لم يكن في أجندتي أنني سأزور سيراييفو ذات يوم، لكنني وجدت نفسي فجأة أمام دعوة من مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري لحضور مهرجان المؤسسة الذي يتجول في عواصم الدنيا في كل دورة.
أعرف شيئاً بسيطاً عن سراييفو.. ولم أحاول كعادتي أن أسبق زيارة المكان بمعلومات جاهزة.. أحب اكتشاف المواقع أفضل من القراءة عنها، والفارق كبير بين أن تقرأ الجغرافيا أو تعيشها.. وصلت صباحاً مطارها.. هادئ على غير مطارات العالم الصاخبة خاصة وقد انتقلت من مطارين يعتبران أشد مطارات العالم ازدحاماً، دبي بوابة آسيا واسطنبول بوابة أوروبا. كانت درجة الحرارة حينما غادرت دبي تتجاوز 40 درجة مئوية.. إلا أنني فوجئت بها في مدينة الوصول بـ 4 درجات فقط.
تلك هي سيراييفو
أعرف أنها خرجت من عنق زجاجة الاتحاد السوفياتي المنحل، وإنها دخلت في صراع عرقي ــ ديني طائفي طويل. لكنني حينما وصلت سيرايفو لم أجد آثار تلك الصراعات ولا الدمار الذي لحق بها.. كان طبيعياً أن أرى مدينة متواضعة إلا أنها جميلة حد الإعجاز في طبيعتها الساحرة واخضرار أراضيها ولمعان أشجارها وزرقة سمائها ونظافة شوارعها.. كل تلك الصفات من السهولة أن تحققها في حياة أية مدينة تقع على سفح جبال باردة، إلا أن الإعجاز في التعايش ما بين فسيفساء المجتمع وانتماءاتهم، ورغم أنهم دخلوا في صراع دموي لسنوات طويلة إنما في المحصلة النهائية أدركوا جميعاً أن أحداً من هذه العرقيات لن يغادر أرض وطنه وأجداده، وانهم ينبغي أن يتعايشوا بسلام وأن يجعلوا الحوار لغة التخاطب والتجاذب والمحبة. في البوسنة والهرسك ثلاث لغات رسمية (البوسنية ــ الكرواتية ــ الصربية) ولكنهم قربوا تلك اللغات دون إلغاء واحدة لحساب أخرى.. بل أصبحت اللغات الثلاث لغة واحدة تقريبا.. هي لغة التفاهم والعلاقات الإنسانية. 51 من عرق بوسني بينما الصرب يشكلون 32٪ والكروات 14٪ وهناك عرقيات أخرى تعتبر من الأقليات العرقية تعداد السكان حوالي 4,6 ملايين ودياناتهم تجمع ما بين المسلمين والمسيحيين وديانات أخرى. أهم ما تجده في هذا البلد هو روح التسامح الوطني الذي أصبح سمة من سماتهم، وقد أحسست أننا فعلاُ نحتاج إلى الدرس البوسني لبناء علاقاتنا الجذرية مع الأقليات الذين هم أيضاً أبناء بلدنا ومواطنين مثلنا.. وعلينا أن نجد العوامل الإنسانية المشتركة التي تجمعنا تحت خيمة أوطاننا.
هل يمكن لبعض رموز السياسة العربية المتحاربين أن يذهبوا إلى سيراييفو للتعلم منهم كيف يمكن للإنسان أن يتعايش مع أخيه الإنسان وإن أختلف في العرق أو الدين أو المذهب؟