"شعرت بأنني شاهدت الكمال، وكانت تعصف برأسي أنغام موسيقى حزينة". هكذا وصف الناقد التشكيلي، جون غولدينغ في مقال مطول نشرته صحيفة "نيويورك ريفيو أوف بوكس"، مشاعره، بعد مشاهدته معرضين للرسام الفرنسي جان أنطوان واتو، في لندن أخيراً. وكان الأول لرسومات للفنان يطغى عليها الرسم الطباشيري في الأكاديمية الملكية للفنون، والآخر للوحاته الزيتية في متحف مجموعة "والاس".
ضم معرض جان انطوان واتو، الذي اقيم في الأكاديمية الملكية للفنون، اخيرا، أهم رسوماته التي كانت متفوقة على لوحاته في عصره. وتصف صحيفة "نيويورك ريفيو أوف بوكس" المعرض: "عند مدخل المعرض، يوجد رسمان في شكل أفقي للرسام، الأول يصور شخصيات من المسرح، ذلك أن واتو كان شغوفا بالفنون المسرحية، لاسيما الكوميديا، وبدا انه كان يتماهى خصيصا مع شخصية "جيل" المهرج الفلسفي الحزين. والرسم الثاني، يصور صالون حلاقة يبدو محاطا بستارتين، ما يشير إلى موقع المسرح في فنه.
وربما يعود تاريخه إلى عام 1715. وكل الرسومات مصورة بالطباشير بألوانه الثلاثة، الأحمر الفينيسي والأسود والأبيض، ذلك لإبراز أهم ملامح اللوحة، وعندما يجري استخدام احد الألوان دون غيره، فاللون الأحمر هو الطاغي، أما رسمها، فيمتاز بالجرأة، وهو رسم تقريبي تم إنجازه على عجل".
مشاهد وانعكاسات
ترى الصحيفة، أن هذا المعرض يبرز اهتمام واتو بالزي العسكري والألبسة التي تشير إلى المكانة الاجتماعية وموضة الأزياء. فإحدى الرسومات الحمراء هي لمتجر ستائر، وهذه الرسمة أيضا تم تنفيذها بضربات سريعة دون الاهتمام بالتفاصيل، وهي تصور الزبائن وهم يختارون الأقمشة، لكن رسومات لاحقة تم تصويرها بعناية ودقة كبيرين، تصور ما تم شراؤه، حيث يبدو رجال يتبخترون عارضين ملابسهم الأنيقة، وعلى رؤوسهم قبعات ثلاثية الزوايا.
وهناك مجموعة أخرى من الرسومات، إحداها تصور شخصيات بارزة من التابعية الفارسية، وهذه من الرسومات القليلة المؤرخة. ففي فبراير 1715 وصل وفد من بلاد فارس إلى باريس لتكريم لويس الرابع عشر الذي كان، انذاك، يحتضر على فراش الموت، إذ توفي في الأول من سبتمبر من السنة نفسها. وسبب وصوله نوعا من الضجة والإثارة، ولقد ذهل على ما يبدو، واتو بروعة الملابس، وقد رسم وجهي رجلين وغطاءي رأسيهما، وأحدهما يعتمر عمامة كبيرة والأخر قبعة من الفرو.
شعور بالشجن
يشير الناقد التشكيلي جون غولدينغ، في حديثه عن أعمال ورسومات واتو، إلى سمة فريدة فهو غالبا ما أجلس عارضاته وظهورهن مدارة إليه، ومع ذلك تمكن من تمييزهن. وهذا ينطبق خصيصا على عارضاته، أما شخصيات الرجال في رسوماته، فإنها تبدو نمطية. ويعتقد أن واتو حمل معه خزانة ملابس لعارضاته، مثل رامبرانت. وانه قد يكون صمم الأزياء بنفسه.
فقد كانت تلك الفترة، مرحلة آخر صيحات الموضة، ولقد تمكنت النساء في لوحاته من إظهار أناقة عظيمة بإحساس من البساطة، مما يستحضر بالمقارنة زي الإغريق من العصور القديمة. أما عارضو واتو من الرجال، فغالبا ما جرى رسمهم ب"الطبشور" الاحمر، وهم يعزفون على الآلات الموسيقية أو يقفون أو يسيرون، متباهين بأناقتهم ذات الأطراف الطويلة.
وتعد أجمل رسمة من تلك الرسومات، تلك التي تظهر رؤوس النساء بزوايا مختلفة قليلا، ذلك أن واتو كان متمكنا من التقاط الإيماءات بأدق تفاصيلها، فزوايا العنق وانحناءات المعصم وانخفاض النظرات، يمكنها أن تحكي قصصا، ومعظم النساء في لوحاته يعتمرن قبعات بشكل لا يخفي وجههن.
ومظهرهن لا يدل على غنج أو دلال. وما يرفع رسومات واتو عن كونها فقط زخرفة جميلة، ليس اهتمامه بالشخصية فحسب، وإنما واقع ان في فنه هناك ذاك شعور بالشجن الخفيف، فإذا كان واتو مهووسا بالجمال، فإنه مهووس أيضا بسرعة زواله، ربما لأنه كان يدرك انه لن يعيش طويلا.
متحف مجموعة "والاس"
وبالنسبة للوحات الزيتية الثماني لواتو، المعروضة في متحف مجموعة والاس، فجمعها أعضاء من عائلة هرتفورد (ماركيز كان يهتم بجمع التحف)، بدءا من عام 1846. وتشير صحيفة "نيويورك تايمز ريفيو أوف بوكس"، إلى أن هناك لوحتين أساسيتين لواتو في هذا المعرض، هما لوحة "الصعود إلى سيثرا" الأصلية، واللوحة الكبيرة من جزأين، المعلقة خارج مؤسسة "غرسانت" لتاجر القطع الفنية في برلين، وهذه الأخيرة تعتبر اللوحة الوحيدة التي يمكن إعطاؤها تاريخا محددا، وهو عام 1720، وتصور المتجر الذي هي معلقة فوقه.
