ما بين ديوان «أحزان كبيرة» ورواية «أرض السودان الحلو والمر»، نطالع مضمون تاريخ أدبي طويل شكل تجربة الكاتب السوداني أمير تاج السر الذي تغلب عنده الروائي على الشاعر، منذ بدأ كتابة الرواية في العام 1988. ويرى هذا المبدع، طبقا لما اكده في حواره مع «مسارات»، ان الشعر انتحر منذ زمن بعيد، وكذا ضاعت هيبة الرواية، مشددا على انه شخصيا، لا يحبذ ان يختار اي عناوين براقة لأعماله.

 

يكتب امير تاج السر، بسهولة وانسيابية، في مجال الرواية التاريخية، حيث تحركه في ذلك عوامل وحوافز المتعة والتمكن. ويتبدى هذا بقوة، كما يشير، حين تلح عليه فكرة ما.

ماذا بعد «صائد اليرقات»؟

كتبت، عقب هذا العمل، رواية اسمها «تعاطف»، ونشرتها في شهر مارس الماضي. وكان عندي رواية مكتوبة من قبل، وهي ضخمة، واسمها «رعشات الجنوب»، اذ صدرت عن دار النشر نفسه، التي تنشر لي عادة. كذلك انجزت أخيرا، رواية تاريخية بعنوان «أرض السودان الحلو والمر»، تحكي عن شاب انجليزي جاء في ثمانينات القرن التاسع للميلاد، إلى أرض السودان، بناء على تحد.

فالقصة تتحدث عن حضور الشاب إلى السودان، وعن كيفية احتكاكه مع المحليين، انها، وكذا قدرته الانخراط في المجتمع، قبل أن يتعلم اللغة العربية ويتقن المفردات المحلية، ذلك إلى أن وصل أرض السودان،. وتتميز هذه الرواية بطابع التشويق، وهو ما يتضح ويبرز جليا من خلال تعامل ذلك الشاب مع المجتمع.

 

تخيلات

ما خصائص الرواية التاريخية التي تكتبها؟

في تجربتي مع الروايات التاريخية أعتبر «مهر الصياح»، من أهم أعمالي. وهي رواية تاريخية تحكي عن سلطنة دارفور في القرن السابع عشر، وترجمت الرواية إلى الانجليزية. ولدي رواية: «توترات القبطي»، استوحيتها من أيام الثورة المهدية، وهي تاريخية بالكامل.

عموما، انا اميل عادة، الى كتابة الرواية التاريخية، ولكنني لا أكتب التاريخ كما يكتبه بعض الناس، بل اتخيله فأدرس الفترة التي ستجري فيها أحداث روايتي. وأود الإشارة الى انني ايضا، أكتب رواية لا علاقة لها بالتاريخ الذي كان موجودا أصلا، فما ابدعه متخيل في حبكته وبياناته.

ما طبيعة الحقائق التاريخية التي تبقي عليها في أعمالك؟

هي محددة ومدروسة بالتأكيد، ويتقدمها هنا: شكل البيوت، معيشة الناس الطيبة، نمط الممارسات المجتمعية ومنظوماتها في تلك الفترة، الموصلات التي كانت موجودة، شكل نظام الحكم. إن هذه المفردات تمثل من وجهة نظري جملة ثوابت وضرورات، وانا اراعي في هذا الخضم، عدم اعادة تقديم الشخصيات الموجودة، كما يفعل بعضهم، كأن يشدد روائي ما، على انه سيكتب في عمله المزمع:

عن شخصية معينة، وبذا نجده يستحضر توليفة وسمات وحياة واعمال الشخصية، بكامل حيثياتها، وفي نموذج نسخة مطابقة مكرورة. وهكذا نرى انه يعيد إنتاجها من جديد. اما بالنسبة لمنهجي في هذا الخصوص، فهو متمايز، اذ لا أعيد إنتاج اي من الشخصيات التاريخية، بل أتخيل شخصية ما، فأضعها في معالجات الرواية التاريخية التي اريد.

تنضح «صائد اليرقات» بالكثير من السخرية. هل تنطبق هذه السمة على تكوين شخصيتك (شخصية ساخرة) ؟

لا تسمح لي حياتي العملية كطبيب، ان اكون متصفا بطبيعة ساخرة في محيط ذلك الوسط (العمل في العيادة او المستشفى) . ولكنني معروف في محيطي المجتمعي الاعتيادي (خارج اطار العمل)، وتحديدا وسط أصدقائي، بحس الفكاهة والسخرية. وينسحب هذا على ماهية اعمالي، فمعظمها مفعم بسخرية كبيرة، ذلك مثل ما هو الحال في: «العطر الفرنسي». وايضا «زحف النمل» التي تتحدث عن مغن أصيب بفشل كلوي، فتبرع له أحد الأعراب بكلية تنضح بالسخرية. وهكذا فأنا أسخر من أشياء مضمنة في نصي، لكن من دون تجريح.

