يقام في المتحف البريطاني، في لندن، حالياً، معرض عن الحج، بعنوان: «الحج.. رحلة إلى قلب الإسلام». وهو يعد الأول من نوعه الذي يقيمه متحف في العالم.
والمعرض يقتفي أثر رحلات الحج منذ القرن السابع عشر الميلادي، وما طرأ عليها من تغيير، متابعا رحلات موردي المؤن للحجاج، ومنظمي قوافل الإبل، والبناة الذين أنشؤوا السكك الحديد. ويصف المعرض تفاصيل مناسك الحج، مستعينا بصور وتسجيلات صوتية وتذكارات عادية، وتجارب شخصية كتبت على شكل يوميات أو قصص متطفلين أوروبيين ذهبوا إلى مكة، وفي المعرض أيضا، قطع فنية حروفية ومنسوجات ومخطوطات وستائر مطرزة، إلى جانب مسح لمدينة مكة المكرمة.
تقول صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية، في تقرير حديث لها، عن المعرض الذي يحمل عنوان «الحج .. رحلة إلى قلب الإسلام»، إن رحلة الحج إلى مكة والتي تعد أحد الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام، لم تتم دراستها وإدراك معناها في الغرب إلا لماما، علما أنها غيرت حياة الملايين. وترى الصحيفة، أن هذا لا يعود إلى نقص في فضول الناس في الغرب، ففي أوائل القرن السادس عشر.
وكان الأرستقراطي الإيطالي لودوفيغو فارثيما، أحد أوائل الأوروبيين غير المسلمين الذين دخلوا إلى هذا المكان المقدس، وأوضح بخصوص انطباعاته في هذا الشأن، أنه كان متشوقا إلى التجديد توق الظمآن إلى المياه العذبة. كما بيّن أن قبر الرسول الكريم (ص) لم يكن معلقاً في الفضاء، كما ادعت الخرافة الأوروبية في القرون الوسطى. وقد تبعه غيره من الرحالة والمستكشفين، من أمثال ريتشارد فرانسيس بيرتون.
تفاصيل بأبجدية الفن
يسرد المعرض، عبر مجموعة الاعمال التي يتضمنها، صيغ وصف شيق ومفصل لرحلات الحج والتغيير الكبير الذي طرأ عليها على صعيد الكفاءة، وتوضح الاعمال كيف أنه، وبعد ان كانت الرحلة في السابق محفوفة بالمخاطر، أصبحت اليوم تدار من قبل وكلاء سفر اختصاصيين يقدمون حزمة عروض كاملة، بما في ذلك تأشيرات سفر ولقاحات.
وتصف صحيفة الغارديان البريطانية في تقرير لها عن المعرض، طبيعة هذه الرحلة بأنها «ملحمية»، كما تعدد الـ «إندبندنت» البريطانية، في تقرير آخر بعنوان «رحلة إلى قلب الإسلام»، الصعاب التي كانت تعترض الحجاج في طريقهم إلى مكة، بلا مراكب شراعية أو سفن تعمل على البخار أو طائرات نفاثة.
إذ كان المسلمون من الهند أو الصين قبل ابتكار المحرك البخاري، مجبرين على القيام برحلة العمر باستخدام المراكب والسفن الشراعية. أما القائمون بالرحلة انطلاقا في شمال أفريقيا، فكانت قوافل الإبل وسيلتهم الوحيدة.
تحتل وسائل النقل الخاصة برحلة الحج، مساحة كبيرة في المعرض، وتفيد في هذا الشأن، في استيعاب الخرائط والمخطوطات، لكن قصص الرحلات الشخصية هي الأكثر إثارة.
وهناك تنويع في الروايات، بحسب الإندبندنت، مثل رحلة منسا موسى ملك مالي الذي سافر في عام 1324 م، إلى مكة، على حصانه، وذلك في موكب يتقدمه 500 شخص من العبيد، حاملين عصاً من الذهب، و100 ناقة تحمل السبائك الذهبية التي جرى توزيعها على الفقراء، وحاشية مؤلفة من 60 ألف شخص.
