منذ أن كان لي شرف اللقاء الأول بصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، إبان الثمانينات من القرن الماضي وحتى آخر لقاء، وأنا أكتشف فضائل كثيرة لهذا الرجل على نطاق الشخصية، إلى جانب المجال المعرفي والإبداعي وجمعه بين كل هذه الصفات وصفة الحاكم غير المستبد.
بداية وصولي للإمارات عام 1980 غمرني بمكرمة لا أنساها دون أن أعرفه أو أشاهده أو حتى يعرفني فقد أمر بإدخال بناتي إلى المدارس رغم أن النظام العراقي السابق رفض تزويدهن بأية وثيقة تسمح لهن بدخول المدارس، هذا الأمر الذي يرتبط بالأبوة والإنسانية والخير فتح الأبواب على مصراعيها لأن يستكملن دراستهن العليا ويعملن في أحسن المراكز.
حينما التقيته مصاحباً للشاعر السوفييتي الكبير حمزاتوف بعد عامين من مكرمته، كنت أتلهف للتعرف إلى هذه الشخصية عن قرب، فأذهل سموه حمزاتوف كما أذهلنا نحن بتواضعه وأخلاقه وبساطته وعلمه وبعد رؤاه، وهو يقود سيارة عادية من دون حرس وأمن ليقضي معنا ومع حمزاتوف سهرة فوق رابية بعد مطار الشارقة بنيت عليها الجامعة،.
وهذا اللقاء التاريخي يمتلك أبعاداً إنسانية وأخلاقية ترتبط بطبيعة الأخلاق والرؤى التي ربي عليها سموه منذ طفولته. وكان لي شرف اللقاء الأخير بسموه أيضاً عند افتتاح مكتبة الشارقة.
صاحب السمو يكسر حاجز المسؤول عندما يرانا، وقبل أن نقدم تحياتنا ونصافحه يسعى ويهم نحونا مهللاً ومرحباً ومبتسماً، حتى يكاد الواحد منا أن يحتضنه ويقبل جبينه لولا البروتوكولات التي لا بد أن تحترمها.
في آخر لقاء في المكتبة فتح الشيخ قلبه لمحدثيه منذ بداية اللقاء يشعرك ألا أستار ولا حواجز بيننا، هو واحد منا نحن الذين نحمل هم الثقافة وإشكالات المسرح فنكتشف أنه أكثرنا حاملاً لهذا الهم.
وأكثر اندفاعاً للتطوع والعمل لانتشال أزمات المسرح العربي قبل المحلي واضعاً كل جهوده وفكره وقدرته وسلطته وشفافيته إضافة إلى أمواله الشخصية، لأنه يؤمن أن استثمار الإنسان أكبر بكثير من استثمارات البنوك والأسهم والسندات .
حديث سموه يمتلك الصدق والشفافية والحميمية وهو ينقلك من عالم إلى آخر، وبين الحين والآخر يرسم الابتسامة على شفتيك من خلال ما يطرحه من حوارات شفافة وأفكار ويذكرنا بشعار الشارقة الذي لازم حدائقها ودواراتها «ابتسم أنت بالشارقة».
يحيرني هذا الرجل بمعرفته الموسوعية وبذاكرته الحية وعلمه المتدفق، وإبداعاته المستمرة، وتنوعها واهتماماته وقراءاته وإخلاصه للصديق ودعمه للمحتاج والغريب وتواضعه ورعايته لنا نحن الذين نعيش تحت خيمته ونفترش تراب الوطن، ونلتحف بسماء الإمارات، هذا الرجل تمنيت لو كان مثله من يحكم دول هذا الوطن الكبير المأزوم بأزماته والتي يحملها سموه على رقبته وعياً ومسؤولية.