تعرضت أرض الكنانة، مثل غيرها من أقطار العالم العربي، إلى العديد من الهزات والأزمات في تاريخها القديم والحديث والمعاصر. ولأن الشعر هو انعكاس لعواطف وأحاسيس وأماني الناس، خاصة في تلك الحقب الزمنية، يوم كان للشعر دور أهم من دوره المعاصر في تحريك الشارع، وجمع كلمة الشعب وبث الحماس فيهم والنخوة والعمل الجماعي ضد الأخطار التي تحيط بالوطن.

وكان للحركة الشعرية في مصر دور هام في حركة الوعي عند المصريين والعرب معاً. وبدأ هذا الدور منذ ما قبل عصر النهضة، ويمثل هذا العصر رفاعة الطهطاوي ودوره الوطني ومواقفه المرتبطة بقصائد عديدة هزت الشارع المصري، وما يزيدنا احتراماً للطهطاوي، أنه كان رجل دين من الأزهريين، إلا أنه كان منفتحاً نحو العالم، وغير منحصر ضمن عقلية ضيقة.

ورفاعة رافع الطهطاوي، هو ابن لعائلة فقيرة صعيدية من طهطا في مديرية جرجا بجنوب الصعيد، وقد كانت ولادته في العام 1801، ورحل عام 1873م.

هذا الولد الفقير قرأ القرآن صغيراً، وتلقى علوم الدين، ثم التحق بالأزهر، وأصبح عالماً من علمائه بل في مقدمة علمائه، ثم ذهب إلى باريس مع أول بعثة أرسلها محمد علي إلى مدينة النور، فرسخ علم دينه، وانفتح على العالم من بوابة أوروبا، ورجع إلى مصر ليصبح أحد أهم قادة التنوير في تاريخ العرب الحديث، بل أصبح علماً من أعلام تاريخنا الحضاري الإنساني. والطهطاوي عالم وأديب، وشاعر، ورائد من رواد النهضة العربية. وقد فاضت قريحته بالعديد من القصائد التي كان الكثير منها في حب مصر، خاصة تلك التي قالها وهو يعاني من بعده عن وطنه خلال فترة وجوده في باريس:

ناح الحمام على غصون البانِ

فأباح شيمةَ مغرمٍ ولهـانِ

ويعتبر رفاعة الطهطاوي أول شاعر في القرن التاسع عشر، وظف شعره للتعبير عن حب وطنه مصر، ومعظم الباحثين أو جميعهم، يعتبرونه الرائد الأول لهذا النوع من الشعر، إضافة إلى كونه يرتبط دائماً بالنهضة الحديثة والريادة لهذا العصر الذي كان شاهداً على نهضة حقيقية، شملت كل المكونات الوطنية والقومية وأولها الإنسان والانفتاح على العالم. ولم يكن رفاعة الطهطاوي عالماً دينياً متميزاً، ولا شاعراً رقيقاً فحسب، بل كان نابغة امتلك نفساً عالية، وروحاً وثابة، وعزيمة، وذكاء وشغفاً بالعلم والمعرفة، وتميز بالإخلاص لمصر، وبأنه ذو عقلية متفتحة على العالم. واتصف بأنه صاحب توازن نادر بين الدين وعلومه، والحياة التي كان لابد أن تتماشى مع روح العصر وتطوراته.