هل بلغت الحركة المسرحية في البلدان العربية حداً من التطور يجعلها تستغني عن مهمة الدراماتورغ؟ أم أن المسألة مرتبطة بعدم توافر الكثير من المتخصصين في هذا الميدان الحساس؟ أم أن لها علاقة بعدم استيعاب ماهية هذا المصطلح وما يترتب عليه من ضرورات يتطلبها الفضاء الدرامي لأي عمل مسرحي؟

لو أخذنا أي (بروشور) لأي عرض في مهرجان مسرحي عربي، أو من خارج المهرجانات، ونظرنا إلى قائمة المشتغلين فيه، فسنجده خاليا من اسم الدراماتورغ، فلماذا يغيب هذا الاختصاص الرفيع عن قائمة المشتغلين في الفرجة المسرحية؟

"مسارات" التقى عددا من الفنانين والمشتغلين في المسرح، واستطلع آراءهم حول اختصاص الدراماتورغ الذي بلغ من الأهمية بمكان، إلى درجة أن الشخص الذي يقوم بهذه المهمة المحورية يلقب بفيلسوف العرض المسرحي، الذي، وإن تباينت، بعض الشيء، الآراء حول المهام التي يتعين عليه القيام بها، إلا أن ثمة إجماعاً على ضرورة سد ثغرة غياب هذه الوظيفة عن فضاء المسرح في البلدان العربية.

تركيبة النص

المخرجة والممثلة المسرحية المغربية لطيفة أحرار قالت إن (الدراماتورغ عند الألمان هو المخرج، بينما في الثقافة الفرانكفونية هو الذي يشتغل على النص من الناحية اللغوية والدرامية، ومن هنا جاء مصطلح الدراماتورغيا، أما بالنسبة لي، فإن هناك نصوصا أقوم بوظيفة الدراماتورغ بنفسي فيها، لأن دراساتي كانت دراماتورغية أيضا.

لكن ثمة نصوصا أخرى أحتاج فيها إلى عين دراماتورغ يشتغل على حقل السيمانتيك، أو الحقل السيميائي للنص الدرامي بأبعاده الشعرية، وذلك لأني أنا أشتغل كثيرا على العروض التي ليست منفتحة كنصوص مسرحية فقط، وإنما هي منفتحة على نصوص مسرحية أخرى مرتجلة. وهنا أشتغل مع الدراماتورغ.

وقد تكون هناك نصوص جاهزة ولكن من صنف آخر، أما النصوص المسرحية العادية، فأنا أشتغل فيها دراماتورغا، فقد اشتغلت في نص الضنحاني على الكولاج والمونتاج ما بين اللغات، أما في نص "العازفة" للدكتورة ملحة عبد الله، فقد اشتغلت على تكسير النص وهدمه وإعادة بنائه من جديد، فأصبح أوله في آخره ووسطه في أوله، وهكذا دواليك. أي ان ثمة اشتغالاً من داخل النص على تركيبة النص نفسه.

بالطبع إن المهنة المسرحية متعددة الواجهات، فإلى جانب السينوغرافيا والممثل والمخرج والأدوات المهمة في التركيبة المسرحية، وفي الفضاء المسرحي كرؤية وكفرجة، فإن الدراماتورغ حاضر أيضا على لسان النص الذي ربما يتجاوزه أحياناً.

 إعادة صياغة

من جانبه، يرى المسرحي التونسي المنجي الابراهيمي أن قضية الدراماتورغ في تعاملنا المسرحي العربي، تنطوي على اختلافات عدة فيما يخص الدراماتورغ، فأحيانا نفهم هذا المصطلح على أساس الكاتب بحكم الترجمة القادمة من الألمانية والفرنسية، حيث يمكن أن يأخذ الدراماتورغ النص ويعيد صياغته، وهذا أقرب إلى حيز الواقع.

حيث نقف أمام شخص مبدع ومختص في تناول العرض المسرحي، ويتعامل مع هذا النص بصياغة جديدة، أي أنه يعيد النظر في تركيبة النص على ضوء حاجيات مشروع العمل الذي سيقدمه للناس، وهذا يعني أن هناك ضرورة متعلقة بمحيط النص واللغة والممثلين والفرقة المسرحية نفسها.

والأسلوب المعتاد عليه، إلى غير ذلك من عناصر الفرجة المسرحية، ولذلك لا بد من وجود شخص قادر على تناول هذا العمل من وجهة نظر كل هذه المعطيات، وفي أغلب الأحيان، يكون مخرج العمل، الذي ينسق كامل مفردات العمل، هو الذي يتولى هذه العملية.