هل توقعت توقف مستوى شهرة ونجاح «صائد اليرقات» حد الوصول فقط، إلى القائمة القصيرة للجائزة العربية للرواية العالمية «البوكر»؟

لا أعتبر الجوائز معيارا للكتابة، لكن عندما دخلت روايتي تلك، القائمة الطويلة لـ«البوكر»، توقعت أن تصل الى القائمة القصيرة. وحين أعلنت القائمة القصيرة، كانت روايتي الأكثر شعبية، وكانت مرشحة بقوة. وانا لست رهين فكرة او اعتقاد اقتران واقع كوني راضيا عن النتيجة في الجائزة، فقط اذا فازت روايتي.

ففي النهاية الفوز له معايير وللمحكمين عدة معايير، ونحن لا نتدخل في المسألة، لكن أعتقد أن كتابي (روايتي) نجح، وهو الأول الذي يترجم إلى الإنجليزية، اذ ترجمه الدكتور وليم هاتشينزن، وسيصدر قريبا، عن دار بيارسون الإنجليزية، ضمن سلسلة الكتّاب الأفارقة.

ما رأيك في فكرة تقاسم كاتبين المركز الأول في «بوكر» العربية، كما حدث في دورة العام الحالي 2011 (ذهبت مناصفة لمحمد الأشعري ورجاء العالم) ؟

لم أحبذ هذه الفكرة، فهي برأيي غير صائبة، اذ أعلنوا أن كل نص من النصوص المرشحة يستحق الفوز بـ«بوكر». فالمستوى متقارب، ولذلك كان على مسؤولي الجائزة، أن يختاروا، فقط احد النصوص المشتركة بالمسابقة، لتحتل المركز الأول.

 

طقوس

كتبت ثلاث روايات في عام واحد. هل ترى أنك غزير الإنتاج؟

بالنسبة لعملية الكتابة، أعتبر انني أسست طريقتي وأسلوبي الخاصين في عوالم الكتابة. ولدي تاريخ حافل في هذا المجال. لذلك لا أعتبرها مسألة شاقة. فإذا ألحت علي فكرة ما. أكتبها فورا. ولكن لا اجد ان واقع كوني انتجت 3 روايات في عام واحد، يجعلني اهلا لأن اسمى كاتبا غزير الإنتاج. فمن الممكن أن أجلس سنتين اوثلاثا، من غير كتابة، ويحتمل ان ابدع، في سنة واحدة، عملين او ثلاثة.

هل تستفيد في أعمالك الروائية، من قاعدة تخصصك العلمي ومجال عملك الحياتي كطبيب؟

حتما. فعمل الطب قدم لي خدمة جليلة جدا، خصوصا في رسم شخصيات اعمالي وسماتها. اذ ترى ان معظمها مستوحاة من عوالم عملي العلاجي كطبيب، ضمن الأماكن النائية. اضافة الى احتكاكي بعدة قبائل وأناس من منابع مختلفة، وعلى سبيل المثال، كنت اود الكتابة، مرة، عن رجل صوفي، وانشغلت في التفتيش عن اسم لهذه الشخصية.

ولكن وجدت الأسماء التي اخترت، تقليدية الطابع، فمسألة الأسماء ليست سهلة، وخلال ذلك إذ بمريض آسيوي، يدخل علي، واسمه «صاحب الشأن مولانا»، فكان هذا هو الاسم الذي استخدمته في روايتي «أرض السودان». وهكذا تجد ان كثيرا من الأسماء في اعمالي، هي لأشخاص عبروا. وانا، بطبيعة الحال، أمين جدا في ما يمس مسألة الشخوص، اذ أخبر صاحب الاسم أني سأستخدم اسمه في روايتي.

وطالما كنت أجد هؤلاء يفرحون بما اقدمت عليه، حتى الأوروبيون منهم، فمثلا كنت استخدمت اسم هيلينا ذا سيلفر، لقناعتي أن الاسم مطابق للشخصية التي تخيلتها، فاعتمدته بعد أن أخبرت صاحبته.

