جاء توقيت مهرجان المسرح العربي في بيروت مناسباً مع كل شعور المسرحيين بالإحباط والتشتت ليجمعهم تحت خيمة واحدة وليعيد الروافد إلى مصباتها والسفن المبحرة إلى مراسيها.

لا حاجة للادعاء بنجاح المهرجان، فإن الأهداف التي تحققت تؤكد النجاح لا كلمات متفرقة نقولها لأنصاف المهرجان والقائمين عليه. فالمهرجان ذاته امتلك ظروف النجاح والنتائج كانت دليلاً آخر على تحقيق أهداف عديدة منها، تواجد هذا العدد من المسرحيين الذين مثلوا أجيالاً من التجارب والأعمار ومن مختلف الأقطار، وكانت فرصة للتعرف على العديد منهم.

كما هي فرصة للقاء أولئك الرواد الذين أفنوا حياتهم في خدمة المسرح العربي فكانت التفاتة جميلة في جمعهم مع جيل آخر من الشباب الذين يعدون بمستقبل واستمرار مسرحنا العربي. أما النجاح الآخر، فهو نقل تجارب الأقطار العربية المختلفة إلى بيروت، والاطلاع على مستوى المسرح العربي المعاصر، والتفاوت بين عرض وآخر، والتعرف على تجارب مختلفة تشكل في مجموعها المشهد المسرحي العربي المعاصر بدون رتوش.

مما جعلنا كمتابعين أخصائيين نتعرف على منابع الإبداع، وتجارب جديرة بالاهتمام والمتابعة ودفعها إلى الأمام، مثلما تلمسنا ميدانياً العديد من الإحباطات التي شكلت تراجعاً لمسارح قطرية كانت تمتلك تجارب عالية الجودة، وهذا مؤشر آخر لابد من الاهتمام به لدى فناني المسرح في تلك الأقطار من أجل تقويم ما يمكن إصلاحه ودفعه إلى ساحة الجودة.

الحديث عن نقاط النجاح عديدة جداً، فاللجان المنظمة وحدها جديرة بالتقدير والشكر لما بذلته من جهود استثنائية لعقد هذه الدورة التي جاءت في زمن تراجعت فيه العديد من المهرجانات المسرحية العريقة التي كانت نافذة هامة في الحياة المسرحية وقد تراجع دورها وبذلك فقدنا روافد أساسية، ولعل مهرجان المسرح العربي الذي نظمته الهيئة العربية للمسرح جاء ليعيد الحياة إلى ساحات مسرحية عديدة انطفأت شموعها وتوقفت ستائرها وأجدبت خشبتها.

ولعل من أهم ما يمكن أن نشير له بهذا الصدد، أن النور الجديد لم ينبثق من العواصم المسرحية التقليدية إنما جاء من العواصم التي نهضت بدماء جديدة، ورعاية سامية من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، لتصبح الهيئة العربية للمسرح بديلاً لهيئات كانت تمتلك الشرعية والمبادرات.

وتنازلت عن دورها الأساسي لذا فإننا نحيي الهيئة العربية للمسرح في مبادرتها وتطلعاتها ووفق ما رسمته من استراتيجية لاستمرارية عمل مجد وجاد لإعادة المسرح العربي إلى خشبة الإبداع، نحن لا ندعي أن مهرجان بيروت كان نموذجياً إنما نؤكد أنه كان الخطوة الأساسية والأولى لمسيرة طويلة لابد من الإعداد والاستعداد لها وللتواصل حتى خط النهائية.