مثل غيري، كنت أحب المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، نحن الذين عشنا عصره الذهبي، وكنا شهوداً لتاريخ مشرف حققه الرجل القائد في حياته، وكنت مثل غيري سعيداً بزمنه، فخوراً بحكمته، شاكراً له ضيافتنا وحمايتنا، وإتاحة الفرص لتعليم أبنائنا، دون شروط أو حملة إعلامية، قدم لنا وطناً تلحفنا بسمائه، وتوسدنا ترابه، وقتلنا عطشنا من مائه.
ذلك هو زمن زايد بكلمات مكثفة وملخصة لزمن ذهبي ورّثه لأبنائه الذين احتفظوا ببريقه، وأضافوا له جملة مفاخر تأكيداً لأبوته.لكني حينما ذهبت إلى جامعة بكين لألقي محاضرة مع زميلي عبدالحميد أحمد، عن المكونات الأساسية لثقافة الإمارات، على أساتذة وطلبة قسم الدراسات الإسلامية والعربية بالجامعة، فوجئت بقامة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان، العملاقة، تواجهني في بكين، وفي الجامعة تحديداً، قال لي البروفيسور الصيني عمّار زانك هونغ: تعال نزور مركز الشيخ زايد، للدراسات العربية الإسلامية.
أدركت كم هو الفارق بين زايد العربي، وبين أصحاب الخطب الذين كانت أصواتهم تجلجل في الإذاعات والتلفاز وهم يطرحون الشعارات القومية التي لم نحصد منها سوى الفراغ والتخلف وفقدان العدالة. لم يخطب المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان، مثل أولئك الذين سموا أنفسهم رعاة العروبة والقومية، إلا أنه ترك على أرض الواقع صروحاً تخدم العروبة ولغتهم وواقعهم.
وفي هذا المركز الذي يعنى بدراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية، يدرس مئات، بل آلاف الطلبة والطالبات. في الندوة التي عقدتها الجامعة، ودعينا اليها لتقديم محاضرة عن الثقافة في الإمارات،وكان الحوار باللغة العربية الفصحى، البروفيسور زونك جيكان كان مختصاً بالأدب العباسي، يتحدث الفصحى مثل طه حسين، من دون لكنة صينية.
وإذا كان البروفيسور زونك قد قضى حياته في دراسة اللغة العربية وآدابها، فإن الطلبة كانوا يتكلمون العربية ويسألون وينتظرون إجابة كانوا يدركون من خلالها معنى الحوار المشترك في القضايا الإنسانية المختلفة، والأدب العربي خصيصاً، إلا أن الدهشة الأكبر هي حينما تكتشف أن الطلبة والطالبات قد أتقنوا أداء الأغاني العربية الكلاسيكية لسيد درويش أو غيره، بل حتى فيروز وألحان الرحابنة.
في نهاية اللقاء جلست وحدي في الفندق، أتلمس حكمة زايد في تأسيس هذا المركز وسط جامعة عريقة من جامعات العالم، ووسط مدينة تعدادها أكثر من عشرين مليون نسمة، لكنني خرجت من حيرتي، فالرجل كان استثنائياً في بعد تفكيره، وفي نظرته للحياة، وفي تعامله مع القضايا الاستراتيجية العربية. وقد أراد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان، أن ينشر العربية والدين الحنيف من خلال مركز علمي، بدلاً من خطابات فارغة لم نجن منها سوى البؤس والفرقة والتخلف.
رحمة الله الواسعة لزايد .. الإنسان ... الحكيم .. المسلم العربي ...