تتعرض تصاميم المعماري الشهير فرانك جيري، المبدع الذي صمم متحف غوغنهايم، في بلباو بإسبانيا، لحملة انتقادات عنيفة في الآونة الأخيرة، إذ لا يتردد البعض في وصفها بالبهرجة والإسراف وعدم الاستدامة، وجيري المشهور بمبانيه وصروحه الرمزية اللافتة للنظر، يصف منتقديه بالمعاصرين الباردين، مدافعا عن ما يصفه بـ "التعبير" في العمارة، ومؤكدا حاجة الناس إليها.
وهو يرفض المزاعم التي ترى في تحفته الفنية: متحف غوغنهايم، في بلباو، عمارة تهتم بروعتها وفخامتها، أكثر من كونها مكانا مناسبا للأعمال، موضحاً ان أعماله تستجيب للأماكن التي هي فيها.
يشير فرانك جيري، في سياق رده على الانتقادات الموجهة إليه في هذا الصدد، إلى أن الهندسة المعمارية تتعلق في المقام الأول، بالعلاقة بين الناس الذين يقيمون المباني والذين يستخدمونها. وحسب بعض النقاد المعماريين، فإن نهجه هذا، عندما ينجح، يأتي بعمارة تأسر الألباب بحسب بعض النقاد .
أصل و10 آلاف مقلد
ترى صحيفة ال"أوبزرفر" البريطانية، في حوار مطول أجرته معه، أخيرا، أنه إذا كان هناك مهندسون معماريون يعدون أيقونات في مجالهم، فإن فرانك جيري، البالغ من العمر 82 عاما، يعد أيقونة العمارة الحديثة ونموذج صروحها الرمزية اللافتة للنظر. فهو مبدع متحف غوغنهايم في بلباو بإسبانيا، المكسو بالتيتانيوم، وقد شيد الأصل الذي أصبح له 10 آلاف من المقلدين، ويعتبر عماد الفكرة التي تقول إن العبقرية في العمارة، في صنع الشكل المشهدي المذهل، علماً انه ربما لا يرضى بهذا الوصف.
وهذه الفكرة كانت قد أطلقت ردود فعل عنيفة في الوسط المعماري، في الآونة الأخيرة، حيث أصبح ينظر إلى الأعمال التي صممها جيري، باعتبارها مسرفة وغير قابلة للاستدامة، وتهدف إلى تقديم مظهر العظمة والازدهار، فقط لا غير. وهذا التغيير في أهواء الانتقاد، لا يشكل قلقا لجيري، الذي ذاعت شهرته في أرجاء المعمورة، وحيث أسلوبه واسمه يستغلان الآن كشعارات أو علامات مميزة للدعاية، فالبرج الذي أبدعه : «سبرو ستريت» يجري تسويقه تحت عنوان "نيويورك من قبل جيري"، لإعطاء المدينة وعمارتها علامة تجارية.
وكان قد افتتح أخيرا مركز «سغنتشر ثياتر»، في نيويورك كواحد من جملة مشاريع له، في مدينة كانت قد لفظته وقاطعته في السابق. كما أكمل في وقت سابق، مركز "نيو وورلد سيمفوني"، وهو عبارة عن فضاءات للتمثيل والبروفات في ميامي. وأنهى أيضا أول «ناطحة سحاب»، في شارع سبروس في مانهاتن الأدنى. وهناك متحف غوغنهايم الذي يجري تنفيذه في جزيرة السعديات في أبو ظبي، الذي سيكون حجمه ضعف حجم المتحف في بلباو.
يخوض جيري، حاليا، معركة من نوع آخر في أميركا، إذ أثار اقتراحه، إقامة نصب تذكاري للرئيس الأميركي الأسبق أيزنهاور في واشنطن، غضب بعض أقارب الرئيس/ الجنرال، الذين لم تعجبهم رغبة جيري، بإقامة نصب للرئيس، يظهره طفلا عاري القدمين، من مقاطعة كانساس، ذلك بدلا من كونه رئيسيا في عز أبهته الكاملة ونجاحه.
