لعلي من المحظوظين، إذ أتيحت لي الفرصة للقاء بعض الذين سجلوا أسماءهم في لائحة الطغاة الذين حكموا شعوبهم بالنار والحديد والمقاصل.

كان أكبر المتجبرين الذين التقيت بهم وتناولت العشاء على مائدتهم، الزعيم الكوري الجد كيم إيل سونغ، الذي بنى معقل كوريا الشمالية، بل لقد جعلوه إلهاً مقدساً على الأرض، بما في ذلك كلماته التي يقولها وتكتب على مواقع وأماكن بارزة وتنقش بالذهب، وهذه النصب منتشرة من بيونغ يانغ وحتى أقصى قرية في كوريا الشمالية.

كانت رحلتي من بغداد إلى بيونغ يانغ قد استغرقت أكثر من 72 ساعة، بعد أن توقفت في موسكو أولاً وبقيت في المطار حوالي 36 ساعة، في طقس ثلجي وصلت درجة الحرارة خلاله، إلى أقل من 10 تحت الصفر، ثم انتقلت إلى بكين وبقيت انتظر وصول طائرات كوريا الشمالية.

وبيونغ يانغ مدينة جميلة، فقد تم الاعتناء بها حقاً، إلا أن النظام الصارم تجده معك وأنت في رحلتك اليومية في المدينة، والتي هي مرصودة من قبل المرافقين الذين هم بالأحرى جواسيس.

لم يكن يسمح للكوريين الشماليين بالتحدث إلى الأجانب، بل انها جريمة، ولم يكن يسمح لنا نحن زوار البلد بالتجول بالأسواق، أو التحدث للناس.

للمرة الأولى في حياتي أتعرف على نمط غريب من الجواسيس والمخابرات، فقد جند كيم إيل سونغ الأطفال في سن التاسعة، في أخطر منظومة استخباراتية تجسسية عرفها العالم. وقد استفاد صدام حسين من هذه التجربة، وطبقها في العراق.

أجبرت على العمل ليوم كامل في مزرعة كيم إيل سونغ للتفاح، رغم كوني زائر «في اي بي» ( VIP)، مقابل عدد من التفاحات المقدسة. عجزت كاميرتي عن التقاط صورة كاملة لأكبر تمثال لزعيم في القرن العشرين، إذ ان تمثال كيم إيل سونغ، ينتصب وسط المدينة في ساحة كبيرة لا يمكن أن تصور مساحتها، ويرتفع عالياً جداً حتى تعجز أية كاميرا عن تصوير النصب كاملاً وقد قلد صدام حسين والقذافي، هذه البادرة، وصنعا لأنفسهما تماثيل لا تقل في ضخامتها عما فعله كيم إيل سونغ.

كل العروض المسرحية وعروض الأوبرا كانت ذات موضوع واحد هو كفاح وانتصارات وحياة كيم إيل سونغ، ثم اكتشفنا أن آلة تصوير سرية منصوبة عند باب غرفة كل واحد منا في الفندق، بحجة توفير الأمن والحماية لنا، أو كما قيل لنا، ان هذه الكاميرات متوفرة داخل غرف النوم أيضاً.

زيارتي لكوريا الشمالية منتصف السبعينات من القرن الماضي، رسخت صوراً عديدة عن هذا الديكتاتور الكبير، لا يمكن أن تنسى، ففي كل يوم لي حكاية جديدة.. فما بالك وقد اضطررت للبقاء شهراً، أتمنى لو تتاح لي الفرصة لكتابة تلك الحقبة الهامة جداً، بشيء من التفصيل.