كل إنسان يأمل أن يعيش خالداً في الحياة، دون أن يدرك أن الحياة، مهما طالت، فهي محدودة، ورحيله مؤجل إلى حين وجميع البشر يخططون لمستقبلهم وللأيام القادمة، لأن الإنسان محكوم بالأمل.
رحل قبل أيام في العاصمة الاردنية، عمان، فنان تشكيلي ونحات عراقي عمت شهرته أرجاء العالم، وكانت قد تزينت ساحات العراق بنصبه وتماثيله، واسمه محمد غني حكمت. وعملاً بدعوة كبار الفنانين والأدباء، في إطار البرنامج السنوي لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، كانت المؤسسة وجهت اليه الدعوة لتنظيم معرض العمر في مبنى المؤسسة في دبي، واستجاب الرجل للدعوة، وبدأنا ننسق معه، بعد أن حددنا تاريخ معرضه في شهر نوفمبر القادم. وكان الرجل متحمساً للزيارة والمعرض،.
وكان سبقه زميله نوري الراوي في المجيء إلى دبي، وإقامة معرض فني تشكيلي، اعتبر أحد أهم المعارض التي شهدتها الساحة الثقافية الإماراتية، بل العربية. وكان محمد غني حكمت يحلم في إعادة دور الراوي مع عشاق فن التشكيل، ولكنني فوجئت بخبر وفاته ورحيله قبل أن يلبي دعوتنا، وفضل أن يلبي نداء ربه، وبذلك لم يعد في الأجندة الثقافية أن نستضيف هذا الفنان الرائع إبداعاً، وهو الذي زين بغداد بتماثيل الف ليلة وليلة وأبي نواس. وايضا: علي بابا. وعدة تماثيل ولوحات جدارية. وهي خسارة مزدوجة بلا شك: فقدانه من الساحة الإبداعية، الفشل في تنظيم واحد من أروع معارض فن التشكيل.
وفي هذا الصدد أذكر قبل أعوام مضت، نسيت عددها، فوجئت بصوت الروائي الراحل، غائب طعمة فرحان، ثم وصلتني رسالة يشكو فيها قساوة طقس موسكو وبرودة الغربة، وتعاسة المنفى. وكان طلب مني أن أساعده لزيارة دبي، وأن يتحسس شمسها. وكتب بالحرف مستغيثاً أن (أنقذوني قبل أن يزحف الجليد على قلبي).
حملت رسالة فرمان إلى الزميل والأخ عبد الحميد أحمد. وكان أميناً عاماً لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وطلب مني الإسراع في إصدار تأشيرة له، وبالفعل باشرنا بها وقدمناها للهجرة، إلا أن خبر رحيل غائب طعمة فرمان، سبق إصدار التأشيرة، وبذا رحل دون أن يتمتع بشمس دبي. وبالفعل كما كانت نبوءته فقد زحف جليد موسكو على قلبه في غربة امتدت إلى أكثر من أربعة عقود من الزمن، ظل خلالها مغرداً بحب العراق ولوعة الغربة والاغتراب.
ان غياب هذين القطبين المبدعين، خسارة لساحة الأدب والفن، وما كان يحق للجهة المنظمة الاعتراض على حكم القدر، لأننا محكومون بالموت منذ الولادة، وهي مشيئة الخالق، ولا اعتراض إلا أن العزاء فيهما أنهما ما زالا أحياء بإبداعهما، فكلاهما مبدع في حقله. وقد تركا لنا إرثاً سيظل شاهداً على إبداعهما، في فن التشكيل وفي الرواية.