مصاحف مكتوبة بالخط العربي، وسجاد ولوحات ومصابيح ومزهريات وأواني طعام، ومنسوجات تحمل زخارف تعود إلى الإمبراطورية الرومانية وملوك فارس القدماء، وأحجار بلاط منقوشة تشي بغرف تملؤها الهمسات المفعمة بحمد الله والأدعية لصاحبها بحسن الطالع.

ومحابر مزخرفة بأرقام الأبراج كما كانت منذ أيام الإغريق، تلك كلها روائع من الفن الإسلامي يمكن رؤيتها في قاعات العرض الجديدة لدائرة الفن الإسلامي في متحف متروبوليتان للفنون بنيويورك، التي افتتحت بداية نوفمبر من العام الماضي.

 

تتناغم ملامــــح جمال قاعـــات العرض الجديدة لدائرة الفن الإسلامي في متحف متروبوليتــــان للفنــــون بنيويورك، بعد إعادة ترميمها وتوسيعها، ويكتمل سر فرادتها مع روعة غرفة الاستقبال الدمشقية الشهيرة، والتي تعود الى أوائل القرن الثامن عشر، وتمثل فخر مجموعة المتروبوليتان.

وذكرت مجلة «نيويـــورك ريفيـــو أوف بوكس» الأميركية في تقرير حديث لها، ان هذه الروائــــع من الفــــن الإسلامي تصدح بالمعاني وتحكي قصص أزمنة مختلفة، من المحيط الأطلسي وإلى جنوب آسيا، وسط تصميم جديد رائع لقاعات العرض في المتحف.

 

..قيمة وتنظيم

جمال فن الحضارة الإسلاميـــة كان دوماً يثير إعجاب الكثيرين في أوروبا وأميركا، على حد السواء، حيث تم اقتناء عـــدة تحف ومخطوطـــات من هذه الفنون، ومع انتشار الحركــــة الجماليــــة في أواخر القرن التاسع عشر، التي تثمن الأشياء لجمالهــــا دون أي اعتبار لزمنهــــا ومصدرها، وصل حب اقتناء الفنون إلى فــــن الزخرفــــة الإسلامية.

والمجموعة الإسلامية في متحف متروبوليتان تشهد على ذلك، حيث تغطي قاعات العـــرض فنــــون تبعد مسافات شاسعة من آسيا إلى المناطق الغربية لجنوب إسبانيا وشمال أفريقيا، وهناك حوالي 4 آلاف ميل تفصل قرطبة عن وسط آسيا. وعند وصول المرء إلى نهاية مشواره في هذه القاعات، يقف وجهــــاً لوجه أمام عمل متقن رائع لساحة صغيرة بربرية مزينة بأقواس من الجص، ومنقوشة على يد حرفيين من المغرب، وموضوعة على أعمدة من القرن الخامس عشر.

ولقد تمكن القيمون على إعادة تأهيل متحف متروبوليتان من الحفاظ على توزيـــع عادل لكوكبة كاملة من الثقافات التي تأثرت بالإسلام وشهدت تغيرات مستمــــرة طوال ألفيـــة من الزمن، كما نجحوا في إبـــراز جمالية المعروضات، وفي إعداد كتالــــوغ شيـــق جديد للمعرض.

ويعتبر أهـــم متغــير فـــي متحف متروبوليتـــــان، إعطـــاء قاعــات العرض أسمــاء مميزة، مثــل قاعـــات فـــن الأراضـــي العربيـــة وتركيــــا وايران ووســــط آسيا وجنوب آسيا. وتقول مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس»، في هذا الشأن: إن ما وراء العنوان عقوداً من التفكير الدؤوب في العلاقة بين الثقافات، عبر كومونولث شاسع من المجتمعات.

حيث فكرة الفن الإسلامي كنظام واحد موحد، تنتشر بإصرار عبر الأراضي التي حكمها المسلمون، تم تفكيكها في خدمة الهدف. ولقد تم تركيب قاعات العرض بهدف إعطاء كل منطقة نكهتها المميزة.

