»لطالما نظرت إلى الفن على انه واحة لا تصلها إلا قوافل المصطفين من البشر، أولئك الذين تقودهم بوصلة الروح، وتدفعهم أشرعة الريح. أولئك الذين أزيل عن عيونهم القذى، وانزاحت عن بصائرهم الغشاوات التي أسدلتها الرمال المحاصرة للأرواح والأجساد التي تمضي عبر القفار، شاقة طريقها، تنوء بأحمال الحياة وهمومها«. بهذه الكلمات، يرسم الفنان التشكيلي العُماني موسى عمر صورة واحة الفن، وخصائص روادها، أو ما يجب أن يتمتعوا به.
تكشف رؤى الفنـــان التشكيلي العماني موسى عمر، إدراك أعمق مفاهيم الفن المستوعبة بوعي فريد لمضامين هذه العوالم التي لا تغازل في نوعية نتاجها، البصر فحسب، بل وتتغلغل في البصيرة إذا كانت مشغولة من قبل مواهب حقيقيّـــة، خاصة حين يدرك من يبدع فيها، أسرار الجمال وصناعته. وهكذا فإن الفنان موسى عمر المولود في مدينة (مطرح) عام 1971.
والدارس للفن التشكيلي بشكل ذاتي، يبدو من هذه المواهب البارزة. وتتميز تجربته الفنيّة بتوجهها الصادق والحميمي لموروثها المحلي الذي استفادت منه ووظفته، عبر رؤية فنان مفتون بإرثه وعصره في آنٍ معاً. فهذا الفنان لا يرى في الفن وسيلة وأداة للتعبير والتخاطب مع الآخر فحسب، وإنما يرى فيه تلك القوة الخفيّة المستعصية الكامنة في شغاف الروح، تلك التي تصنع عالماً موازياً للواقع المعاش ومتقاطعاً معه في آنٍ معاً.
على هذا الأساس، وبكثير من الثقة والوضوح، يعلن موسى عمر، أنه ليس من الفنانين الذين يحاكون الواقع في أعمالهم، وينقلونه بشكل مباشر، وإنما يلجأ إلى استخدام الرمز الذي يرى فيه مساحات تعبيريّة شاسعة، يحلق فيها كطائر أسطوري يملك ألف جناح !!
رسام وخزّاف
إلى جانب التصوير المتعدد التقانات اللونيّة، يشتغل الفنان عمر على الخزف والفخار، وله في هذه التقنية سلسلة من الأعمال المجسمة والنافرة، أخضعها للتوجه والأسلوب الذي يشتغل عليه في لوحاته، القائم على استخدام معاصر، للوحدات الزخرفيّة الشعبيّة الموجودة في العمارة.
والبسط وبيوت السدو والسجاجيد والثياب والمشغولات اليدويّة الحرفيّة والتطبيقيّة العُمانيّة، وتوظيفها في منتج بصري تشكيلي معاصر، مسطح ومجسم، تارة بأخذها كما هي، وفي أخرى نجده يُعيد تأليفها بشكل جديد، لكن دون أن يلغي هيكليتها أو ماهيتها الشكليّة، إنما يختزلها ليستخدمها برؤية توليفيّة حديثة، ضمن تكوينات تجريديّة يطغى عليها الحس الزخرفي أحياناً.
وفي أخرى تجنح نحو التجريد الحداثي القائم على مساحات لونيّة واسعة، متباينة الدرجات، ومُطرزة بالوقت نفسه، بإشارات ورموز تتماهى فيها الصيغة التجريديّة بالصيغة الزخرفيّة. وفي هذه الأعمال تحديداً، تتبدى ثقافة الفنان عمر البصريّة وشغفه الشديد، بأعمال الدادئيين والتجريديين، أمثال: فاسيلي كاندينسكي، بول كلي، خوان ميرو.
ابن البيئة
يختزل المنتج البصري للفنان موسى عمر، حالة مدهشة من البحث والتجريب التقاني والتوليفي، تتنازعه فيها رغبتان رئيستان: الأولى منح منجزه البصري هويّة عربيّة شعبيّة واضحة، تعكس خصوصية المكان الذي جاء منه هذا المنجز. والثانيــــة تأكيد ثقافته البصريّة، واطلاعاته الواسعة على التجارب الفنيّة الحديثة. وتالياً، تأكيد انتمائه لزمانه وعصره الطافح بالخروقات التقانيّة الهائلة.
