يشتغل الفنان السوري نصر ورور على لوحة حديثة، تمتلك جملة من المقومات التي تمنحها وحدة طاغيّة، رغم تلونها، أسلوباً ومعالجةً، بين الحين والآخر. وأبرز هذه المقومات وأهمها، سطوة الرسم عليها، وسيطرة الحس الغرافيكي، وميكانيكيّة اختزال الهيئات والأشكال، ما منح التكوين في غالبية لوحاته، سمة ميكانيكيّة طاغيّة، حاول تحريكها والتخفيف منها، عبر عدة وسائل، ومنها: التنويع بدرجات اللون، طريقة فرشه في جسد اللوحة.

 

يمكن تصنيف تجربة الفنان نصر ورور في ثلاث مراحل، هي: الأولى، وتمثلها مجموعة اللوحات المنتجة العام 2007. الثانية، وتمثلها اللوحات المنتجة العام 2008. الثالثة: وتمثلها اللوحات المنتجة لعام 2009.

 

المجموعة الأولى

تُشكّل أعمال هذه المجموعة، المنطلق الأساس لتجربة الفنان ورور، التي لم تغادر الضفاف الواسعة للواقعيّة، حيث ظلَّ الشكل المشخص، موجوداً في أعماله، بهذا الشكل أو ذاك، فتارة يذهب به إلى الاختزال الهندسي الصارم، وأخرى، إلى إشارات واهيّة، بالكاد تفصح عن دلالاتها الواقعيّة. تتصدر هذه المجموعة، لوحات واقعيّة تعبيريّة، تناول فيها الوجوه والنساء ضمن ثنائيات أو رهط، في وضعيات مختلفة، وزعها على خلفية مؤلفة من شرائط ومربعات ومستطيلات ملونة (طلس أو مهشرة). أما الوجوه، فهو يدخلها في نسيج الخلفيّة.

وفي هذه الأعمال، يلغي الفنان ورور البعد الثالث، مؤكداً على تكوين متماسك مشدود إلى الخلفيّة، قائم في الأساس، على توزيع مدروس وثر للألوان وعلاقتها بالرسم الذي يسحبه من صلب العجينة اللونيّة، مشددا به على ملامح الوجوه، أو هيكليّة الأشخاص، من دون طغيان عنصر الخط على اللون.

والذي يأخذ أبعاده التشكيليّة والتعبيريّة الكاملة في هذه الأعمال . كما عالج في أعمال أخرى، مجموعة بيوت قديمة ملتحمة بالأرض، يدرجها من الرمادي الشفيف إلى الأزرق المرمد، فالنيلي القاتم المشكل للسماء، من دون أن ينسى توزيع بؤر لونيّة مضادة، ولكنها صغيرة جداً، الأمر الذي يخلق حالة حوار بين الألوان الباردة والحارة، والصاخبة والهادئة.

وفي أعمال هذه المجموعة، يدخل أيضاً، على الخصيصة التي تسم أعماله كلها، فيما بعد. وهي تأطير الوجوه أو الأجساد، ضمن بلوكات، من الأسود والأبيض والرمادي، يزرعها في وسط اللوحة (شاقوليّة) أو (أفقيّة)، ومن ثم يحيطها بشرائط من الألوان، خالقاً بذلك حالة من التضاد المتبادل، بين هذه الكتلة المؤنسنة وشرائط الألوان التي تأتي سادة أحياناً، أو مهشرة أو مخترقة من قبل مربعات بألوان متضادة.

وفي أعمال أخرى، تقتصر الألوان على الأبيض والأسود والرمادي، أو قد يوشيها بالقليل من البقع الملونة، وربمـــا يزرع في الخلفيّة، عناصر زخرفيّة ضمن مساحات محددة. ثم تتصاعد وتيرة الاختزال والتجريد لديه، وتتكاثر العناصر والوجوه:

(وهي تتقاطع مع وجوه الفنان الراحل فاتح المدرس)، لتشغل معظم مساحة اللوحة، على هيئة كاروات، يعتمها في الأسفل، ويضيئها في الأعلى، من خــلال التفتيـــح والتغميــق، في درجات اللون.

بعد ذلك، يعود الفنان ورور لاستخدام الشرائط المؤطرة التي تنزل من أعلى إلى أسفل، أو من اليمين إلى اليسار، فيُقحم في أوسطها، الهيئة الإنسانيّة المنفذة بالأبيض والأسود وتدرجاتهما الرماديًة. وفي الشرائط المحيطة، يبعثر الألوان الطلس أو المهشرة، ثم يقوم بربطهما من خلال إدخال اللون عبر مربعات مختلفة الأشكال إلى شريط الهيئة الإنسانيّة، والعكس صحيح أيضاً.

ويستخدم الفنان ورور بكثرة، الألوان الناريّة، والنيليّة والسوداء والبيضاء والرماديّة. كما يلجأ أحياناً، إلى استبدال اللون الناري بالأخضر المشع، أو الأزرق النيلي والسماوي.