ويظهر في أنحائه، أعضاء من مجتمع الأزياء من الجنسين، يتفحصون ما يقدمه التاجر إليهم، وهم إما واقفون أو جالسون داخل اللوحة بشكل أفقي. ولاحقا، أصبحت هذه اللوحة اشهر أعماله في ذاك الوقت، حيث يوجد في الجانب الأيسر للوحة حمال يضع لوحة للويس الرابع عشر في قفص وهو الذي توفي قبل رسم اللوحة بخمس سنوات. أما "الصعود إلى سيثرا"، فإنها احدى اكثر الرسومات تفصيلا من مجموعة واتو.
وموقع اللوحة هو على تل منخفض ينحدر إلى البحر وشخصياتها منقسمة إلى مجموعات تنتقل تدريجيا نزولا من اليسار إلى اليمين، حيث يصغر حجم هذه الشخصيات قليلا ، تناسقا مع المشهد، وألوان اللوحة غنية لكنها مكتومة وتشع بوهج ذهبي.
أما اللوحة الأولى المعروضة في المتحف باسم "هل تريدون أن تفوزوا على الحسناوات؟"، فإنها عبارة عن سبع شخصيات موجودة في بستان، ربما وضع عنوانها أحد التجار، لأن واتو، حسبما هو معروف، لم يوقع أو يؤرخ أيا من لوحاته. وما يميز اللوحة تكوينها العمودي الشكل، ويعد هذا أمراً نادراً في فن النزهات بحسب الناقد التشكيلي جون غولدينغ، فالأزواج يحتلون مركز اللوحة، وهناك تمثال لرأس رجل واقـــف وراءهـــم وفوقهم مما يقود العين آليا للنظر إلى الأسفل، وهذا الأسلوب لطالما استخدمه واتو لإعطاء لوحاته عمقا نفسيا.
ويوجد لوحة أخرى باسم "تحت زي مزتين"، وهي داكنة اللون، وتطغى عليها شخصية من فن المسرح الكوميدي، والشخص فيها يرتدي لباسا ابيض، مثل شخصية "جيل" أو "بنطلون". ثم هناك لوحة لفيت جالانت "الحفل الرائع" في لوحة طبيعية مشجرة.
ويعلق الناقد التشكيلي جون غولدينغ على هذا النوع من اللوحات، فموضحا أنه عندما يتجول في الحدائق الواسعة لقصر فرساي، بممراته المصفوفة بالأشجار والمزدانة بالنوافير والمزخرفة بالتماثيل العارية أو المكشوفة نسبيا، يتوقع أن يقابل احدى لوحات واتو عند كل زاوية أو منعطف.
ويرى أن إحدى الصور الأخيرة المنسوخة في كاتالوغ المعرض، هي للرسام مانيه، بعنوان :"غذاء على العشب"ـ وكان رسمها عام 1863، وتمثل بداية الحداثة الفرنسية، وهي تبقى من حيث موضوعها، ذات صلة بأعمال واتو.
وكان ينظر الى واتو، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، في فرنسا، على أنه أعظم فنان في عصره، لكن سمعته تعثرت، ومن ثم عادت لترتفع مجدداً إلى الأعلى. وتبقى رسوماته من فئة خاصة بها، ويفترض أن يحظى بمكانته كأحد الرسامين العظام في العالم.
رحيل مبكر
إن اللافت في تجربة وحياة جان أنطوان واتو، والذي يعد الرسام الفرنسي الأشهر في عصره، انه لا يُعرف عن حياته إلا القليل، وهو ولد في فالنسيان، وربما عام 1684 أو 1685، لعائلة متواضعة، ولم يكن صاحب علم رفيع. ولكنه وسع قراءاته واصبح واسع الاطلاع. ووصل إلى باريس عام 1702، ومن ثم سعى إلى تحويل نفسه، لفنان من نمط جديد، رافضا حياة البذخ في بلاط الملك لويس الرابع عشر.
وقد عمل فترة محددة، عند تاجر أعمال فنية، حيث صنع نسخاً لأحد أعمال جيرارد دو، ثم انتقل الى العمل في استديو "كلود اودران الثالث"، رسام الزخرفة المشهور، إذ أصبح رئيس القيمين على قصر لوكسمبورغ الذي يحوي المجموعة الشهيرة للرسام روبنز "حياة ماري دى مديتشي".
ورسم واتو منها. وتم قبول انتسابه إلى الأكاديمية الملكية للرسم والنحت عام 1712، واللوحة التي قبل على أساسها تدعى "الصعود إلى سيثرا"، وترى صحيفة "نيويورك ريفيو أوف بوكس" ان مجرد تفكير الأكاديمية بصنف جديد في الرسم لتضم واتو إليها، يشهد على أصالة هذا الفنان. وكان من المرشحين لتلقي إحدى الجوائز المعروضة ضمن "جائزة روما" في عام 1717.
شاهد على فن عظيم
وقد تمكن في باريس من أن يشهد على فن عظيم، المجموعات الملكية الرائعة في باريس وحولها، والتي يوجد معظمها الآن في متحف اللوفر. ولقد زار لندن في أواخر عام 1719 لاستشارة طبية، حيث كان يعاني من مرض السل. وتوفي عن عمر يناهز ال37 عاما.