وهذا طبعا في حين يعلن صراحة عن الرغبة الأولى، مؤكداً اندهاشه ببصمات الإنسان على الجدران، وكتاباته ورموزه والنقوش التقليدية المسطرة فوقها، أو فوق الأزياء والأدوات القديمة، وبذا فإن رغبته الثانية تتـــوارى لتظـــهر بوضوح فوق سطح بعض لوحاته، ولعل أبرزها وأهمها اللوحات الأربع التي تحمل عنوان (بليدة تلك الذاكرة).
وفي غالبية أعماله، وكنهر ملجوم، ينسكب الفنان موسى عمر، فوق السطح الأبيض أمامه، أو فوق التشكيل الخزفي والفخاري المجسم والمسطح، ليملأ هذا البياض بالألوان والأشكال والموتيفات والعناصر والرموز، بنوع من التنظيم أحياناً، وبعفوية وتلقائيّة أحياناً أخرى، موجدا بذلك مدنه الملونة التي ـ كما يقول ـ يمكن أن يراها المرء في كل مكان، لكنها ما كانت لتنشأ وتتلون لولا ذلك الإلهام الشفيف الذي صنعته في داخله أمه التي كانت تجمع قصاصات الجرائد التي تنشر لوحاته، لتخبئها تحت وسادته.
ومدنه هذه، ما كان ليبنيها لولا يد أبيه أيضاً، تلك اليد الحانية التي يجدها تربت على كتفه في كل لحظة. إن التجوال في مدن موسى عمر الملونة مسكون بالدهشة، ففيها ما يُمتع البصر والبصيرة، وينير العقل والـــروح، ويهدهد الخيال والفكر. وفيها نكهة المكان ورائحته وأصالته وغناه الفني والإنساني، وأطياف العصر وتلاوينه المنداحة دائماً، عن الجديد المثير والمدهش.
مقاومة الصمت
هكذا فإن الفن لدى موسى عمر(كما يقول) وسيلة يسعى من خلالها إلى مقاومة الصمت المطبق بكل ثقله وخفته على روح الإنسان، ذلك المختبئ دوماً خلف الجدران وأمامها في لوحاته ومجسماته. ينكش ذلك الصمت ويبعثر مفرداته وأشياءه على بياض اللوحات وبهائها، فتتدفق سيوله في كل أروقة العمل الفني. وهذه السيول (كما يؤكد) قد تحطم تلك الجدران أو تعيد بناءها، وفي الحالين، يمتلئ حيز المنتج البصري لديه بروائح المدن والقرى. بليلها ونهارها، بشموسها وأقمارها، ببصمات ناسها ونقوشهم التي يتركونها فوق جدران هذه المدن والقرى.
وسواء اتجه الإنسان نحو لب الأرض، أو حلق في السماء، فإن الفن هو وجه الحياة الأوحد! والبيئة الشعبيّة في هذه المدن والقرى التي يشتغل عليها الفنان عمر في أعماله، بمكوناتها من البيوت والأزقة والكائنات، هي وسيلة (كما يقول) لاستكناه الحب والكره، الحزن واليأس. وحالة الابتهاج التي تهيمن على أرواح بشر هذه البيئة، وتلتقطهم عدسة عينيه الباحثة دوماً عما يتصل مباشرةً بالروح الخفيّة، يسكبها بين ثنايا خطوطه وألوانه وفي الأشكال النافرة والغائرة في خزفياته.
قنديل الشعر
من المنصات التي ينهض عليها منجز موسى عمر البصري أيضاً، الشعر الذي يدهشه ويستمد منه أنساغ هذا المنجز ومفرداته المباشرة وغير المباشرة. فهو (كما يعلن) يدين للشعر بقيامه في تعميق رؤيته للكون وعناصره ومخلوقاته، لاسيما شعر المتصوفة الذي يأخذه إلى أصقاع ما كان ليصلها بدونه.
وفي هذه الأصقاع البعيدة، الساحرة، المطهمة بالغموض، يدخل موسى عالماً حلمياً مليئاً بمدن ملونة غائرة في تضاعيف ومنعرجات الكون الذي قاده إليه الشعر الصوفي، وهو كون غير محدد بأمكنة بعينها، الأمر الذي يمنح (مدنه الملونة) صفة الشموليّة، ما يتيح للمتلقي (أي متلقي) إمكانية الدخول إليها، والتجوال في أزقتها، والاستمتاع بالجماليات المكتنزة عليها.