اتهمت عندما اختزلت الاسم في «صائد اليرقات» بـرمز (أ ت)، أن الأحرف اختصار لأسمك. هل هذا حقيقي؟

إذا قلت ان ذلك حقيقي، فمعنى ذلك أن طقوس العري التي كانت تجري، هي طقوسي فعليا. انا اختصرت الأسماء في تلك الرواية، لأنني كتبتها بالمنظور الأمني لبطل الرواية: (عبدالله فرفار)، ذلك انه، وفي سمات شخصيته في العمل، يكتب الأسماء مختصرة. وهذا بينما كان هو الوحيد الذي جاء اسمه كاملا، إذ كان يرى أن كل هؤلاء الناس يرقات لم تكتمل بعد.

قال البعض إنك استغليت شهرة خالك الراحل الطيب صالح واستفدت منها. ما مدى صحة ذلك؟

لو كان هذا صحيحا (اني اعتمدت على شهرة الراحل الطيب صالح)، لكان هو قدمني في كتابة ما، أو حتى لذكرني في حوار معين. ان الحقيقة هي أنني أعتمدت على نفسي، وليس على شهرة الطيب صالح، فأنا انتجت أعمالا غزيرة متقنة، اعتنيت بها بشكل كبير، واستطاعت ان تثبت نفسها واهليتها.

 

تجدد

ما الهاجس الذي يحرك رغبتك وعزمك للاستمرار في الكتابة؟

أعتبر أن الكتابة جرثومة أصابتني ولم أشفَ منها، وهي تتجدد في كل كتاب لدي. ولكن دون ان أكرر نفسي. فكل عمل انجزه، قائم على فكرة مختلفة عن الفكرة الأخرى.

كيف تلخص مضمون إمكاناتك ومهاراتك الإبداعية في مجال تقنيات كتابة الرواية؟

من التقنيات التي استحدثتها في حقل كتابة الرواية، توظيف الشعر في الكتابة السردية، من دون أن أخل بالسرد، اذ وصلت إلى صيغة وفاقية ابداعية، تقع بين الشعر والنثر، تكون جملي معها سردية. ولكنها في النهاية مكللة ومزينة برائحة الشعر. كما أدخلت الأغاني على اعمالي، بطريقة تكمل السرد، وهذا لأنني شاعر في الأصل.

وتجدني اكتب الأغاني والمدائح الصوفية ضمن النصوص الروائية الخاصة بي، وبعدها، وفي صفحة واحدة، استطيع ان احبك خيوط روايتي ومسار احداث شخصياتي في سيرورة وتوقيت اربعة أزمنة، دون الانتقاص من اية سمات تميز وقوة في مضمون العمل.

طالما كنت تكتب الشعر. فكيف تغلب الروائي على الشاعر لديك. ومتى يظهر الثاني؟

بدأت كشاعر. وعندي كتاب شعري اسمه «أحزان كبيرة». كما انجزت مجموعة كبيرة من القصائد، كتبتها قبل أن أتجه إلى الكتابة الروائية. وانتقلت من الشعر الى الرواية في العام 1988. وكنت حينها، طالبا في مصر، ثم انسحبت من عوالم الشعر شيئا فشيئا، وها أنذا الآن لا أكتب الشعر، ذلك بعد أن كنت شاعرا في يوم من الأيام، اذ كتبت، أغنيات عدة، قدمها، مغنون محليون كثر.

تتميز عناوين رواياتك بأنها لافتة وجاذبة.. فكيف تختارها؟

الرواية تولد بعنوانها، وانا لا أبحث عن عنوان. فمثلا «أرض السودان الحلو والمر»، و«مهر الصياح» و«صائد اليرقات»، بنيت في مضمون عناوينها، على ما هو موجود في داخل النص. وبذا انا لا ارتبك أو اتوه في اختيار اي من العناوين لرواياتي، كوني لا ابحث ابدا عن العناوين البراقة.

هل هو زمن الرواية بالنسبة للعرب، أم هي مجرد غزارة بالإصدارات؟

اعتقد انه جرى السطو على الرواية بطريقة بشعة جدا، عربيا، وهذا الكلام قلته سابقا واخذ علي. ولكنني اصر عليه من جديد، اذ ان الرواية صارت مطية، وأي كان اصبح يكتب رواية. وانا بكلامي هذا لا ألغي دور الناس الموهبين في أي زمان. أما قصة ان كل من يجلس يكتب رواية، فهذا أضاع هيبة الرواية، اذ صارت الرواية مثل الشعر، لا يمكن أن يقرأ الإنسان إلا لروائي عرف عنه.