هذا المتحف جنون، يولد من كنف رواية :" متحف البراءة"، مثلما ولد في الوقت نفسه، من عقل مؤلفها أورهان باموق، الروائي التركي الحائز على جائزة نوبل للآداب2006، وولد كمتحف يأخذ شكل كتاب. هو جنون إذا، لكنه جنون الحب، الذي يجمع مجموعة من المتعلقات اليومية الموجودة في الكتاب.

والتي أصبحت منذ لحظة افتتاح المتحف أعمالا فنية. وهذه المتعلقات سرقها بطل الرواية، كامل، من منزل فوسون، ابنة العم التي كان يعشقها بعناد. وذلك الجنون الشامل تحول في يومنا هذا، إلى متحف مدهش، متحف للخيال على وجه الدقة.

 

في افتتاح " متحف البراءة "، لم يكن غريبا رؤية أورهان باموق وهو متعرق، عندما تصدى لمهمة تقديم شرح عن ملامح موجودات متحفه امام عشرات الصحافيين القادمين من مختلف بقاع الأرض، بدءا من جورجيا ووصولا إلى كوريا، والذين جاؤوا منجذبين بالقصة العاطفية التركية الغريبة، التي حولها الكاتب إلى أسطورة حول بلاده، على حد وصف مراسل صحيفة" الباييس" الاسبانية، وذلك في الوقت الذي كانت فيه مشاعر الفزع تتملك الناس، خوفا من عدة مسالك إنسانية تجري تحت جنح الظلام، أو من العسكريين.

لم يتعرق الكاتب لأن الحرارة هاجمته فقط، وهذا لا بسبب السلالم الحادة في هذه المدينة الحزينة والداعمة له في كل كتبه، وخاصة هذا الكتاب، بل انه تعرق لأن تلك كانت الخطوة الأخيرة في هذا المشروع الذي ولد عندما جال صاحبه أوروبا في مطلع تسعينيات القرن الماضي. ودخل كل ما استطاع من متاحف، وهنا سائل نفسه: " وأنا لماذا لا أعمل متحفا؟".

 

"الماضي ..حياة"

هذا هو المتحف، قريب من ساحة "تكزيم"، في حي كوكوركوما على الضفة الأوروبية للبوسفور، الذي تجري فيه أحداث رواياته والذي يتوقف فيه كثيرا حين يتحدث عن سيرته الذاتية. وتصوره سابقا وأثناء كتابة الرواية، حيث يقوم المتحف على عملية جمع منظمة للمتعلقات التي تمثل السنوات التي انقضت:"

الماضي، حياتي الخاصة، مضي الزمن، السنوات التي مرت"، وهي سنوات تبدأ من 1975 حتى 2000، وهي فترة زمنية طويلة لم تحلم تركيا خلالها بهذا البهاء البديع الذي تتمتع به في الوقت الحالي، والذي قال باموق إنه لم يعد يحكمه العسكريون الذين يخترقون الرواية عام 1980 عندما كان كامل يلعنهم، لأن الانقلاب العسكري الأخير منعه من البقاء لمزيد من الوقت، بالقرب من حبيبته فوسون.

بينما كان يكتب الرواية، كما يقول باموق نفسه، وعندما كان أكثر تعافيا من عرق السلالم ومن العرق الذي ظل يتصبب منه على طول هذا المشروع الغريب، راح يشتري من أسواق شعبية، ساعات وأحذية وصحون سجائر، اضافة الى الأكواب والكاسات والصور الفوتوغرافية.

وكذلك البدلة التي استخدمتها فوسون عندما كانت في طريقها إلى أن تعمل سائقة، بينما استكمل عملية الجمع العنيدة لعناصر من الحياة اليومية لتلك السنوات بمساعدة أصدقاء وأقارب، وحتى قراء، علموا بأن الكاتب بحاجة إلى تلك المواد بغرض وضعها في المتحف الذي يروي الآن قصة حب وتاريخ مدينة، وسط مشاعر الحزن التي تنتاب كامل ومحبوبته فوسون.

المتحف بمثابة قصة خبرية عن الدمار، محاكة بدقة من الناحية الشعورية، لكنه ليس دمار الحروب والكوارث بل دمار الحب الذي ينتهي إلى الجنون، حيث يقول باموق إن من يرى المتحف لا يعود لديه سبب لقراءة الرواية، كما يعتقد الكاتب أن الأمر نفسه يحدث في الحالة العكسية.

