معظمنا لا يعرف من كوريا إلا ما تنقله لنا وسائل الإعلام عن الصراع المسلح ما بين الشمال الاشتراكي والجنوب الديمقراطي، وما نتلمسه في الشارع والأسواق من منتجات كورية تتعدد بتعدد الحاجات الإنسانية غير أن صورة كوريا الأخرى تختلف كثيراً عن كل التصورات التي بنيت مسبقاً.

 

سيئول.. مدينة تجعلك تحلم بها.. إن رذاذ المطر الذي لا يبلل قمة رأسك لا يوسخ لمعان حذائك من نظافة الشارع الذي تخاله قد زيت الآن، غير أن ألوان أشجار الورد تتسابق لمنح عينيك متعة اللون واختلافه وتنوعه، مدينة عصرية أنيقة بكل ما للأناقة من ذوق وانسجام، لا تصدق أن نفوسها يتجاوز عشرة ملايين نسمة، فالشارع على ازدحامه ينساب سريعاً.

 

سيئول.. على الرغم من ناطحات السحاب فيها، تجد قراها التراثية وقصورها التاريخية مفتوحة لمزارات السواح كما لمواطني كوريا، بل إن الأطفال هم الأكثر عناية في حضور هذه الإنجازات التي يعتز الكوريون بها.. حتى أنني وجدت نفسي وأنا أزور قرية تراثية أن معي ‬12 ألف طالب مع مدرسيهم ومرشديهم ووسائل نقلهم وكافة أمور الرعاية والحفاظ عليهم.

 

ليل سيئول يبدأ من الرابعة عصراً، إذ تبدأ العروض الفنية مبكرة ولكنها تستمر حسب مواعيد العروض التي قد تصل إلى منتصف الليل أو بعده.

 

في الرابعة عصراً كان موعدي مع عرض للتراث الموسيقي الغنائي التقليدي، وفي السابعة كان لقائي مع مسرح المايم ومسرحية كوميدية لم أجد عناءً في فهمها، في يوم آخر كان الموعد مع بيت كوريا لأتمتع بالغناء والرقص التراثي برؤية عصرية.. صناعة المعدات الثقيلة الكورية تتناسب مع تعدد الفنون وإتقان الأداء.. وهما وجهان لعملة واحدة من الانبهار والإتقان والتقدم.

 

في الثامنة نتمتع مع فرقة كوريا للبالية متعة لا يمكن أن توصف بعيداً عن الترجمة والمؤثرات الخارجية، تعيش رومانسيتك مع انسيابية الراقصين ومرونة أجسامهم وانسجام حركتهم غاية في المتعة والانبهار.. لتنام ليلتك دون كوابيس لتصحو مبكراً وتزور صرحاً جديداً.. مدينة جامعية للفن فقط، تحت مسمى جامعة كوريا للفنون، هي الوحيدة في العالم، جامعة متخصصة لتدريس الفنون وتدريب الفنانين بكل ما يخطر في بالك من أجناس فنية، وبمستوى يتجاوز الاحتراف بما يتوفر من مخابر واستوديوهات وورش عملية وما تتطلبه الفنون المختلفة.

 

أما التجهيزات الفنية للمسارح العديدة التي زرتها، فإنني أجزم في القول.. أن أبسطها أعلى مستوى من أفضل المسارح العربية التي تعرفت عليها أو عملت بها على مستوى كافة الأقطار العربية.

 

الإنسان حكاية.. الطقس رواية.. العادات والتقاليد.. التقدم العصري.. الوجه التراثي الحضاري.. الاهتمام بالطفل والإنسان.. الشاي والأعشاب.. طعام الكمجي والكلبي.. الطب البديل.... إلخ، متلازمات لوجوه كثيرة عن كوريا. سأزور كوريا مرة أخرى لو قدر لي ذلك وسأكون سعيداً أيضاً.