تعد تجربة التشكيليّة التركية نيسيت اردوك، من الملامح البارزة في الفن التركي المعاصر، الممتد من عثمان حمدي إلى غونال. ويتسم أسلوبها بالواقعيّة التعبيريّة المختزلة والحيويّة.

وهو سهل ممتنع يقوم على عنصر أساس يتمثل في :(الإنسان)، والذي تقدمه ضمن حالات ووضعيات حياتيّة يوميّة، تعكس من خلالها، أزمته الشخصيّة والاجتماعيّة، بكثير من الجرأة والديناميكيّة، ويسعفها في ذلك، تمكنها الواضح من بنيته التشريحيّة السليمة، ومن الرسم والتلوين في آنٍ معاً. وهي، فعليا، رسامة ممتازة، وملوّنة من الطراز الرفيع، رغم أنها مقترة في استخدام درجات اللون القوية والمبهرة والدسمة.

 

لا تجهد الفنانة إردوك نفسها كثيراً، في البحث عن موضوعات لأعمالها، وإنما تأخذها مباشرة من الحياة اليوميّة: المنزل، وسائط النقل، الوضعيات المأزومة للإنسان المعاصر الذي تقدمه، في غالبية الحالات، عارياً، إلا من أزمته التي تتفنن في تصويرها، بوساطة جغرافيّة الجسد العاري المستلقي، أو المتجمع على بعضه، أو الذي يقوم بحركة بهلوانيّة، أو الجالس ضمن فراغ مدروس تسهب الفنانة في توزيع مكوناته البسيطة والقليلة (كرسي، مقعد، سرير، لعبة، قطة، خزانة قديمة، صندوق خشبي).

وتقلل ما أمكن من الألوان المستخدمة في تجسديها، وهي ألوان في الغالب، شفيفة موزعة بمهارة على العناصر التي تأتي في مقدمتها (الهيئة الإنسانيّة) التي تتقن معالجتها (كالوجه والملامح والأطراف والوضعيّة)، بحيث يمكننا القول، ان هذه الهيئة، هي العنصر التشكيلي والتعبيري الرئيس في لوحتها.

 

واقعية صحية

الفنانة إردوك شغوفة بمعالجة الجسد الإنساني. ولكونها متمكنة من تضاريسه ونسبه الواقعيّة الصحيحة، تبرع في معالجة الأيدي والأرجل وملامح الوجه وعناصره المتبقية، بحيث تستنهض منها ومن خلالها، الجانب الأكبر من موضوعات لوحاتها المتمحورة حول الإنسان المعاصر وشعوره الطاغي بالفراغ الروحي، وسطوة العادة والتعود على حياته.

وتستمتع الفنانة، وإلى حد بعيد، في إعمال ريشتها في جغرافيّة الجسد الإنساني، مؤكدة على بروزات العظام عبر الجلد، وحركة الأيدي والأصابع والأرجل، وطريقة تموضعها، وعلى تلال هذا الجسد ومنخفضاته ووهاده، وهو لديها، ضامر، مأزوم. ويعاني من خواء كبير، روحاً وشكلاً.

وبمعنى آخر، تعتمد الفنانة (إردوك) الجسد الإنساني، ليكون المفردة الرئيسة للتعبير عن فكرتها، وتسخر باقي العناصر لخدمته وتأكيده وإبرازه. و

من ذلك، تنويعها في طرائق تقديمه، والأمكنة التي تضعه فيها. فهو مستلق على شراشف بألوان متضادة، أو جالس على كرسي غامق، أو فوق مقعد، أو متكوم على بعضه البعض في فراغ داكن، أو مرمي على خلفية بالكاد تفصح عن موجوداتها. وهو إما وحيداً، مع هذه الأشياء، أو مع قطة في وضعية الحركة والانقضاض، تلونها كما الطفل، بالألوان التي تريد.

 

مهارة وخبرة

تنم لوحة إردوك، عن خبرة ومهارة وموهبة كبيرة، في التعاطي مع الخط (الرسم) واللون، ومع عملية توزيع عناصر لوحتها ضمن معمارها (التكوين). وهي في غالبيتها ، تعتمد على الألوان الشفيفة والصريحة المشوبة بحس (غرافيكي). بمعنى أنها تمنح المساحة اللونيّة حساً خاصاً، وكأنها تبدو بهذا، قادمة من حقول الحفر والطباعة. والشيء الآخر اللافت في تجربتها، توزيعها المدهش، للدرجات اللونيّة.

ومهارتها الكبيرة، في تأكيد تبايناتها، رغم عدم استخدامها للكثير منها. فهي قد تكتفي بمساحة لونيّة صغيرة (أو عدة بقع) حارة، لتشعل كامل عمارة اللوحة المشكلة من الألوان الباردة، وذلك عندما تلجأ إلى إطفاء الألوان الأخرى، وتدرجها بين الأبيض والأسود ومشتقاتهما من الرماديات، وبالتالي إضاءة هذه البقع الصغيرة الباردة المتناثرة، بألوان حارة.

والعكس صحيح أيضاً. تنحاز الفنانة إردوك، كلياً، إلى نوع من الواقعيّة المبسطة، المعجونة بحس تعبيري رفيع تارة، وبحس سوريالي مدهش تارةً أخرى، لذلك فهي واقعيّة وتعبيريّة، وسورياليّة، وتملك خبرة عميقة، في التعامل مع أدوات تعبيرها، ما يؤكد أننا أمام فنانة كبيرة، امتلكت الموهبة الحقيقيّة، وامتلكت خبرة تجسيد هذه الموهية، في منجز بصري سليم في لغته الفنيّة، وحميمي، صادق، ديناميكي، في الموضوعات التي تعالجها.

