حسيب كيالي أديب ساخر يسخر من نفسه حينما لا يجد من يسخر منه.

نسوه الناس، وقد كان حياً بيننا.. نسمعه في إذاعة دبي، ونقرأ زاويته في صحف الإمارات كما في دمشق، ويسحرك قلمه وأنت تقرأ زاويته، وتتمتع وأنت تقرأ مسرحياته.. رجل غني فقير، غني بما يملك من مواهب أدبية، وبلاغة في اللغة، وفصاحة قد لا تجدها اليوم عند أكبر الشعراء في العربية.

 

رجل إعلامي وأديب ساخر وصاحب نكتة. تعرفت إليه في الستينات من خلال كتبه.. في نهاية السبعينات فوجئت به يجري حواراً معي لإذاعة دبي عند زيارتي للإمارات قبل إقامتي فيها.

 

الجيل الجديد من الإعلاميين لم يتعرفوا عليه.. بينما كان صرحاً إعلامياً حتى يوم رحيله بين يدي صديقنا الشاعر عارف الخاجة في مستشفى المكتوم في دبي.

 

الأدباء أيضاً لم يطلعوا على نتاجه.. على الرغم من كثرة طلابه والمتأثرين بأدبه الساخر من الأجيال التي تلت جيله. جيل حسيب الكيالي رحل ولم يبق منهم إلا القليل الذي فضل الخروج من دائرة الضوء.

 

نسيناه أو تناسيناه.. حتى في بلده سوريا حينما حاولوا أن يذكروه لم يستطيعوا أن يذكروا كل نتاجه، فقلمه ساخر حاد كشفرة موس الحلاق.. بتار.. قاطع.. لا يرحم.. حتى نحن أصدقاءه، وطلابه، ومريديه ومحبيه كنا لا ننجو من سخريته المغلفة بكل ما يحمله أبو محمد من حب.

 

ظهراً كان يجلس بعد الدوام الرسمي في كافتيريا في نادي النصر ويتسارع الأدباء والإعلاميون إلى مجلسه حتى العصر.. وفي الليل يجمعنا في دار الإعلامي محمد الدبسي عند قرية ربيع الصحراء التي كانت في نهاية شارع الشيخ زايد وأزيلت وبنوا مكانها ناطحة سحاب.. ينقلنا في أحاديثه ما بين الأدب واللغة والإعلام والسخرية من الأدباء والفنانين.

 

حينما حاول الأخوة في وزارة الثقافة السورية الاحتفاء بذكراه اصطدموا بنتاجه الساخر من رجال السلطة فاضطروا عدم الخوض في العديد من أدبياته التي لم تنشر والتي تتناول السلطة في التشريح والسخرية.

 

حينما كنا نحتاج إلى مرجعية لغوية كان أفضلنا في اللغة المرحوم عبد القادر الكردي يلجأ إلى حسيب ليستعين به قبل الاستعانة بالمنجد.

 

لو تعرفت على حسيب كيالي لا تحبه فحسب بل تعشقه، وتعشق مجلسه، وسخريته، وضحكه، وستطرب للغته التي حتى الآن لا أعرف متى يصبح فيها مثل سيبويه وحينما يصبح شخصية سورية عامة تسير في سوق الحميدية.. كان شاعراً، وقاصاً وروائياً، ومسرحياً، ومعداً للبرامج، ومحاوراً، وإعلامياً، ومرجعاً لغوياً، لم نكن نعرف من أين له كل هذه الطاقات فيصبح أفضل منا جميعاً وكان في السبعين حينما كنا في عقدنا الرابع.

 

الحديث عنه يتطلب مئات الصفحات بل آلاف منها، بعدد الدقائق التي عشت فيها معه، وتأثرت به، وبروحه. رحمة الله عليه.