 

المجموعة الثانية

يمعن الفنان ورور في أعمال هذه المجموعة، باختزال الهيئة الإنسانيّة وحشرها ضمن بلوكات، تبدو للوهلة الأولى وكأنها آلات موزعة على المربع _الوجه، والمستطيل_ الأيدي والأرجل، والدائرة _ النهد، وعلى الأبيض والأسود والرمادي والألوان القويّة (الأحمر الناري، الأزرق)، التي يُحيط بها بلوكة الهيئة الإنسانيّة او أجزائها، إما على شكل شرائط، أو مربعات صغيرة وكبيرة، او تمتمات واهية (وهي قليلة)، حيث يدخل بعضها على البعض الآخر، بطرائق مختلفة.

وتتداخل في أعمال الفنان ورور، الهيئات الإنسانيّة (كاملة أو مقطعة)، مع البيوت، والطبيعة الصامتة وأشكال ورموز أخرى كثيرة، لا تفصح دوماً عن ماهيتها. ولشدة ولعه باستخدام الرسم القوي.

والتلخيص الهندسي الصارم للهيئة الإنسانيّة، وإسهابه بتأكيد التباين بين الأطر التي تحتويها والمساحات الملونة، تبدو هذه الهيئة وكأنها مقصوصة من الكرتون، ومثبتة فوق سطح اللوحة، الأمر الذي يكرس سمة (الميكانيكيّة) في أعماله عموماً، ويقربها من فنون التصميم الغرافيكي، والرسوم المتحركة أو التوضيحيّة.

 

المجموعة الثالثة

يمعن الفنان ورور، في أعمال هذه المجموعة، بالتجريب والبحث عن الصيغة الأسلوبيّة الأمثل، لإخراج لوحته، فيقدم مراحل ولادة هذه اللوحة، بدءاً من الخطوط الأولى، وانتهاءً بوضع الألوان واللمسات الأخيرة. ثم يذهب ببعض أعمال هذه المجموعة، نحو حس زخرفي، وكذا حشد هيئاتي، وغياب ملامح وحدود هيئاته الإنسانيّة وأطرها، لتبدو مجرد إشارات غرافيكيّة متراصة.

وربما يلجأ إلى إغراقها بالنقاط والدوائر والنمنمات ( تارة بالأبيض والأسود والرمادي، وأخرى بالألوان)، ليضيع معها التكوين، فتتركز آخذةً سمة زخرفيّة لتعكس حالة من الضغط والإرهاصات التي تسكن الفنان، الأمر الذي يدفعه إلى البحث والتجريب، عن الصيغة الأمثل، لإخراجها وسكبها فوق البياض، وهو أمر يجافيه أحياناً كثيرة، ويوفق به أحايين قليلة.

وهذه الحالة من القلق، المتلبسة الفنان ورور، تُولد لديه رغبة عارمة بالتجديد الدائم، لكنه لا يتمكن (رغم اجتهاده وصدق مسعاه)، من الخروج عن الإطار العام لشخصيته الفنيّة التي باتت تمتلك ملامح ومقومات خاصة، سرعان ما تقود المتلقي إليه، من دون غيره، وهي شخصيّة تنهل من الفن الحديث، وتتقاطع مع تجارب فنيّة سوريّة وعالميّة معروفة، وهو أمر طبيعي، ينسحب، على عدة (إن لم نقل على جميع) التجارب الفنيّة التشكيليّة العربيّة المعاصرة. ولكن تجربة الفنان ورور، تسعى، بدأب واجتهاد، إلى التمايز. وهو أمر بات شاقاً وعسيراً، نتيجة كثرة المشتغلين في هذا الحقل، ومحدوديّة لغة التشكيل التي أنهكتها اللغات البصريّة الجديدة، وحدّت من طاقاتها ومهامها، ما جعل إمكانيّة الإضافة والتجديد محدودة وضيقة، على هذا الصعيد.

ألوان ساحرة وجميلة ومدروسة العلائق والدرجات والتوزيعات، تُطل من عدد من لوحات الفنان نصر ورور، إلا أن سمة الرسام (أو الغرافيكي) هي الطاغية على تجربته بشكل عام، ما يُؤكد أنه رسام في الدرجـــة الأولى، مولع بالتجريب التقاني، والدراسة العقليّة الصارمة، للمساحـــة التي يشتغل عليها، الأمر الذي يؤدي إلى غياب اللمسة التلقائيّة من أعماله، وافتقارها الشديد، إلى شيء من العفويّة، وهما خصيصتان ضروريتان للفن التشكيلي المعاصر، ولا سيما بعد سطوة التكنولوجيا على حياة الإنسان، وتغلغل قسوتها وبرودتها، في أحاسيسه.

وحصارها لروحه، ومهمة الفن الأولى اليوم، كشح هذه البرودة، والتخفيف من هذه القسوة. وتالياً توفير فضاءات رحبة لانطلاق الروح، وهو ما لم تتمكن لوحة الفنان ورور من القيام به، بشكله الصحيح، حتى اليوم، وذلك لأنها محكومة من العقل، أكثر من العاطفة!!