وتم البناء على الجمال الباطني الذي يشع من المعروضات نفسها، وقامت شاشات لاتيس بتحويل الإضاءة من الساحة التي تتوسط قاعات العرض، وقد تم تكريس كل غرفة لمنطقـــة من مناطق الفن الإسلامي، حيث الأرضية المعبدة بالأحجار المختلفة، من الرخام المصري اللامع المنقوش، وصولاً إلى الحجر الرملي الناعم للهند.

 

«فن الخلفاء»

يبرز في تصميم القاعات متحف الميتروبوليتان في نيويورك، ملمح مهم يتمثل في صيغة تعددية المناطق والثقافات المرتبطة بالإسلام، والتشديد على ضغط المسافات فيما بينها. فمن صالة الغرفة المخصصة لفنون الإسلام في الغرب، تلتقط العين عن بعد، سجادة عثمانية كبيرة منقوشة بنماذج وأنماط انتشرت عبر مناطق عدة لقرون، بما في ذلك في الأندلس وشمال أفريقيا، وجرى جمعها مجدداً في أناضول القرن السادس عشر، بإشراقة جديدة من الجمال.

وعلى هذا الأساس، فإن المعروضـــات في كل غرفة ليست في مناطق مغلقــــة ولا تتبع اتساقــــاً جامداً، بل تشدد على مستوى من الرؤيـــة ــ التبادليـــة أوجدتها تلك الحضارة، بقصصها وزخرفاتها وتقنياتهـــا، وهذا يعني، طبقاً للتقرير المتخصص في مجلة «نيويـــورك ريفيو أوف بوكس»، أن ما يدعى «الفن الإسلامي» يشكل تتويجاً لمسار، وليس بداية مفاجئة لعصر جديد.

حيث النظر إلى الأواني الزجاجية واللوحات الخشبية المنحوتة، وأعمال الجص الرائعة والصحون الفضية لسوريا والعراق وايران، المعروضة في الصالون 451، تحت عنوان «فن الخلفاء الأوائــــل من القرن السابع إلى العاشر»، هو كالنظــــر إلى منظر طبيعي فني، يتغنى بشمس بعد الظهـــيرة من العصــــور القديمة، سواء في قديم الإمبراطورية الرومانية الشرقية، أو من الذكرى المتفاخرة للإمبراطوريــــة الساسانية في ايران.

والأمر كذلك بالنسبة إلى سكان تلك المناطق. فالناطقون باللغة السريانية فيما يعرف الآن بسوريا وشرق تركيا وشمال العراق، عملوا كوسطاء بين الثقافة الإغريقية الرومانية للبحر المتوسط، والثقافة العربية الجديدة لبغداد في بلاد ما بين الرافدين.

وكان الانتقال يتم عبر حوارات متعددة، إذ ان أعضاء كثراً في المجتمعــات المسيحيـــة والزرادشتيـــة في المنطقـــة اعتنقـــوا الإسلام، جالبين معهم للعالـــم الإسلامي، الكثير من غنى ثقافاتهم ورؤيتهم للعالم. وفي مسار هذا الحوار الواعي المستمر مع العالم الأقدم، تم اتخـــاذ خيـــارات حاسمة.

وتشير "نيويورك ريفيو أوف بوكس"، إلى أن الشرق الأوسط، في القرنيـن الميلادييـــن، الثامن والسابع، وتحديداً بين السنوات 740-840، كــــان يهتز بحوار حاد حول استخدام الأيقونات. وقد عجت كنـــائــــس بيزنطية بوجوه هادئــــة من الفترة الكلاسيكيـــة المتأخرة.

