ليس من حكاية تروى في مجالس اليوم إلا انتفاضة الشعب العربي برمته في وجه طغاته وسقوط الواحد تلو الآخر، لكن أين موقف الأديب والمثقف من هذا الصراع الذي لن يحترم من يقف في وسط الزحام.. إذ تسحقه جموع الزاحفين.

 

في منتصف القرن العشرين شاعت نظرية موت الرواية مثلما أشاعوا في نهاية القرن الماضي نهاية الشعر، إلا أن الروائي التشيكي ميلان كونديرا تصدى لهذه النظرية وجدّد موقفه بالقول (إن الرواية لا تموت في العالم إلا إذا مات العالم، لأن الرواية هي صورة العالم).

 

وقد تحقق بالفعل قول كونديرا، فمن ينكر أن روايات نجيب محفوظ هي صورة المجتمع المصري في الفترة التي رصدها محفوظ، وهناك نماذج عديدة ليوسف القعيد، وجمال الغيطاني وغائب طعمة فرمان، وغسان كنفاني، وعلاء الأسواني، وفؤاد التكرلي وغيرهم كثيرون ممن حققوا هذا الرصد في رواياتهم.

 

أما في الأدب العالمي فيبهرني ماركيز في تتبعه وتصويره لنماذج من مخلوقات لا تستسلم أبداً كهؤلاء الذين ما زالوا واقفين على عروشهم وإن ارتفعت بعدد الجماجم التي ضحت لإسقاطهم، وكذلك لا بد من تتبع روايات ميخائيل بولغاكوف الذي كان من رواد الانشقاق على ديكتاتورية البرولتاريا في الاتحاد السوفياتي يوم كانت شعوبه تنام تحت الستار الحديدي،.

 

ومثله فعل الروائي أرنست بونغر، الذي انشق عن السلطة النازية الهتلرية، أما هايتريش بول فقد حمل مشعل الديمقراطية الإنسانية وتسحرني فرنسواز ساغان في تجسيد الحب البديل للحرب والقسوة والتعذيب والبيركامو في القاء الضوء على عبثية الحياة وتفاهتها غير أن الدكتاتور لا يرى إلا نفسه وأن كل الكائنات تحبه وتموت لأجله بما في ذلك الصراصير والحشرات.

 

والحديث يطول إذا أردنا أن نبحث عن مواقف الروائيين العرب أو الأجانب حيال الدكتاتورية والقضايا الإنسانية، إلا أنني من خلال قراءتي وجدت أن الكاتب الإسباني كاميلوخوسيه والذي حاز على جائزة نوبل عام ‬1989، أحد أهم الروائيين في العالم الذي ينطبق عليه مفهوم محاربة الدكتاتورية من خلال الأدب.

 

فقد وقف ضد الدكتاتور فرانكو وكرس مجلته (بابيل دومسون أرمادان) لأقلام المعارضين الشباب ثم أنه كرس معظم كتاباته منذ عام ‬1942 لمناهضة الحرب الأهلية الإسبانية دون أن ينتمي لجهة لأنه كان يجدهما خاسران لا محالة على كافة الأصعدة.

 

وقد خاض تجربة قاسية عندما كان مجنداً في جيش فرانكو وشارك في الحرب شاباً مما ساعدته التجربة على تكوين موقف مناهض للحرب والديكتاتور.

 

في الأدب العربي هناك العديد من رموزنا الذين حاربوا السلطة بكتاباتهم وأدبهم على الرغم من عدم وجود خطاب مباشر ولعل من أفضل هذه النماذج ما كتبه نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم في تعرية السلطات والحكومات وبموقف رافض لها رغم عدم اللجوء إلى المباشرة.