بينما المؤكد هو أنه إذا تجول المرء في الطبقات الثلاث التي يتكون منها المبنى الذي يحتضن " متحف البراءة" وكان قد قرأ صفحات الرواية الـ600، فإنه سيشعر بأن المشاعر والأحاسيس التي ينطوي عليها الكتاب ستعيد انتاج نفسها، ذلك أن الكتاب يعيد بدقة بناء اللحظات التي كان كامل سعيدا فيها.

وكذلك اللحظات الكثيرة التي كان فيها مستاء جدا، حاله في ذلك حال فوسون. ويسرد هذا:"هذه اللحظة الذهبية من السلام الروحي العميق، استحوذت علي مع أنها لا تدوم سوى بضع دقائق، لكن تراءى لي أن السعادة حولتها إلى ساعات، سنوات. في 26 مايو 1975، يوم الاثنين، مرت لحظة، حوالي الساعة الثالثة إلا ربعا...".. إذا

على هذا النحو كانت شاملة حالة الكفاح من أجل السعادة التي عاشها كامل، والذي يلتقي في النهاية مع باموق كي يقص عليه الحكاية التي بدأت ذاك اليوم قبل الساعة الثالثة بقرابة 15 دقيقة. ولتكليف الكاتب، تكريما لمعشوقه، بأن يبني بكل المتعلقات التي سرقها من بيت فوسون، متحفا من النوع الذي لا ينسى، متحف يمثل حصيلة اللحظات التي تظهر في الكتاب.

كما لو كان باموق مكلفا بأن يصل بتبعات الشخصية الخيالية إلى نهايتها المحتومة، ويتحول في الوقت نفسه إلى وريث لذلك الجنون عينه." لا، لست كامل، الآن وقد أصبحنا وحدنا يجب أن أقول لك اني لست ذلك الشخص".. قال باموق ساخرا أمام الحشود التي ذهبت لتستمتع إليه هناك، في المتحف، الذي يضم أغراضا كثيرة:" ساعات:( ذلك أنه متحف للزمن وللموت أيضا)، أجهزة تلفزيون:

( كانوا يشاهدون التلفزيون دائما، العاشق، فوسون، وعائلتها)، ملاعق كثيرة، بما في ذلك كوب عليه أثر من شفتي فوسون اللتين لا تزالان ترتعشان، الكثير من العناصر التي تلهم الرحلة أو الوداع، حتى أنه هناك لوحة ضخمة علقت عليها أعقاب السجائر الأربعة آلاف التي دخنتها العاشقة في حياتها، ضمن حبكة الرواية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو:

لماذا ليس ممنوعا إظهار أعقاب السجائر في المتاحف ودور السينما والمسارح في تركيا؟ "لا، إنه ممنوع بالفعل، لكن هذه ليست سجائر استهلكت، فقد انتزعنا منها التبغ وحولناها إلى أعقاب سجائر". هذا على حد تعبير الكاتب نفسه.

 

ابن الرواية

يتصف المتحف بالشمولية تماما مثل الرواية، ففي الطابق الأخير يشاهد السرير، الذي حرق فيه كامل أحلام حبه وسط جنون جامع اللحظات. وسألوا باموق إذا ما كان قد نام على ذلك السرير، حتى لو لم يكن كامل، أجاب: "نعم، عندما شعرت بتعب شديد استلقيت عليه، بينما كنا نعمل في المتحف.

كان حلما مصلحا للغاية. عند هذا الحد كان العرق قد زال عن جبينه، لكن أورهان باموق كان قد تعب من الأشخاص المدعين الراضين. والآن هي للمرة الاولى في التاريخ التي يحلم فيها ويتحقق ذلك الحلم، حيث أصبح من الممكن زيارة المتحف الحلم، " متحف البراءة" ، المتحف الأول الذي يولد من رواية أو العكس.

