شكل الطرب العربي الأصيل، مكوناً رئيساً في ثقافة الفن، خلال القرنين 18 و19 ، في عهود الحكم العثماني، وكان التخت الموسيقي (الفرقة)، ملمحاً مهماً لا بد منه في عوالم الترفيه ضمن قصور الحرملك والسلملك. واختص الشرقي منه، في تلك الآونة، بمرافقة غناء «الموشحات التركية»، المأخوذة، أصلاً، من نظيرتها العربية. وقد ضم التخت آنذاك، آلات عزف متنوعة، هي: العود، القانون، الناي، الرق، ثم الكمان لاحقاً.
يقابل «التخت» في الموسيقى الشرقية، «الأوركسترا» في الغرب، وعرفت هذه الأخيرة في عهد الإغريق، إذ ضمت مجموعة من الآلات الوترية والإيقاعية، وأما كلمة أوركسترا، فهي مستمدة من مقدمة المسرح الإغريقي القديم، حيث كان يقف كورس الإنشاد، وأما بالنسبة للتخت العربي، فظهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في زمن الحكم العثماني (التركي) للبلاد العربية.
كان الأتراك، قد أخذوا الكثير من الموسيقى العربية، حتى اعتبرت الموسيقى التركية الكلاسيكية، توأماً للأولى، وتمت عملية التوأمة تلك، على مرحلتين، الأولى تمحورت في صيرورتها حول الأصالة العربية طوال فترة العصر الذهبي في مرحلة الخلافة العباسية.
وبينما اتسمت الثانية بالانفتاح الثقافي العثماني، على العالم، إذ برزت عوامل شهرة وتألق الحضارة العثمانية في مجالات الخلق والإبداع.ازدهرت الموسيقى العربية والتركية، في زمن العصر العثماني، وحظي المغنون والموسيقيون بمكانة رفيعة في قصور السلاطين. وكذلك كانت الحال في مصر، خلال عهد محمد علي، إذ دخل التخت الشرقي إلى مصر، بالتوازي مع تأسيس مدرسة للموسيقى العسكرية.
موشحات حلب وفنانوها
وفي العصر الذهبي للموسيقى في الامبراطورية العثمانية، برزت عدة أسماء من المهتمين بها بشكل كبير، مثل : السلطان سليم الثالث، يوسف باشا، عثمان الطنبوري، حاجي عرفي بيك، طاتيوس. وفي سوريا، وخلال القرن الثامن عشر، برز المنشدون المتصوفون، وأشهرهم:
محمد بن السيد عبد القادر الشريف- من الحلقة القادرية، محمد بن كوجك علي الحلبي (الذي كان على معرفة واسعة بالموسيقى- إذ نظم ولحن موشحات عدة)، محمد أبو الصفا الذي تلقى علوم الموسيقى عن أبيه مصطفى أبي الوفا، مصطفى بن أبي بكر الحريري الرفاعي. واعتمدت الحياة الموسيقية في القرن التاسع عشر، في بلاد الشام، على فن الموشح العريق، بشكل رئيسي، إذ بلغ أوجه على أيدي الفنانين الحلبيين.
وكذا مع فن الأغنية الشعبية التي تستقي مادتها من الحياة اليومية، لتصبح جزءا من تراث الشعب الفلكلوري. كما أخذ الفن المصري مكانته إلى جانب فنون الغناء الأخرى، وأما بالنسبة للموسيقى الآلية، فقد سادت فيها صيغ الموسيقى الشرقية (الفارسية والتركية)، في التأليف.
يعد التخت الموسيقي لابراهيم سهلون في مصر، التخت الشرقي الأول والأشهر، الذي عرف في أوائل القرن الماضي، وكان تشكيله بغرض أن يكون مصاحبا المغنين والمطربين، وبذا رافق كثرا منهم، مثل: أم كلثوم. وكان من بين أبرزها في هذا الشأن، تخت العقاد الكبير، لمحمد العقاد، الذي عرف باسم قانون جي الشرق.