وهذا ما يحدث في المسرح التونسي، وأنا شخصياً تناولت مرات عديدة، نصوصاً عالمية وحتى عربية، حيث تدفعك النواحي الفنية إلى إعادة النظر في صياغة الكتابة نفسها، والتي هي ربما تكون كتابة أدبية مطولة، وربما تكون مكتوبة بأسلوب ما لا يتوافق مع اللغة البصرية، لكن لا تغيير في النص في نهاية المطاف.

حيث تتعلق المسألة بالأسلوب العام الذي يستجيب للمتطلبات الفنية للعرض الذي يتم إدخال هذه التغييرات عليه، إذ يمكن أن تنتقل المشاهد التي في البداية إلى الوسط، أو أن تصبح المشاهد الأخيرة في البداية وهكذا، أي أننا أمام إعادة تركيب النص أو حتى تقليص بعض الجوانب فيه، نظراً لمتطلبات العرض، أي تكييف النص خدمة للعملية الفنية الإخراجية، لأن هناك أشياء لا تتماشى مع الممثلين أحيانا.

حيث تجد حوارات ثقيلة في بعض المرات والدراماتورغ يعمل على تخفيفها حتى تكون سلسلة عند الممثل وعند المتلقي. وهو اختصاص جميل ولا أعتقد أنه سيزول. المشكلة تكمن في قلة المتخصصين في هذا الميدان في العالم العربي، حيث يقوم المخرج بهذه المهمة عادة.

لكن هذا لا يعني عدم إمكانية استدعاء الدراماتورغ، وأنا شخصياً قمت بذلك عندما كنت بصدد إعداد نص مسرحي من اليونان القديمة. وهو نص (ميديا)، وهو ما تطلب تقسيم ميديا إلى اثنين وإعداد حوار بين اثنين، وهذا يحتاج إلى صياغة على مستوى تكييف جمل النص وجعلها سلسلة وفي متناول الممثل والناس.

ولإنجاز هذا الجانب من العمل، استعنت بدراماتورغ أو كاتب مسرحي اسمه سمير العيادي، حيث قمت بإعداد الصيغة الأولى للنص. وفي المراجعة احتجت إلى هذا الشخص، كي يساعدني على ربط وتدقيق الجمل.

حاجة

الممثل والمخرج العراقي الشاب أزل يحيى إدريس، الذي رأيناه في عرض (إلى بغداد) في الدورة الخامسة لمهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما، أعرب عن أسفه حيال افتقار العمل المسرحي في العالم العربي للدراماتورغ، وقال إنه تعلم اختصاص الدراماتورغ وآليات عمله عندما وصل إلى أوروبا، ويرى أن الوسط المسرحي يفتقد الدراماتورغ. ويعتمد بشكل كامل على مساعد المخرج والمساعدين الآخرين على الخشبة، على حد تعبير إدريس، الذي أضاف:

(نحن نتجاهل الدراماتورغ مع أنه يعتبر الخط الدرامي للعمل ويساهم في الوقت نفسه في بناء هذا الخط من البداية إلى الوسط، ثم إلى النهاية، في حين ان أكثر من يشتغل على هذا الاختصاص في المسرح العربي هم الكتاب والمخرجون ولا نستعين بالدراماتورغ، وأنا أجد أن هذه مشكلة كبيرة،.

حيث يجب أن نفهم ماهية عمل الدراماتورغ ومدى حاجتنا له، لا سيما وأننا نعاني من اخفاقات كبيرة في المسرح العربي الذي يفتقر لنظرة الدراماتورغ للعمل، مع أن هذا الجانب هو أهم جانب في العملية كلها، ويعتبر بصمة العمل التي تبقى عند المشاهد، فالدراماتورغ شيء مهم جدا ويجب أن نبحث عنه). أما بالنسبة لتجربته الخاصة، فقد قال إدريس، استدعيت الدراماتورغ بصفته مخرجاً، لأنه كان العين الوحيدة التي تراقب العمل نظرياً وحركياً.

وكانت مخرجة، وكنت أقول لها أنت المخرجة وأنا الممثل، وهي تتمتع بخط نظري بينما الخط العملي في مسرحيتي كان صورياً بلا نص مسرحي يعتمد عليه في مونودراما (إلى بغداد)، أي أن الخط النظري كان عند الدراماتورغ الذي ساعد كثيرا في إنجاز العمل، ولولاه لما كنا نجحنا، على ما أعتقد، ولكننا دخلنا في صراعات أخرى ربما.