 

مؤسسة تتكلم عن الأفراد

نشر أورهان باموق مقالة، أخذت شكل بيان متواضع حول المتاحف تتعارض فكرته أو مجموعة الأفكار، فيه مع مفهوم المتاحف الكبرى وحكاياتها المهيبة عن الدول والأمم، حيث يقول " أحب المتاحف، ولست الوحيد الذي يجد أنها تجعلنا أسعد في كل يوم يمضي. آخذ المتاحف على محمل الجد كثيرا، وهذا يقود أحيانا إلى أفكار غاضبة وعدوانية، لكني لست شخصا بوسعه الحديث عنها بغضب. وعندما كنت طفلا في اسطنبول، كان هناك القليل منها، وغالبيتها كانت مجرد صروح تاريخية..

وقد تم الحفاظ عليها والمتاحف الأكثر غرابة خارج العالم الغربي كانت أمكنة بهواء يشبه هواء مكاتب الحكومة. وفي وقت لاحق، قادتني المتاحف الصغيرة في شوارع المدن الأوروبية، إلى إدراك واقع أن المتاحف حالها في ذلك حال الروايات، بوسعها الحديث عن الأفراد أيضا. هذا لا يعني التقليل من شأن : اللوفر، المتروبوليتان، قصر توبكابي، المتحف البريطاني أو متحف البرادو، فكلها كنوز للإنسانية.

لكني ضد أن تستخدم تلك المؤسسات الغنية الضخمة كنماذج تسير على خطاها متاحف مستقبلية". ويضيف باموق:" هذه المتاحف يتعين عليها أن تستكشف وتكتشف الكون وإنسانية الانسان القديم والحديث الناشئ خاصة لدى أمم غير غربية تصبح أكثر اقتدارا في كل مرة. فهدف المتاحف الكبرى ليس طيبا ولا بريئا".

 

رؤية وتوجهات وطروحات

يستعرض باموق أفكاره حول المتاحف موضحا أن المتاحف الوطنية الكبرى، مثل اللوفر والإرميتاج، أخذت شكلا وتحولت إلى وجهات سياحية رئيسية، بالتزامن مع فتح ابواب القصور الملكية والامبراطورية أمام الجمهور، إذ أصبحت هذه المؤسسات في يومنا هذا رموزا وطنية وقدمت حكاية أمة وروت تاريخها بوصفها أمرا أهم بكثير من الحكايات الفردية. وهذا مؤسف، لأن تاريخ الأفراد ملائم أكثر بكثير عندما يأتي بتعبيرات قادمة من أعماق إنسانيتنا.

ومن طروحات وافكار باوق بهذا الصدد:

مللنا من المتاحف التي تحاول تسليح القصص التاريخية لمجتمع أو أمة أو مجموعة أو شعب أو شركة أو نوع. فكلنا يعلم أن التأريخ لاحداث اليومية والعادية بالنسبة للأفراد أغنى وأكثر انسانية وبهجة من التأريخ بزجهة ثقافية ضخمة.

يرى باموق أنه من السهل رؤية تحويل القصور إلى متاحف وطنية وحكايات زمن ما، إلى روايات هي عمليات متوازية. الأزمان مثل المتاحف.

ويتحدث عن أفعال الملوك القدامى الذين عاشوا فيها . المتاحف الوطنية، بالتالي، يجب أن تكون كالروايات وهي ليست كذلك. ويعتقد الكاتب التركي أن إظهار ثروة التاريخ والثقافة الصينية والهندية والمكسيكية والإيرانية أو التركية، ليس مشكلة، بل من الضروري القيام بذلك بالطبع، لكن ليس من الصعب القيام به. التحدي الحقيقي يكمن في استخدام المتاحف لسرد قصص الناس الفرديين الذين عاشوا في تلك البلدان بالبريق والعمق والقوة نفسها.

 

 

 

 

نبذة

 

أورهان باموق، روائي تركي، فاز بجائزة نوبل للآداب 2006. من مواليد إسطنبول في 7 يونيو عام 1952، وهو ينتمي لأسرة تركية مثقفة. درس العمارة والصحافة قبل أن يتجه الى الأدب والكتابة. ويعد أحد أهم الكتاب المعاصرين في تركيا وترجمت أعماله إلى 34 لغة حتى الآن. وفي فبراير 2003 صرح باموق لمجلة سويسرية بأن "مليون أرمني و30 ألف كردي قتلوا على هذه الأرض، لكن لا أحد غيري يجرؤ على قول ذلك". وتمت ملاحقته قضائيا أمام القضاء التركي بسبب "إهانة الهوية التركية"، وشخصية مصطفى كمال أتاتورك.