حيث القانون هو الآلة المسيطرة على التخت ذاك، لما له من تأثير على ضبط الحالة المقامية الغنائية. وتأسست مرحلة مهمة مع بروز عازف الكمان إبراهيم سليمان سهلون أو صهالون، والذي كان قد نشأ في القاهرة لأسرة يهودية، وولد عام1840، ووالده كان عازفا للقانون.
فتعلم إبراهيم العزف على الكمان، على يد حسن الجاهلي جد الموسيقار عزت الجاهلي، وأكسبته براعته في العزف، شهرة واسعة، جعلته أفضل عازفي الكمان خلال الفترة ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وترك ابراهيم، والذي توفي في20 أغسطس عام1920، عدة تسجيلات للعزف المفرد على الكمان، وكذا العزف مع مطربين أو مطربات.
الحامولي وألمظ
انضم إلى تخت إبراهيم سهلون، في فترات لاحقة، المغني والموسيقي عبده الحامولي في نهاية ثمانينيات القرن التاسع عشر، واعتمد عليه أثناء أدائه الأدوار في طبقاته العالية. واعتبر الحامولي الذي ولد في طنطا عام 1845، سيد المغنين والملحنين المصريين في القرن الـ 19. وكان أول المجددين في مجال الغناء الجديد الإبداع الموسيقي الخارج عن الطابع التقليدي، والزاخر بالموشحات والقدود العربية، والتي دخلت مصر في القرن 17.
واستلهم الحامولي ألحانه الجديدة، بعد زيارته تركيا، حيث بدأ بالدمج بين المقامات والنغمات التركية في الغناء. وكانت ألحانه فريدة، وعد تخته بمثابة مدرسة عملية للعازفين والمغنين، واستمر ذلك حتى وفاته في عام 1901، كما أنه اشتهر بقصة حبه للمغنية ألمظ (1860 - 1896)، واسمها الحقيقي سكينة، إذ اكتسبت لقبها من صفات صوتها الرخيم الذي شبه بالألماس في صفائه ونقائه.
درويش و»صحبجية»
ومن أشهر المطربين الذين صاحبهم في الغناء التخت الشرقي، سيد درويش وأبو العلا محمد والدكتور صبري النجريدي، والأخير طبيب في الأساس، وقد أحب الموسيقى وعشقها وكون تختا عرف باسمه. وكذلك اشتهرت أم كلثوم بمصاحبة التخت الشرقي لها، خصوصا في بداياتها.
وكذا محمد عبد الوهاب الذي أضاف إلى التخت الشرقي، آلات غربية مثل الغيتار والماندولين والبيانو والأكورديون، ومن قبله أضاف سيد درويش إلى التخت الشرقي، آلات التشيللو والكونترباص والأبوا.
كما اشتهر تخت العقاد الكبير لمحمد العقاد المولود في دمياط .وظهرت أشكال مختلفة من التخت الشرقي، أيضاً، منها ما سمي بـ «الصحبجية»، القريب بفكرته من الزجل، في الأخذ والرد. و»الصحبجية» عبارة عن تختين متقابلين يقوم أحدهما بالغناء في موضوع ما، بشكل نقدي للواقع الموجود، ليقوم الآخر المقابل، بالرد عليه أو هجوه، كما كان يحدث مع الشعراء العرب في العصر الجاهلي، من مديح وذم وهجاء، ولكن ذلك يتم في قوالب غنائية. وفي هذا السياق، غنى سيد درويش «يا صحبجية أه ياللي منورين في القعدة تملي يا صحبجية..... حبة آهات على عين على ليل على ترللي..»
