كان الذي ينادي بالسلام عند بعض الأنظمة العربية، يعتبر مجرماً ويودع السجن، أما اليوم فإن قائد دولة فتية يعلن عن جائزة للسلام.. فإعلان هذه الجائزة من لدن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لا يأتي من فراغ، أو من باب الإعلان والإعلام، ولا من باب التباهي والتفاخر، إنما يأتي من وعي حقيقي لأهمية السلام للبشرية.

وتفهم لما ينطوي عليه مفهوم ثقافة السلام التي يدعونا سموه للتسلح بها وترسيخها في عقول أولادنا وأجيالنا القادمة، إن سموه يرتفع بنا إلى أعلى مستويات الإنسانية والدفاع عن البشرية، والوعي بمخاطر الحروب ونتائجها وويلاتها.

وقد جاء إعلانه عن هذه الجائزة بعد أن عايش سموه، من خلال حياته المديدة، ما تركته الحروب من محن ومصاعب ومصائب وكوارث، سواء كان على المستوى العربي أو العالمي، وبذلك جاء إعلان سموه موقوتاً بالزمن، الذي ينبغي أن تسوده هذه الثقافة السلمية، وهو العربي المسلم الذي يبدأ يومه باستقبال أهله وضيوفه وأصدقائه (بالسلام عليكم).

لقد قررت أوروبا أن لا تخوض حرباً بعد أن عانت من حربين عالميتين كبيرتين، هما الحرب العالمية الأولى والثانية، وما خلفته من كوارث على أوروبا والعالم أجمع، فقد فقدت في الحرب العالمية الثانية وحدها، ما يقارب 50 مليون نسمة، بعد ان دمرت مدنها وتراجع اقتصادها إلى دون الصفر، إضافة إلى ما خلفته الحروب من مآس على كل المستويات.

اليابان خرجت من الحرب مؤمنة بأن لا تخوض حرباً أخرى، وتوجهت نحو خدمة بلدها وبناء اقتصاد متين وصناعة متقدمة والمساهمة في خدمة الإنسان، بعيداً عن الحروب التي خاضتها وضحت بالملايين من اليابانيين، إضافة إلى ما جاءها من ويلات الحرب، كانت هيروشيما وناغازاكي واجهتين لتلك الحرب المأساوية مع الأميركان.

ماذا استفاد هتلر وموسيليني، وكذا صدام حسين من أسلحته التي اشتراها بدم شعبه العراقي، ووظف كل وسائله لنشر ثقافة الحرب في المنطقة. وبدأ من حرب الشمال العراقي ـ العراقي إلى حرب السنوات الـ8 مع إيران، ووصولاً إلى احتلال الكويت، ولقد أدخل صدام حسين العراق والأمة العربية والمنطقة في نفق طويل ما زالت تعاني من عدم الخروج منه.

دروس تعلمناها من التاريخ القديم والمعاصر، وعلى المستويين العالمي والإقليمي. وخرجنا مؤمنين بأننا لابد أن نتعايش بسلام. وقد جاءت جائزة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للسلام، ترجمة واقعية لما عانت منه المنطقة من ويلات الحروب، عبر عقود طويلة من الزمن، كلفت المنطقة ضحايا بشرية لا تحصى وخسارة مادية لا تعوض.

أعود لأعترف بوعي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في قراءة الواقع، والتمعن بالتاريخ، والخروج بضرورة أن يرسَّخ مفهوم السلام العادل الذي يبنى وفق مصالح الشعوب المشتركة لا الحرب والأطماع.. تحية .. يا رجل السلام.. ومفخرة بسلامك العادل.