الأديب اليمني علي المقري من الأصوات الروائية والشعرية، التي شقت طريقها صعوداً في المشهد الثقافي العربي والعالمي، لما ينطوي عليه منتجه الأدبي من رؤى، بيضة القبان فيها لا تتعلق بالمدرسة التي ينتمي إليها هذا المنتج بقدر ما تتصل بمدى قدرة الكاتب على تلمس أكثر المواضع حساسية وجمالية في البيئة التي يعيش فيها، بامتداداتها الانسانية اللامحدودة.
(الـبيان) التقت المقري، على هامش فعاليات الدورة الثلاثين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب2011، إذ كشف خلال الحوار عن عمله الأدبي الجديد الذي يحضر له، مبيناً أنه «رواية عارية لأجساد محجبة». كما تطرق المقري في حديثه، إلى مجموعة من القضايا، حول حياته الأدبية وأعماله الروائية، ولا سيما (اليهودي الحالي) و(طعم أسود.. رائحة سوداء)، إذ نفدت طبعاتهما منذ الأيام الأولى لـ»الشارقة للدولي 2011».
هل يبحث علي المقري عن الإثارة في اختيار موضوعات أعماله الروائية والبحثية، على غرار (اليهودي الحالي) و(طعم أسود.. رائحة سوداء)، وهل تحولت هذه النوعية من الاختيارات إلى هاجس، أم أنها مجرد مصادفة؟
في الحقيقة إنني كنت أكتب القصة والقصيدة، منذ بداية حياتي، وكان لدي دائما أصدقاء كثر من الروائيين والقاصين والشعراء، وكنت دائماً أتحدث عن أن هناك موضوعين لافتين للانتباه، وهما: موضوع (الأخدام): تسمية للسود في اليمن، والذين يقومون بممارسات غجرية لافتة للنظر. والموضوع الآخر يتعلق باليهود في اليمن.
وكنت أطرح لزملائي القاصين أن هذين الموضوعين مثيران للجدل، لكن للأسف، لم يلتفت أحد للكتابة حولهما، وربما مرد ذلك لأسباب تتعلق بالظروف التي لا تسمح للكتاب بالجلوس طويلاً وممارسة الكتابة السردية، ولذلك بقيت هذه الموضوعات تشغلني باستمرار، حتى عندما كتبت (طعم أسود.. رائحة سوداء)، كنت أريد أن أكتب كتاباً عن (الأخدام). ولم أكن أعرف هويتهم أو حالهم، وماذا يكونون، وما شكلهم؟
وكنت أريد أن أقترب منهم وأكتشف حياتهم وملامحهم ورؤيتهم وتميزهم اللاحدودي، ورفضهم لكل شيء في المجتمع، بما في ذلك رفضهم الاندماج الذي يطالب به بعض رجال السلطة والمجتمع، لأنه حتى بعض دعوات الاندماج تحمل في طياتها ملامح عنصرية في بعض جوانبها.
كيف يستقيم ذلك؟
أي أنك عندما تدعوهم إلى أن يتأقلموا أو يندمجوا فجأة، في ثقافة همشتهم طوال قرون كثيرة، هذا التهميش الذي ظلت بقايا منه في العلم الوطني الذي يحمل اللون الأسود، الذي يعني الظلم والطغيان والاستبداد وإرهاصات المرحلة الماضية، وبينما هم سود يطلب منهم الاندماج، ولكنهم يرفضون، لا بل إن إحدى شخصيات الرواية ترى أنه من الممكن تحنيطهم ووضعهم في متحف للذكرى.
إذ إن ذلك خير لهم من أن يندمجوا في هذا المجتمع الذي همشهم طويلا، أي أنه كان يوجد فعليا خطاب حاد، ولكن هناك خطاباً آخر مسالم يدعو إلى الحوار والاندماج في طبيعة الخطاب الروائي أو الطريقة السردية في الرواية، فهذا المجتمع كان مثيراً للانجذاب إليه، وهذه الحالة تنسحب على اليهود في اليمن أيضاً، فهم فئة مهمشة، تعاني من محنة أو مشكلة الوطن.
وهذه المحنة هي نفسها التي يعاني منها الأخدام، الأمر الذي تحول إلى هاجس بالنسبة إليّ، هاجس الوطن أو محنة الوطن، وهنا الوطنيون بالنسبة إلى الأخدام هم خونة، والوطن خيانة، لأنهم لا يحسون بوطنهم، حيث لا ثقافة بكل مستوياتها الايديولوجية والسياسية، ولا مفاهيم وطنية، لا شيء من كل ذلك يعنيهم، لأن هذه المفاهيم، هذه السلطات، هذه التحولات، لا تقترب منهم. ولهذا فهم يبقون باستمرار خارج سياق كل هذه التحولات، لأنها لا تقترب منهم.