أما في الإسلـام، بالمقابـــل، فإن فــــن الزخرفــــة وصل إلى ذروته. ووصــل انتشـــار الزخرفـــة على الأرضـــيات المسطحة، إلى بروز شكــل جديد ومميز مــــن الجماليات، ويمكن القول:

إن الحياكة حلت مكان الرسم ونحت الأحجار، باعتبارها الفن الأول. وتفيد المجلة الأميركية بأن الغرب رأى في بيزنطة المسيحية والأراضي الإسلامية، على الرغم من الاختلافات، جملة من الأشياء المشتركة، حيث شكلتا مواقع للفن أحادي البعد، ورفضتا النحت ثلاثي الأبعاد للتماثيل التي انتشرت في أوروبا الكاثوليكية في القرون الوسطى.

وأن هناك انطباعات عدة يمكن أخذها من المعرض، منها الاتساع الهائل للعالم الإســـلامي في شكله النهائي، والدرجة الاستثنائية من الرؤية التبادلية التي نجدها بين مناطقه المختلفة، حيث المواضيع المتكررة في أروقة المعرض تشير إلى:

أولاً، الحضور الشامل للقرآن الكريم. فالمصاحف تحتل قلب كل غرفة بقاعات متحف متروبولتان الجديدة، والحضور الشامل للقرآن الكريم مرتبط بالإيمان المطلق بوجود الله في الفكر والديانة الإسلاميين.

ثانياً، وفي السياق نفسه، لا وجود لنشاط إنساني ليس مقرباً من الله، وعلى الرغم من ممارسة العزوبية من قبل بعض الزاهدين، إلا ان هذه لم تحمل الشحنة الرمزية التي كانت لها في أوروبا الغربية الكاثوليكيـــة. وجـــلال الدين الرومي، العمـــلاق الروحي الذي كان معاصراً للقديس فرانسيس واتباعه العازبين، والذي عاش في صومعة في قونية بتركيا حديثاً، كان ناووســـه الضخـــم المبنــــي في عام 1274، محاطاً بمقابر أصغر حجماً لعائلة كاملة من أتباعه المتزوجين.

ثالثاً، القرآن الكريم نفسه، كتاب منزل لكل مكان وزمان، وصوت تلاوة القرآن باللغة العربية، يجسد صلة ممتدة مع السماء، وسط ضجة الحياة اليومية.

 

قسم للشرق

يشتمل الميتروبوليتـــان ــ نيويـــورك، أيضاً، على قسم خاص بالشرق الأدنى القديـــم، حيث يوجـــد رأس من الفضة لملك ساساني، ربما كان شابور الثاني الذي حكم من 310 إلى 379، وهو احد اهم ملوك فارس. وترى مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس»، في تقريرها بهذا الخصوص، أن فن الأمراء امتد إلى كل زاوية من زوايا الأراضي الإسلاميـــة.

ووصـــل في النهايـــة إلى ادنى الشرائح الاجتماعية بمسار رائع من الديمقراطيـــــــة، وجلب لمســـة من الملوكية إلى التجـــار والحرفيين الذيـــن تناولـــوا عشاءهم بأوان مشعة ذهباً، ومصقولة بالقصدير، بدلاً من الذهب والفضة للملوك القدماء.

وهذا الفن المترف عبر كل الحدود، استفاد منه المسيحيون الأوروبيـــون وشكل "نقطــــة الذروة في تاريخ الحياكة لم يكن لها مثيل في التاريخ"، من أثـــواب الحريــــر لملـــوك شمال إسبانيا في القرون الوسطى، وإلى الزنانير المخمليــــصة المصنوعة في كاشــان بإيران، فكلها كانت موضع تقديــر في الشرق، في القرن السادس عشر، وأوائـــل السابع عـــشر.

وهو ما اكده وعكسه معرض متحـــف متروبوليتان لعام 2007، الذي حمل عنـــوان «البندقية والعالــــم الإسلامي 828-1797»، الأمر الذي أظهر أن التـــاريخ الكبير للفنون الأميرية، كان منتشراً بشكـــل متوازن بين البندقيــــة وإسطنبول وشيراز.