شهد الشعر العربي موجات من فيض حب الأم منسوجاً في شعر أمة لم تتخلى عن شعرها وشعرائها الذين حملوا كل الأحاسيس الإنسانية ومزوجها في قصائدهم التي أصبحت أغنيات ملأت فضاء الدنيا ولم تتوقف.
صدر قبل أسابيع كتاب مميز للدكتور محمد حور خصصه للأم في الشعر العربي المعاصر، وقد استعرض حور قصائد عديدة لشعراء النصف الثاني من القرن العشرين، واستغربت على حجم القصائد في هذا الاتجاه وأزعم أني قرأت معظم هذه الدواوين الشعرية لكني لم أنتبه لهذا الكم الهائل والإبداع الذي لا نملك إلا أن نعجب به، غير أن ما لفت نظري هو تفوق كل من محمود درويش وبدر شاكر السياب في التغني بأمهما.
وأزعم أيضاً أنني قرأت درويش والسياب ولم التفت إلى هذا الزخم الإنساني، والفيض العاطفي، والقدسية الهائلة للأم.
قرأت غريب على الخليج، ولم أنتبه لقول السياب: (هي وجه أمي في الظلام/ وصوتها/ ينزلقان مع الرؤى حتى أنام/ وهي النخيل أخاف منه إذا أدلهم مع الغروب). وقرأت أنشودة المطر، ولم أنتبه للسياب وهو يتقمص دور الطفل فيقول:
تثاءب المساء والغيوم ما تزال/تسح ما تسح من دموعها الثقال/ كأن طفلاً بات يهذي قبل أن ينام/ بأن أمه ـ التي أفاق منذ عام/ فلم يجدها/ ثم حين لج في السؤال/ قالوا له:
«بعد غدٍ تعود») في قصيدة نداء الموت يندب أمه، وعشرات القصائد، حتى أن ديوانه الأخير «منزل الأقنان» يكاد لا تخلو كل قصيدة من ذكر الأم حتى استدعاها ليشكو لها جوع غيلان:
(ما حملت إليك الريح عبر سكينه الليل/ بكاء حفيدتك من الطوى وحفيدك الجوعان) أما محمود درويش فقد جعل من خبز أمه رغيفاً لكل الثوريين في العالم، حتى أصبح يضرب به الأمثال عندما تشتد المعارك مع عناصر الظلام، ويصبح الرغيف صنو الوطن، صنو الأم.
(أحن إلى خبز أمي/ وقهوة أمي/ ولمسة أمي/ وتكبر فيّ الطفولةُ/ يوماً على صدر يوم/ وأعشق عمري لأني إذا مت/ أخجل من دمع أمي). درويش يجعل من الياسمين أسماً لأمه، مثلما يجعلها أرض فلسطين ويتفاءل بالعودة، ويدعوها لاستقباله مع أخوته الثائرين.
محمود درويش يسحرك فيما طرحه من وجوه مختلفة في مناجاة أمه (سنة تكفي لكي أمضي إلى أمي الحزينة) (تركت وجهي على منديل أمي/وحملت الجبال في ذاكرتي/ ورحلت) محمود درويش شجرة خضراء وقبلة أمه والوطن، وظلام العالم الذي لا يرحم (قبلته أمه.. وبكت عاماً عليه/ بعد عام/ بنت العوسج في عينيه/ واشتد الظلام).