حيث السؤال الأبرز الذي يطرح حولهم هو: من أين جاء هؤلاء؟ هل هم من إفريقيا؟ هل هم من أصول حميرية قديمة؟ لماذا يتمردون؟ ولماذا يعيشون على هذا النحو؟ لكن هذه الأسئلة لا تحاول الاقتراب منهم ومن حياتهم، وبالطريقة ذاتها يعيش يهود اليمن محنتهم التي تتجلى في البحث عن وطن، حيث قد يتحول مجرد البحث عن وطن إلى محنة، ولذلك نسمع شخصية اليهودي الحالي، وتعني الجميل أو المليح باللغة العربية أو في اللهجة المحكية المحلية، وهو يقول لفاطمة:
إنها ليست وطنه، وفي حين نسمع عبارة: وطني حيث أجد حريتي ونفسي، لكن هذه العبارة لا تعني اليهودي الحالي، فالوطن بالنسبة إليه ليس هذا، فالوطن في هذه الحالة يصبح محنة بصفته فكرة وإيديولوجية وجوهر تراكم معرفي، أي أنه لم يعد يتقبل فكرة الوطن نفسها، حيث كانت فاطمة بالنسبة إليه البديل عن الوطن. وهذه الاشكالية ربما اشتغلت عليها في هاتين الروايتين، وربما لن يختلف ذلك في روايتي الثالثة التي ستصدر قريباً.
امتحان الرغبة والكبت
إلى أية مرحلة وصلت هذه الرواية؟
هي في عهدة الناشر.
ماذا عن عنوانها؟
لنترك الأيام المقبلة تكشف عن عنوانها، حيث اعتدت أن أتحدث عن العناوين قبل أسبوع من موعد النشر، لكني يمكن أن أقول إن السارد فيها هي امرأة، لكنها ليست المرأة بحد ذاتها، ولكن ربما هي تجسيد لامتحان الرغبة وامتحان الكبت الموجود في عالم يلفه الحصار، ومنهمك في التأقلم مع هذا الحصار من قبل المرأة، حيث يتراكم عالم من كبت الرغبات في مجتمع يدعو إلى الجهاد، في مشهد يبرز فيه تحالف السلطة مع الجماعات الجهادية، ويبحث المرء فيه عن كيف يمكن له أن يبكي بحرية. إنها رواية عارية لأجساد محجبة.
كما قال أحد الأصدقاء، رواية ربما يرى آخرون أن فيها جرأة وعرياً، لكن ليس هذا هو الموضوع، حيث يمكن لأي روائي أن يتناول الجنس، لكن الجنس في هذه الرواية هو الموضوع، ليس من باب البحث عن الحب، لأن الجنس في هذه الحالة مطلوب بذاته بوصفه رغبة في إطار جسد يعيش الحرمان، ويبحث عن تحقيق ذاته في ظروف اجتماعية مرعبة وصاخبة، لا تؤدي إلا إلى مزيد من الحصار، إذ كل شيء يشير إلى الرغبة، بينما لا يوجد تحقيق لهذه الرغبة.
ما موضوع الرواية؟
تتناول الرواية العديد من الإشكاليات، مثل موضوع التحقق والوجود في الحياة لبعض فئات مجتمعة، وليس لفئة محددة، وربما أن هذا التحقق يتم بشكل كلي بين اختبار الحياة في الوقت المخصص للحياة وبين الحياة التي يسمونها في لعبة الكرة: الوقت الضائع، ما بين أن تعيش الحياة، وما بين أن تعيش حياة إضافية، في هذا الوقت الضائع تدور أحداث الرواية.
مختبر إنساني
إلى أية فئة اجتماعية ينتمي بطل روايتك الجديدة؟
ليس هناك بطل في العمل المقبل، حيث يبدو لي أن كثيراً من التطلعات ومن المفاهيم والعقائد ليست كما هي في الواقع. ويقول كثيرون إني كتبت (اليهودي الحالي) انطلاقاً من منظور سياسي أو إيديولوجي، لكن في الحقيقة، يتعين على الكاتب أن يبقى على مسافة من السلطة، سواء أكانت هذه السلطة سياسية أم إيديولوجية،.
لأنه إن لم يفعل ذلك، فلن يتمكن من تحقيق استقلالية التفكير والقراءة، لأنه تكون كل المشكلة في موقع المختبر بالنسبة إليه، وليس الانحياز المسبق للآراء والمفاهيم، إذ تتم قراءة أية حالة في المختبر الانساني، الانسان اليهودي أو الخادم أو المسلم أو أي انسان آخر.
وهذا ما حاولت القيام به حتى في روايتي المقبلة، التي ربما فيها مكان للحديث حتى عن التطرف، حيث يتم الاقتراب من المتطرف بحب كي لا ترسمه بصورة كاريكاتورية مباشرة، وإنما تصوره بألوان أكثر عمقاً من الخطوط الكاريكاتورية المباشرة، فأنت ترسم لوحة لمشكلة انسانية ما، في محاولة للاقتراب منها بعيداً عن الخطابية والانتماء الفكري الإيديولوجي.