ولا بد من التذكير هنا أن اختصاص الدراماتورغ يدرس في كليات السينما والمسرح في الجامعات، وأنا درست المسرح في الجامعات العراقية، لكننا كنا نتعامل فقط مع المخرج ومساعد المخرج والممثل ومدير مسرح، بينما كنا نفتقد الدراماتورغ".

 تداخل

المسرحي الأردني أسعد خليفة، قال حول غياب الدراماتورغ عن قائمة المشتغلين في المسرح في العالم العربي، إن هذه المسألة تعتمد على شخصية مخرج العمل، حيث يحدث نوع من الخلط بين عمل الدراماتورغ وعمل المخرج وأعمال أشخاص آخرين يأخذون صفة عمل هذه الوظيفة. وهم ليسوا كذلك في الواقع، أنا أعتقد أن عمل الدراماتورغ هو علم يدرس في الجامعات.

وأصبح تخصصاً قائماً بذاته، وتمنح بتخصصه شهادة بكالوريوس وماجستير ودكتوراة، لكن حتى هذه اللحظة نلاحظ أن العمل المسرحي لا يمر بالدراماتورغ أو حتى الأعمال التلفزيونية، مع أن الدراماتورغ قضية مهمة للغاية، حيث يشكل مصفاة للعمل المسرحي في نهاية المطاف، وأنا ارى أن هذا الاختصاص يقوم على ترتيب النص وكتابته من اللحظة الأولى، بما يتناسب مع ظروف تنفيذ العمل، ولكننا ربما لدينا خلاف كبير حول هذه القضية.

حيث عادة ما يأخذ المخرج هذا الدور ويتصدى له. ولا يحب أن يتنازل عن مهمة ترتيب النص وتكييفه اعتقادا منه بأن ترتيب النص هو دور المخرج، لكن يجب ألا ننسى أن هناك بعض المخرجين القادرين على لعب هذا الدور، والأمور تتداخل في عالمنا العربي، ليس في الدراما والفنون فحسب).

سبب

الفنان المصري سامح السريطي ينظر للقضية من منظور التجربة المصرية. ويؤكد أن كاتب النص المسرحي في مصر، يقدم النص المسرحي الذي يقوم المخرج المسرحي بإخراجه، بينما يغيب الدراماتورغ عن المشهد، أو أنه ليس موجودا بشكل أساسي، لأن المسألة تقتصر على الورش المسرحية.

حيث يمكن معالجة نص غير معد بصورة كاملة، ففي مصر يتمسك الكاتب المسرحي بروايته والمخرج يقوم بإخراجها، ليس لأن الدراماتورغ غير موجود، وإنما لأن المؤلف المسرحي يقوم بدوره كاملاً فتنتفي الحاجة الى الدراماتورغ. ويضيف: (ولذلك لا يوجد عندنا.

وإذا وجد فإن ذلك نادرا ما يحدث، فعناصر العملية المسرحية في مصر: المؤلف والمخرج وأبطال العمل والإضاءة ومهندس الديكور والتلقين والإدارة المسرحية، أما بالنسبة للدراماتورغ، فإن العمل هو الذي يستدعي ذلك من عدمه، وبما أن الكاتب المسرحي يقدم العمل بشكل متكامل، فإنه ليس هناك حاجة للدراماتورغ).

المخرج المسرحي الأردني علي الجراح، وصف الدراماتورغ بأنه منظر العمل البصري، وقال:" ان هذا الاختصاص عادة ما يستخدم في الغرب، بينما جرت العادة بأن يحمل هذا المفهوم المخرج نفسه، والذي يحتاج أحيانا إلى مخرج بصري آخر يحمل معه فكر ورؤية أخرى.

لكننا لسنا معتادين في العالم العربي على فكرة الدراماتورغ، لأننا ننظر للمسألة من باب الفكرة الواحدة، المخرج الحقيقي هو الذي يستطيع أن يخرج صورته ويخلق حدثه والأفعال المتراكمة دراميا على الخشبة. وأجد ان عدم استخدامه في العالم العربي هو نتيجة لـ: أولاً، قلة المتخصصين في هذا الميدان في الوطن العربي.

وفي القطر الواحد. وثانياً، الامكانات المالية لا تسمح أحياناً بالاستعانة بعمل الدراماتورغ أو إحضاره من بلد آخر، وذلك لأن البلد الواحد ربما ليس فيه سوى دراماتورغ واحد أو اثنين وربما أنه يعمل في مسرحيتين معاً، بينما العمل المسرحي يحتاج إلى تفرغ كامل، وهو لا يشبه بشيء العمل الإذاعي أو التلفزيوني.