 

أفكار وقناعات

تقوم الفنانة إردوك منذ العام 1972، بالتدريس الجامعي. وهي تنصح الفنانين الشباب، بعدم تضييع الوقت، بل بالانكباب على الرسم، ومشاهدة الأعمال الفنيّة، والتأمل في الطبيعة واستلهامها، وعدم اللجوء إلى نسخ اللوحات. وهي متفائلة بالجيل الجديد من الفنانين التشكيليين الأتراك، مثل: توران أمين، زينب أوزدمير، هيل ان اسيك، أجان خيري. وذلك مع إقرارها منها بأن هذا الجيل، لا بد وأنه يعاني من مشاكل عرض أعماله وتسويقها، ولكنه قادر على تجاوزها، سيما وأن لديه مصادر كثيرة للحصول على المعلومات، ما يجعله أكثر حظاً من سابقيه.

وكغيرها من الفنانين التشكيليين في العالم، تأثرت وشغفت الفنانة إردوك بعدد من الفنانين، أمثال: مودلياني، ماتيس، هنري تولوز لوتريك، ديغا، غويا، فلاسكيز . وهي تتفق مع الفنان الإيرلندي فرانسيس بيكون، بأن الفن التجريدي قد يخلق المزيد من الأحاسيس، لكنها أحاسيس غير فعّالة. وتؤكد أن الفنان بحاجة ماسة إلى الوحدة ليتمكن من التأمل العميق فيما يحيط به.

وعلى كل فنان أن يحصر تفكيره في ناحية ما، لكي يسبر أغوارها، ويلتقط روحها، ومن ثم التعبير عنها بعمق. والحياة برأيها، مليئة بالموضوعات المحرضة لإبداع الفنان. وتسوق مثالاً على ذلك، فقدانها لأخيها الصغير، ومحاولتها الدائمة استرجاعه بالفن ومن خلاله، الأمر الذي جعلها تشعر أنه لا يزال على قيد الحياة.

وتشدد الفنانة إردوك، على أن الانطلاق من المحليّة ضروري للفنان. فكل إنسان لديه جغرافيّة وثقافة خاصة، ومنها يجب أن ينطلق إلى العالميّة، لكن العالميّة لا يجب أن تلغي المحليّة. بمعنى أنه على المتلقي أن يدرك تماماً، وبمجرد رؤيته للوحة، من أي بلد جاءت.

وبذا، على الفنان ألا يقلل من قيمته، وقيمة البلد الذي يمثله، وترى أنه من الضروري، تقديم الفانين الشباب للمتلقي خارج تركيا وداخلها، وعملية تسويق الفنان، أصبحت اليوم صناعة قائمة بذاتها، والأفضل أن تكون هذه العمليّة جماعيّة وليست فرديّة.

أما بالنسبة للمتلقي المحلي، فيجب، برأيها، تربيته فنياً، والتوسع بنشر الثقافة البصريّة بين الناس، من أجل تقريب الفن المعاصر لمداركهم وأذواقهم. وأما بالنسبة لها، فتقول إردوك، إنها تلقت أكثر من دعوة لعرض أعمالها في ألمانيا، لكنها أصرت على الداعين كي يأتوا ويروا أعمالها في بلدها الضارب بجذوره في التاريخ البعيد، مع إيمانها بأن الحداثة تعتبر من الوسائل الحاسمة في رؤية الأشياء.

وهي لا تنكر أنها رسمت لنفسها، ولكنها رسمت أيضاً لبلدها الذي تنتمي إليه، خلافاً لما قامت به فريدا كالو. وتؤكد أنها ضد التمييز بين فن الرجل وفن المرأة، فهما على قدم المساواة، أو يجب أن يكون الوضع هكذا، وترى أن الزواج قد يكون عائقاً أمام إبداع الفنانة، لكن الأمر شخصي جداً، ويختلف من فنان إلى آخر.

وحول وجود القط في غالبية لوحاتها، فتشير إلى أنها عملية تحمله جملة من المعاني والرموز ذات المغزى، منها: النشاط، المرونة، الحركة، الحيويّة، التنقل. وهي شخصيا، تحب القطط، والقط في لوحاتها هو لها، ويمثل حالة روحيّة حرة وأنانيّة، مستدركة أن على الفنان أن يكون أنانياً أحياناً، وسمات القط والفنان، كثيراً ما تتماهى وتتفق.

 

شرق الإبداع

الفنانة إردوك على ثقة تامة، ان الشرق هو مكن روح الإبداع، فهو يجمع القديم والجديد، ولا أحد يستطيع تذويب القديم أو إلغائه، فالناس، من وجهة نظرها، لا تغيّر من أجل التغيير فقط. وتسوق على ذلك مثال الفن الرقمي الذي بات وسيلة منتشرة لدى عدد كبير من الفنانين المعاصرين.

وتلفت هنا إلى أنها لا تحبذ هذا الفن، ولا تفكر يوماً باستبدال اللوحة التقليديّة به، فهذه اللوحة لن تموت أبداً، موضحة أن الفن الرقمي بحاجة إلى مدونات طويلة لتوضيح فكرته (هذا إن كانت لديه فكرة). وشخصياً، تفضل لوحة الألوان، حيث الأسلوب أكثر أهمية وفعاليّة وديمومة.