الاسلامي، بل انه سمح لوزرائه الجدد «الاصلاحيين» بأن يطرحوا على اسرائيل والولايات المتحدة مسارا أمنيا يتضمن خطوات لمنع التحريض. وقد حظيت كل الخطوة برمتها بالتأييد الحماسي من أبو مازن وأبو العلاء، اللذين تحفظا في البداية حيال العودة الى الخيار العسكري. وهما يشخصان هنا فرصة لفتح قناة نحو جيل الاستمرار. وبالتدريج، فان داعمي حماس استجابوا الى المناشدات من جانب الأسرة الدولية لكبح جماح قادة الحركة. ومهما تكن الدوافع والسياقات - ففي الجيش الاسرائيلي (مثلما هي الحال في الولايات المتحدة واوروبا) يتفقون على انه لأول مرة منذ نحو عامين يلوح في الأفق احتمال بوقف التدهور. وبينما كان لا يزال نائبا لرئيس الاركان تبنى موشيه يعلون الاعتقاد بأنه لا ينبغي السماح للخصم بادعاء أي انجاز سياسي جراء العنف. فالنصر الواضح للجيش الاسرائيلي، كما يعتقد يعلون، هو شرط لازب لاستئناف المسيرة السياسية. وها هو شارون مع ذلك، وعلى الرغم من انه لم يكن للتنظيم في الاسابيع الثلاثة الماضية منذ قرار التنظيم منع التصعيد (تمييزا له عن المبادرات الخاصة) ضلع في أي عملية، يجعل منهم مجالا للسخرية في نظر جمهورهم. فهو اذ يجد التشجيع من تأييد اصدقائه في البيت الابيض وفي بيت حزب العمل، فان رئيس الوزراء الاسرائيلي يخرج في اجازة تاركا عشرات آلاف الفلسطينيين في حالة حظر للتجول «الى ما بعد الأعياد». في رام الله رفعوا العلم الابيض، ولكن يبدو ان شارون لن يرتاح حتى يرفعوا هناك علما أزرق - ابيض (أي علم اسرائيل). فرجل مثله يعرف ما هو الثمن الذي سندفعه جميعا لقاء ذلك. انه يدرك، بل ويدرك تماما، دور صفعة «السيارتين العسكريتين» التي وجهها لهم في تحفيز الفلسطينيين على تبني نموذج التلينا (سفينة الاسلحة التي جبلتها منظمة «الاتسل» في العام 1948 من دون تنسيق مع بن غوريون). عن «هآرتس»