حكايات 1865م
تشرح الأعمال الفنية في «الحج.. رحلة إلى قلب الإسلام»، في المتحف البريطاني في لندن، طبيعة تأثير نمو النقل الجماعي وتزايد أعداد الحجاج، إذ أديا في العام 1865م إلى وفاة 15 ألف حاج من أصل 90 ألفاً، بعد تفشي وباء الكوليرا الذي انتشر، آنذاك، حتى وصل نيويورك.
فقامت حكومة الهند باعتماد شركة توماس كوك في نهاية القرن التاسع عشر، وكيلاً للسفر إلى مكة للحج. وكان نجله، جون مايسون كوك، مدركاً للمسؤولية التي تسلمتها الشركة، فكتب يقول:
«أدرك أن هذا العمل تكتنفه المصاعب والإجحافات، اكثر من أي عمل آخر قمت به من قبل». ومع التقدم في وسائل النقل، أصبح عبور الطريق السريع لقطع مسافة 14 كم من مكة إلى عرفات، يستغرق تسع ساعات في سبعينات القرن الماضي، وقد تم إدخال نظام الحصص كوسيلة لتنظيم أعداد الحجاج من كل دولة، في عام 1988م.
ومع ذلك، يتوقع زيادة عدد الزوار على 3 ملايين زائر في السنوات المقبلة، بعد أن كان 20 ألفاً في عام 1932، ولا تزال أعداد الحجاج تزداد يوما بعد آخر، وهذا ما تؤكده صحيفة الفايننشال تايمز، والتي اعتبرت ذلك شاهدا على استقطاب الإسلام للأفئدة والعقول.
ربما اكثر ما أثار الانتباه في المعرض قطعة فنية حديثة بعنوان «الطريق إلى مكة»، أبدعها فنان سعودي يدعى عبد الناصر غارم، يقوم فيها بإعادة رسم إشارة الطريق السريع إلى مكة التي تفصل غير المسلمين عن المسلمين، بتوجيههم بعيداً عن الطريق الرئيسي المفضي إلى مكة.
وكانت رحلة الحج، في الواقع، مصدر إغراء للمغامرين الأوروبيين المتعطشين للمجازفة منذ غابر الأزمنة، وتقول الفايننشال تايمز، إن كثيراً منهم بدأ رحلته وقد راودته الشكوك، إلا أن معظمهم تأثروا بالمناظر الاستثنائية التي كانت تنتظرهم.
وفي عام 1853م، قام المستكشف ريتشارد فرانسيس برتون متنكراً كطبيب أفغاني ودرويش صوفي، بالالتحاق بالحجاج المصريين إلى مكة، وكانت هناك أيضاً الليدي افلين كوبولد، وهي أرستقراطية من إسكتلندا، وأصبحت أول مسلمة بريطانية تؤدي مناسك الحج في عام 1933.
وقد كتبت عن رحلتها تقول: «يبدو أنني كنت مسلمة دوماً». وأيضا هناك هاري سانت جون فيلبي الذي اعتنق الإسلام، وكان معروفا بأنه والد الجاسوس كيم فيلبي.
منسوجات وستائر
يتضمن المعرض أيضاً، مجموعة منسوجات مطرزة. ومخطوطات ذات نوعية رفيعة تعد الأفضل من بين تلك التي تم ابتداعها، وبالتحديد في كسوة الكعبة. وقد أتت إحدى الستائر المطرزة بشكل رائع من القرن التاسع عشر، من مجموعة ناصر ديفيد خليلي، جامع التحف المقيم في لندن.
