هل الرواية المكتوبة في الإمارات تنتمي لجنسية الكاتب، أم لجغرافية المكان الذي عاش فيه وكتب عنه؟ ما هي هوية العديد من الروايات التي تنتمي لكتاب عرب عاشوا في بلدان أخرى، مثل الروائيين الفلسطينيين الذين كتبوا عن ثقافات المجتمعات التي عاشوا فيها، وكذلك الكتاب الأجانب من أصول عربية. وكما تتباين أساليب الكتابة والمضمون بين عصر وعصر، يتباين مضمون العمل ولغته وصياغته من بلد إلى آخر، لتتبدل معه المفاهيم والتصنيفات في الأدب.
التساؤل الذي يطرح نفسه حول هوية الرواية، لا سيما بعد ظهور عدد كبير من الروائيين العرب الذين يكتبون رواياتهم استلهاماً أو تأثراً بالبيئة الإماراتية: هل الرواية التي تكتب من قبل عربي يعيش في الإمارات، وتدور فيها أحداثها: هي رواية إماراتية؟ أم تتبع جنسية كاتبها؟ حتى وإن ارتبطت شخوصها بهوية المكان؟
استطلاع آراء بعض الأدباء والروائيين والمعنيين بالرواية قد يجيبنا على الأسئلة المحيرة.
هوية
يقول الروائي الإماراتي علي أبو الريش الذي صدر له حتى الآن 14 رواية، الروائــــي ابن المكـــان الذي يعيش فيه ويتأثر بثقافته، فهناك العديد من الكتّاب العرب الذين عاشـوا في الإمارات فترات طويلة قد تصل إلى عشرين عاماً، وبالتالي تأثــــروا وتشبعــــوا بثقافـــة المنطقة وتراثهـــا ومجتمعها، وعليه فإن ما كتبــــــوه هو نتاج ذلك التفاعل.
أي أن أعمالهم التي كتبوها مرتبطــة بالمكان والبيئة، ولم تأت من فراغ أو ذاكرة غائبة. في قناعتي هي رواية إماراتية. ويختلف معه في الرأي الروائي والشاعر أنور الخطيب المقيـــم في الإمارات بقوله لا توجـــد في مفهومـــي رواية مصرية، أو لبنانية، أو إماراتية، أو حتى خليجية.
لا يحدد المكان أو جنسية الكاتب هوية الرواية، بل هناك روايـــة عربية تتحدث عن مجتمع عربي الهوية. وما يقوم به الروائيون العرب هو التنــــوع في الطرح الفكري بين ما هو مرتبط بالعادات والتقاليــــد إلى ما هو مرتبط بالصراع أو التحاور بين الثقافات.
الرواية كالموسيقى
الروائي السعودي هاني نقشبندي الذي صدر له 4 روايات له وجهة رأي مغايرة تماماً ويقول، الرواية لا جنسية لها، كالموسيقى هل للموسيقى جنسية؟ الرواية عمل إنساني كما هي المشاعر أو ما ابتكره واخترعه العلماء والعباقرة، الرواية مثل المشاعر التي لا تتبع أية جنسية أو مكان.
وتقول الروائية مها قرقاش التي أصدرت روايتها الأولى باللغة الانجليزية، الرواية أكثر من جغرافية المكان، فلا بد من فهم ثقافة وتركيبة وبنية المجتمع المحلي حديثاً وقديماً. وفي بعض الأحيان يقدم الكاتب المقيم رؤية إما أعمق أو من منظور جديد، لبنية المجتمع المحلي التي لا يمكن لمن يعيش في نسيجه من الالتفات إليها أو إدراكها.
الجغرافيا الروائية
وكان للروائي والصحافي السوري زياد عبدالله مفهوم ونظرة مختلفــة ترتبطـ بجغرافيـــة المكــــان، وقال الجغرافيا الروائية هي، جغرافيا الإنسان الذي يعيــش في ذلك الحيز، وبالتالي المعاش وبرفقته الأحلام والكــوابيس، التطلعات والخيبات، وعليه تأتي روايتي بر دبي في هذا السياق، إنها عن هؤلاء البشر الذين اتخذوا من دبي مكاناً لعيشهم وبالتــالي كانوا مؤثريـــن ومتأثرين بما صيغت عليـــه هذه المدينة، وهم تحت وطـــأة معطيـــات جديدة على حيواتهم السابقة.
ويضيف زياد عبدالله، إن دبي ووفق ما تقــدم تشكل خــزان حــكايات، كل يأتيها ومعه حكايته، أو حكايتها وليصوغ في الوقــت نفسه حكاية من نوع آخر على هدى الطرقات السريعة وإيقاع حــياة قــد يشــبه أو لا يشــبه ما عاشه، وبالتالي يصبح الحاضر نقطة اتصال مدهشة بين الماضي والمستقبل.
وإن العامل الاقتصادي الذي قد يعتقد البعض أنه الدافع الرئيس لهذا الاجتماع البشري المتنوع في دبي ليس إلا مولداً لتلك القصص. بالاعتماد على ما تقدم، فإن جغرافيـــة دبـــي وما تأسست عليه ستكـــون عامل حسم في تشكيل الشخصيات والعوالـــم، والكتابة عن مكان بعينه لن تكون إلا تحت إملاءات الإلمام بمعطيات هذا المكان.
