أدعي أنني عرفته حينما كان حياً، بل بعد أن رحل عن الحياة، وسلطت الأضواء على شخصيته عرفت مجيد مرهون الفنان البحريني الذي عرف بعمق فن الموسيقى، والعصامي الذي علم نفسه ما يقضي غيره سنوات طويلة في الأكاديميات المتخصصة، دون أن يصلوا إلى ما حققه هذا الفنان الذي ولد عام 1945 في حي (العدامة) وهو حي الفقراء المعدمين في المنامة.
ويقال إنه ولد خلال قصف أميركا اليابان بالقنبلة الذرية الذي تأثر الكثير من دول العالم بالغبار الذي انبثق من هيروشيما ونجازاكي، وكذلك البحرين في يوم شديد الحرارة في عام 1956، لحن وهو طالب أول أوبريت، ولم يكن قد تجاوز الحادية عشرة من عمره.
له طقوسه الحياتية في الاستماع لكلاسيكيات الموسيقى العالمية والعربية، واشترى أول عود له عام 1959، من أول مبلغ حصل عليه من عمله، لم يعلمه معلم.. تعلم العزف على العود، ثم آلة السكسفون فأصبح أشهر عازف لها في البحرين، في حين كان الفنان البحريني الأول الذي يملك هذه الآلة.
دخل المعترك السياسي في البحرين مبكراً، إلى جانب شهرته الموسيقية المبكرة أيضاً، وتعرف على الفنون الموسيقية العربية الأفريقية والإسبانية والروسية، فجمع ما بين الوعي السياسي والإبداعي الموسيقي. دفعه وعيه السياسي المبكر لأن يشارك في إحدى العمليات ضد القوات البريطانية، الأمر الذي أدخله إلى السجن المؤبد، إلا أن عام 1980 شهد حملة عالمية لمطالبة السلطات بالإفراج عنه.
من العرب القلائل الذي كتب السيمفونية، وهو في السجن حيث أكملها في ذكرى ميلاده الأربعين 17 أغسطس عام 1985، بل أنه أقنع مدير السجن بتعليم نزلائه مبادئ العزف الموسيقي ثم شكل فرقته الموسيقية داخل السجن.
أطلق سراحه يوم 26 أبريل 1990 وسرعان ما اندمج في الحياة الثقافية، وأصبح فاعلاً في العديد من المناشط الموسيقية ويلحن للعديد من المطربين، وأصبح عضواً في فرقة أجراس، وأنجز قاموس الموسيقى الحديث، وغير ذلك من أعمال عديدة أهلته ليكون في صدارة الفنانين البحرينيين ورائداً من رواد الموسيقى في الخليج.
مجيد مرهون حالة خاصة لا تتكرر، في عصاميته، وفي فطرية الموسيقى التي كانت تسري في عروقه وقدرته على تعلمها وتطورها والسفر في سلالمها رغم الفقر الذي ولد فيه، والسجون التي عاشها حتى لقب بمنديلا البحرين كونه عاش معظم حياته مسجوناً وحقق من داخل السجن مشروعه الموسيقي .
كما حقق انتشاراً واسعاً وسمعة وشهرة كواحد من أبرز الفنانين في البحرين والخليج، لم يسع للأضواء، بل سعت الأضواء له، ولم يتراجع عن مبادئه، بل لم يحد في السجن قيد أنمله عن إبداعه الموسيقي فاستغل ظروف السجن ليحارب بالموسيقى كل عناصر الظلام.. وليصبح فعلاً مانديلا عصره وزمانه..