والذي يملك المجموعة الخاصة الأكبر من روائع الفن الإسلامي في العالم، إذ أقرض المتحف البريطاني 45 قطعة فنية، وذلك خصيصاً لتنظيم هذا المعرض، ويقول في هذا الخصوص: «سيفتح المعرض أعين كثير من الناس، فلأول مرة على مدى 1400 عام، اصبح لدينا شيء يعطي الناس تواصلاً بصرياً مع هذه الرحلة الدينية والروحية.
والناس الذين أنتجوا هذه الموضوعات لم يتركوا لنا فقط هذا الإرث، ولكنهم ساهموا أيضا في نشر دينهم ومعتقداتهم، وهذا شيء قوي حقا». ويعتقد خليلي أن المعرض سيشجع الوصول إلى فهم اكثر عمقا للدين الإسلامي، كما سيشجع على التسامح الديني.
تذكارات ويوميات
يشتمل المعرض على تذكارات عادية تضم تذكرة قطار توماس كوك من العصر الفيكتوري، وماكينات الحلاقة البلاستيكية الزرقاء التي كانت الحكومة السعودية توزعها على الحجاج من الرجال لحلق شعرهم.
وتقول صحيفة الغارديان البريطانية، في تقرير لها عن المعرض، إن المساعدات جاءت من 13 دولة، لكن أمينة المعرض، فينيشيا بورتر، توجهت إلى أماكن أخرى، بما في ذلك مدينة تمبكتو في مالي، لاقتراض مخطوطات قديمة تغطي بعضا من قصص الحجاج الأولى.
وتوجد في المعرض يوميات مكتوبة بعناية، تعود لفتاة إنجليزية في العاشرة من عمرها، تدعى سالينا نور محمد، التي قامت بالرحلة مع عائلتها في عام 2006، وكتبت أنها حاولت عدم النظر إلى الكعبة، حتى وصلت إلى النقطة حيث أصبح بإمكانها أن تراها بوضوح. وتصفها قائلة: «هذا الشيء البسيط معماريا، يبدو مهيبا وموحيا بالجلال».
وعلى الرغم من ان المعرض يتضمن منسوجات قديمة كانت فيما مضى معلقة داخل الكعبة، وكيساً جلدياً صغيراً يضم الغبار الملتقط من أرض الكعبة، إلا إنه لا توجد صورة للكعبة من الداخل، ولا يرجع ذلك لحساسية دينية، كما تقول صحيفة الغارديان البريطانية.
وإنما بسبب عدم توافر صورة ذات نوعية صالحة للعرض في الكعبة. وتقول بورتر: «لم يكن هناك تقريباً، أي صور لداخل الكعبة، والصور المتوافرة لم تكن بما يكفي من الجودة لعرضها، إنه في قلب المعرض سيبقى هناك نوع من الأسرار الغامضة».
يشير هذا المعرض، بالنسبة الى المتحف البريطاني، إلى نهاية رحلة بحثية وفكرية فنية متخصصة بمجال الأديان، وذلك بعد سلسلة فعاليات وأبحاث ومعارض اقامها في هذا الحقل، إذ سبقت «الحج .. رحلة الى قلب الاسلام»، عدة معارض أخرى، وهي عن «كتاب الموتى» المصري القديم، و»كنوز الجنة» الذي ينظر في دور القديسين وأثرهم في أوروبا، خلال العصور الوسطى.
وهذه بدورها جاءت بعد دراسة موسعة للمتحف عن الإمبراطوريات، من أربعة أجزاء، حيث عرضت حياة وفن الإمبراطور الروماني هادريان، والشاه الايراني عباس الأول، وأيضاً كل من كن شي هانجدي، وموكتيزوما الثاني.
ولمن ينتظر غرفاً ملأى بتحف الفن الإسلامي اللامع، فإنه قد تطغى على أحاسيسه موجودات هذا المعرض، لكن جوهر التجربة كما تصفها صحيفة الإندبندنت، يأتي في شكله المكتوب. والصور التي بدأت تفقد ملامحها، وهذه تتجسد كرموز من الصعب حلها تماماً، وذلك كأسرار رحلة الحج نفسها.