ويشرح الناقد الموسيقي العراقي فاروق هلال، بداية التخت الشرقي الذي وصفه بأنه بداية المنطلق الذي تأسست عليه القوالب الغنائية والموسيقية، في مستهل القرن العشرين، مبينا أن تلك القوالب كانت محكومة بالحالة الطربية فقط، ومع تطور الحياة، بشكل عام، وظهور فنون أخرى، مثل السينما والأفلام الغنائية، برز ما يسمى بالمحدثين للموسيقى في الوطن العربي، منهم: القصبجي.
ومحمد عبد الوهاب في مصر، ومحمد القبانجي في العراق والرحابنة في لبنان. وأراد هؤلاء، خلق قوالب غنائية جديدة في الغناء الشرقي، واقتضت الحاجة وجود آلات أكثر، تصاحب المطرب أو المغني، ووجد نوع من الاستعراضات المصاحبة للأغاني، بحيث لم يعد يستوعب التخت التطورات المطلوبة، ومن ثم تحول التخت إلى فرقة متكاملة، ودخلت آلات التشيللو والكونترباص، إليه، وغيرها أيضا.
فرقة التخت الإماراتي
شهدت الإمارات تأسيس أول تخت إماراتي، في عام 2010، إذ أحيت هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة (هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، آنذاك)، مع هذه الولادة، تقليداً موسيقياً حيوياً، وتألفت الفرقة، التي شكلها الفنان الإماراتي علي عبيد، من ستة عازفين، وهم:
علي عبيد «عازف العود»، محمد مرشد «السكسفون»، عمر عبد القادر «قانون»، حمد المنصوري «عود»، بسام عبدالستار «قانون»، سراج محمد «إيقاع». ومؤسس الفرقة هو أول خريج من بيت العود في أبوظبي، وهو يروي في هذه السطور قصة إنشاء الفرقة، وخطواتها في المهرجانات المحلية والدولية وأهدافها المستقبلية الفنية:» ساهمت هذه المبادرة في إتاحة الفرصة أمام موسيقيي الإمارات، للمشاركة في تقديم روائع الموسيقى العربية الكلاسيكية، من خلال العزف على مجموعة من الآلات الموسيقية العربية التقليدية».
ويشير إلى أنه شاركت الفرقة في العديد من المهرجانات الموسيقية والفنية في الخارج، في بريطانيا وكندا وأوروبا عموما، كما قدمت عدداً كبيراً من الحفلات في الإمارات.
التراث أولاً
أوضح مؤسس فرقة التخت الإماراتي، علي عبيد في أحد اللقاءات الصحافية، أنه لم يكن هناك عازف منفرد خليجي، في مجال العود، وبالتالي تقليد العازف المغني، راسخ لدى الجمهور. وأضاف:» إذا أردنا البحث عن التراث الموسيقي لأية آلة، فإننا سنجدها ضمن التراث الغنائي، وعموما العازف الذكي يجب ان يبدأ بألحان لأغان شعبية مشهورة قريبة من قلوب الناس، لتهيئة الأذن الموسيقية لديهم في الاستماع، ولا يمكن ان تكون البداية بغير هذا الأسلوب وهو التقرب شيئاً فشيئاً».
علاج الروح
وصف الفيلسوف اللبناني الراحل جبران خليل جبران الموسيقى انها جوهر الروح، وقيمة الإبداع، وطريق العالج، فصور ماهيتها مشيراً الى انه ظل الإنسان يحاكي وينسج الألوان الموسيقية الإبداعية، تعبيراً عن مكنوناته وتجسيداً لما يشعر به، حتى أصبحت الموسيقى، علاجه المفضل، فغدت تخفف عنه التعب وتزيل عنه الكرب.
وبذا باتت كالمصباح، تطرد ظلمة النفس، وتنير القلب فتطهر أعماقه. ورأى جبران أنه هكذا هي قصتها منذ الأزل، إذ كانت الموسيقى ولا تزال، ترافق الإنسان في أعماله، فتقوي عزيمته وتشجعه على السير قدماً لتحقيق ما يصبو إليه، لذلك رافقت العامل والصانع، والطبيب والمريض، والمسافر والمقيم.