لا أريد أن أتحدث عن ثورة شباب مصر من الناحية السياسية أو الإيديولوجية، فوسائل الإعلام قد أشبعتها تحليلاً ومتابعة وقد اجتهد المئات في تقييم أساليبها ونتائجها والتوقعات التي أسرع كل محلل في وضع سيناريوهات مختلفة، أريد أن أتحدث عن ظاهرة أفرزتها الأحداث، فبعد نجاح الثورة، وسقوط رموز النظام السابق، وتسلم الجيش للسلطة، ظهرت على شاشات الفضائيات المصرية وبشكل شبه جماعي كل الأغاني الوطنية القديمة التي تنتمي للستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
منذ زمن طويل جداً لم نسمع، ولم نر هذه الأغاني التي شكلت ضمير جيلنا نحن المخضرمين، والذين عشنا نتغنى بها يوم كان للأغنية الوطنية موقعاً هاماً في حياتنا اليومية والتي كانت تعبر عن لسان حال جيل كامل.
إن الثورة، بشبابها، وتقنياتها وإستراتيجيتها لم تنقطع عن جذورها ولا عن منابع مصادرها، وعن العلاقة الجدلية في الحياة اليومية العامة، إنما كشف القائمون بها والحالمون بمستقبل جديد لوطن عزيز عن عدة معطيات منها.
ــ العلاقة الجدلية بين جيل الشباب وآبائهم فالكل يحلم بوطن جميل، ولأن الوطن حالة شراكة وحق طبيعي ومنطقي لكل الشعب بغض النظر عن أعمارهم أو انتماءاتهم أو تطلعاتهم، فكل شيء مشترك على أرض الوطن، وهذا منطلق إنساني لعدالة اجتماعية تشمل كل الطيف الشمسي لشعب عريق يعتمد على قيم بنيت على أرض صلبة ومعطاء.
إن ظهور النشيد السياسي برموزه القديمة أمثال عبد الحليم حافظ وأم كلثوم ومدحت صالح دع عنك سيد درويش إنما عبر عن بعد يضاف إلى ما ذهبنا إليه في الفقرات السابقة، ذلك لأن الفن وحده هو الذي يعبر بصدق عن تطلعات الإنسان وطموحاته، وإن الفن الحقيقي يظل الناطق الرسمي لكل الأجيال، إن ظهور عبد الحليم مع «عدا النهار»، رسالة، ومدحت صالح في صورته الشبابية وهو يتغنى بمصر وبجمال الوطن لدليل آخر مع كل ما يمكن قراءته في الجمع ما بين الرمز والواقع وهذا ما يمكن أن نقوله عن أناشيد أم كلثوم أما أغاني حليم التي عادت إلى الشاشة تذكرنا بانتصارات هذه الأمة التي لم تعرف المستحيل.
(صورة.. صورة.. كلنا كدة عايزين صورة.. صورة للشعب الفرحان تحت الراية المنصورة).
أو أغنيته المشهورة (الله يا بلادنا الله .. على جيشك والشعب معاه).
أو حينما تغنى بجمال مصر (بلدي يا بلدي.. يا بلد الثوار يا بلدي)
أغانيه كثيرة جداً لا تحصى إلا أن أحداً منا لا ينسى موال النهار:
(عدّا النهار/ والمغربية جايّة/ تتخفّى ورا ظهر الشجر/ وعشان نتوه في السكة/ شالِت من ليالينا القمر