يشكل الواقع المأزوم للوطن العربي إشكالية يومية للمثقفين كما العامة دع عنك رجال الفكر، وقد تعمق الصراع بين السلطة السياسية وسلطة الثقافة والفكر، ولعل واحدة من هذه الإشكاليات هو صراع ما كان عليه وما أصبح في العديد من أمور الحياة التي تشكل بالضرورة بؤرة للخلاف على مستقبل الإنسان.

أمثله عديدة على ما آل إليه الحال في الكثير من الأقطار العربية خذ العراق مثلاً، فقد صنف أبن خرداذبه بكتابة (المسالك والممالك) العراق كمركز للعالم ومن ثم ذكر ولاية فارس وكذلك جعل اليعقوبي العراق في مركز الأرض بكتابه البلدان، وسمى العراق بعدة تسميات منها بلاد الرافدين.

لكن أرض السواد كان اسماً على مسمى، وقد جاءت هذه التسمية نتيجة لاكتظاظ الأرض بالأشجار الخاصة بالنخيل، إذ كان العراق يمتلك أكبر عدد من أشجار النخيل بالعالم، وقد تراجعت الأعداد بشكل مخيف في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي وأصبح العراق أحد البلدان المتخلفة في زراعة النخيل بالعالم.

صورة أخرى ومثال لا بد من ذكره.. فمما يروى أن العرب في فترة الفتوحات الإسلامية لم يكونوا خبراء في البحار وكانوا يتجنبون القتال على تخومه ولعلنا هنا نذكر نصيحة عمر بن العاص إذ كتب إلى الخليفة عمر بن الخطاب (رضي) ناصحاً له بعدم القتال في البحر .

وقد جاء في رسالته نصاً (إن البحر خلق عظيم يركبه خلق ضعيف، دود على عود) وقد ذكر ذلك أبن خلدون في مقدمته إلا أن الأسطورة العربية الإسلامية تقول أن العرب بعد هذه النصيحة أصبحوا سادة البر والبحر معاً، وقد استعانوا في البداية بالحرفيين البيزنطيين والفرس والأقباط، للاستفادة من خبراتهم في بناء السفن، وتعلموا فن الإبحار مثلما تعلموا فن بناء السفن، فسادوا في البر والبحر مثلما حاول عباس ابن فرناس بأن يطير بجناحين بعد أن ضاقت به الأرض.

لم ينغلق العرب ولم يرفضوا خدمات وخبرات الآخرين، إلا أن التبادل التجاري أفرز تبادلاً ثقافياً واستفادوا من الخبرات خاصة تلك المجتمعات التي اختلفت أعراقهـــا ولغاتها وثقافتهــا وجمعتهـــا الجغرافية، وبذلك استفاد العرب من تجارب حوض البحر الأبيض المتوسط والعراق، والمحيط الهندي برافديه البحر الأحمر والخليج العربي.

وبذلك نرى أن هذا التعاون نتج عنه تطوراً ملموساً وواضحاً في انتشار الملاحة في هذا القرن الجغرافي لتوظيفها لخدمات وطن امتدت واتسعت مساحتــه في فترة قياسية جداً، وقد جاءت هذه النتائج تلبيــة لصراع التحديات التي واجهت الإنسان العربي لصناعة حضارته رغم تعدد الأعراق واللغات واللهجات والأديان والمذاهب والطوائف إلا أن الانتماء الجذري العام للوطـــن الأكبر كان عاملاً أساسياً في صنع الحضارة العربية الإسلامية التي جاءت على قاعدة امتزاج وتفاعل حضارات العرب المختلفة في كل من العراق ومصر وشمال إفريقيا وبلاد الشام