تنقل صحيفة "أوبزرفر" عن فرانك جيري قوله في معرض دفاعه عن تصاميمه: "هناك رد فعل عنيف ضدي، وضد كل من شيد عمارة فيها حركة وإحساس". وهو يرى أن «التعبير» أمر ضروري، ويقول هنا: «معظم مدننا التي بنيت منذ الحرب العالمية الثانية، هي من طراز العمارة الباردة غير المحفزة للمشاعر، والتي تفتقر إلى نكهة مميزة». ونجده يصف من يدعو إلى العودة إلى تلك العمارة، بأنهم، معاصرون باردون، يريدون من المعماريين العودة إلى تلك الأجواء.
«حائط ستائر»
وهو يرى في المقابل، أشخاصا في المجتمع يريدون المزيد من المباني التي تحفز التعبير للتواصل معها، وهم يسعون وراء فنانين، أصبحوا فاحشي الثراء، لديهم المال والمعرفة والموهبة، لبناء مبان ضخمة. والفنانون في تلك العمارة، يكلفون ببناء هياكل عامة، تخاطب الاحتياجات التي لا يقوم المعماريون بتلبيتها. قائلا: «إذا كان هناك فراغ فإنهم يملؤونه». وهو لا يواجه مشكلة مع الفنانين الذين يلعبون هذا الدور، كما كان يحصل في المشاريع التي كان ينفذها مع النحات كلايس أولدنبرغ.
ويستفيض جيري في الدفاع عن ما يسميه "التعبير": إنه ليس من الضروري أن يكون مكلفا". ويؤكد أن المباني التي شيدها كلها، كانت في اطار الميزانية، وبنظام تسليم رائع. وهو يعطي مثالا لذلك برج "سبروس ستريت" الذي يحتوي في مظهره الخارجي على الصلب غير القابل للصدأ المموج.
والذي يعطي انطباعا بأنه باهظ الثمن، لكن جيري يقول، إنه لا يكلف أكثر من حائط ستائر عادي. وتحقيق ذلك تم بالعمل مع المصنع واختبار الخيارات مرات عدة، بغرض خفض الهدر وكلفة تصليح الأخطاء، التي غالبا ما تشكل نسبة كبيرة من ميزانيات البناء. وعندما يشار إليه بأن هذه التموجات تبدو تزيينا لا مبرر له، يبادر جيري إلى القول: «بل إنها هادفة، وهي عبارة عن نوافذ ناتئة من الجدار الخارجي للمبنى، وتشكل تجويفا في الداخل.. كما ان حوالي 10بالمئة من هذا العمل، يذهب إلى التزيين».
وهو يسخر من فكرة أن عمارته غير قابلة للاستدامة، مشددا على أن شركته كانت منخرطة في قضايا البيئة لأكثر من 40 عاما. ولدى جيري شركة خاصة. تحت اسم جيري تكنولوجيز لبيع خبرته في تصاميم وقوالب الكمبيوتر لمعماريين آخرين، ويستخدم أيضا اختراعات الغير، مثل : «آي كريت» أو «إنتليجنت كونكريت» التي هي نسخة من مواد بناء يجري احتسابها على الحاسوب، لتحقيق مواصفات مثالية. ما يوفر من الهدر والمال ويخفض انبعاثات الكربون.
يحرص جيري على دحض فكرة أنه فنان منغمس في أهوائه، كما كان يظن والداه. ويقول عنهما: "عندما كنت فتى، لم يكن أبي يعلق آمالاً كبيرة علي. فلقد اعتقد إنني من ذوي الطبع الحالم، ولم يظن أنني سأتمكن من الوصول إلى أي شيء. ووالدتي أيضا. وكما تعلم كل الأهل يفعلون ذلك مع أولادهم، لكن في ذلك الوقت، كانوا يعبرون عن قلقهم، أكثر مما نفعل نحن الآن".