رأي أكاديمي
وفي الإطار الأكاديمي، طرح الشاعر والباحث عياش يحياوي المقيم في الإمــارات، منظـــوراً أوســـــع من خلال بحــوثـــه ودراســاته التي شملـــت الأدبـــاء العرب الذين يكتبون بلغــة أجنبية، والذي يقول أعتقد أن تقاليد تاريــخ الأدب تقول ان الأدب ينتمي إلى جنسية صاحبه. لذا، فإن ما كتبه الروائي العراقي جمعــة اللامي وعبدالإله عبدالقادر في الإمارات يدخل ضمــن الأدب العراقي حتى وإن كان مضمون أعمالهمـــا إماراتيــــاً.
ولنفرض أن كاتباً روائياً عاش في مجتمعات عربية، هل يتوزع إبداعه على تلك المجتمعات؟ وما ينطبق على السرد الروائي ينطبق على الشعر والفن التشكيلي أيضا. إذ لم يذكر مثقف إماراتي أن ما يكتبه المبدعون العرب المقيمون حول مجتمع الإمارات وثقافته يدخل ضمن الثقافـــة الإماراتيـــة، لكنه بالضرورة يتم تسجيله ـ وليس إلغاء هويته ـ ضمن تاريخ الأدب الإماراتي.
وقدم أمثلة على ذلك بقوله، إن ما يكتبه روائيان كبيران مثل أمين معلوف من لبنان، والطاهر بن جلون من المغرب باللغة الفرنسية لم ينفِ عنه أنه سرد ينتمي إلى ثقافة بلدين عربيين، على الرغم من أن هذين الروائييـــن يتعاملان مع لغة ذات جـــذور جمالية وتاريخيـــة لا صلة لها بالثقافـــة العربية. غير أن موضوع هويـــة الأدب القوميـــة يعتورهــا كثير من التشابك بسبب النزوحات البشرية الكــبرى بين القارات والثقافات.
الجذور الثقافية
وقد تحدث قائلاً: أمين معلـــوف في كتابه هويات قاتلة، بحيث يمكن أن تتشكــل هوية المبـــدع من هويات متعـــددة ذات جذور ثقافيــة واجتماعيـــة وتاريخيـــة وجغرافية متباينة. لذا، أرى أن موضوع هذا الاستفتاء يمثل إشكاليـــة تتداخل فيها ثلاث هويات هي الهوية السياسية جنسية الكاتب والهوية الإبداعية اللغة ومضمونهـــا وهوية الوطن الثاني بلد الإقامة.
وكمثال على ذلك ما يبدعه أدونـــيس، هل هــــو سوري أم لبناني أم ينتمي إلى الثقافةـــ العربية؟ إن انتمــــاء الإبداع إلى جنسية الكاتب إشكاليـــة تحتاج إلى دراسة حذِرة وعميقة في ظل التقارب بين الشعوب، وكيـــف نحدِّد هويــــة إبداع ثقافي لصاحبــه ثلاث أو أربـــع جنسيات؟ إن الأوطان في مفهومهـــا الحديث ذات مرجعية سياسيــة وليست ثقافية، ومــــن هنا تبدأ الإشكالية.
آراء بعض المعنيين في الرواية
تقول المهندسة مها شاكر التي تدير مجموعــة من أندية الكتب العربية، إن تحديد هوية الرواية أو ربط مرجعيتها بجنسية الكاتب، فكــرة مرفوضــة بالنسبة لي. يكفي العودة إلى تاريخنا حينما كان الفقهاء والعلماء الذين تفخر بهم بلداننا من أصول غير عربية كالفارسيــة والألبانيـــة وغيرهما، حيث إن اختلاف جنسياتهم لا يقف عائقاً أمام انتماء كتبهم للثقافة والأدب العربي.
فالحدود والحواجز ما هي إلا نتاج البلدان الحديثة التي اصطنعها المستعمر ورسم حدودها. وكان لندى بهمردي المتخصصة في علـــم الاجتمــاع والانثروبولوجيـــا رأي آخر تمثل بقولها (إن كان الكاتب إماراتياً وكتب عن المجتمع المحلــي، فالرواية في رأيِّ إماراتيــة.
أما إن كان الكاتب من جنسية أخرى ويعيش في الإمارات وتدور أحداث روايته فيها، فإن هذه الرواية إماراتية أيضاً، أي تتبع المكان وليس جنسية الكاتب، خاصة وأن أحداثها وشخوصها من نتاج الثقافات المتعدد في الإمارات تحديداً.
رولا البلبيسي
وتوافقها في الرأي رولا البلبيسي محللة تسويق وقارئـــــة للأدب والتي قالت، أعتقـــد أن الرواية التي يعيـــش كاتبها وشخوص عمله في الإمارات، تتبع هويـــة المكان في صيغتها، فذاكــرة الكاتب السابقة تعتبر جزءاً من خلفية العمل.
وما يكتب في هذا الإطـــار كما في رواية ليلة واحــدة في دبي للروائي السعــودي هاني نقشبندي، نتاج خصوصيـــة مجتمع متعدد الثقافــات في الإمارات.