قصص كثيرة تنسجها عذوبة نغمات الناي ووحي دلالاته. بعضها يرتبط بالحزن والآخر بالفرح. ولعل أغربها، تلك التي ذكرت أن أحد الشباب طلب في أمنيته الأخيرة، قبل أن ينفذ الحكم عليه بالإعدام شنقاً، العزف على الناي، ورغم أن طلبه هذا قوبل بالاستغراب، لبى المسؤولون طلبه. وقيل إنه لم يكد ينتهي من العزف، حتى أطلق سراحه، إذ أثار الحزن في قلب أصحاب الحق (أهل الشخص الذي قتله الشاب)، فبادروا بالعفو عنه.
قد يعتبر البعض هذه القصة ضرباً من الخيال، ولكن الحقيقة أن للناي صوتاً مميزاً يثير في النفس الشجن. وكذلك الفرح، بالاعتماد على طبيعة السلم الموسيقي والمقام المستخدم في العزف، ويبقى الناي الذي جمّل وأغنى بصوته، عدداً من الأفلام السينمائية والألبومات الموسيقية، من أهم الآلات الموسيقية، عبر التاريخ. وتبقى نغماته توليفة شجن وحب مؤثرة لا تنفك، تنسج أقنومات (سر الوجود).
«تيكي» و«تيكر»
يعد الناي من أقدم آلات الموسيقة وأبرزها، لدرجة أن البعض بات يعتبره مكملاً للنسيج الموسيقي، ولذلك لا يخلو منه التخت الموسيقي الشرقي، ولا تكاد أي فرقة موسيقية تخلو من عازف الناي، لما لهذه الالة من صوت رقيق، يثير في بعض الأحيان، الشجن، إلى جانب قدرتها على التأقلم مع السلم الموسيقي.
تاريخياً يعد الناي من أقدم آلات الموسيقا الشرقية الهوائية، وتاريخه العريق غارق في الدلالات المعبرة، وبحسب المصادر التاريخية فقد استخدم البابليون وقدماء المصريين آلات النفخ، وقد صوره السوريون القدماء على جدران كهوفهم. ومن أنواعه ما كان يسمى تيكي أوتيكر.
كما كانت لديهم آلات أخرى تدعى تيكو تعتمد اهتزاز قطعة نباتية صغيرة يضعها العازف في فمه عند النفخ في القصبة. ولايزال هذا النوع من طرق العزف في آلات النفخ، مستخدماً بطريقة محسنة في بعض آلات النفخ الخشبية ذات المبسم المزدوج، مثل: المجوز والأوبوا .
كما وجدت صور آلات النفخ في كثير من الآثار القديمة، منها آلة نفخ قصبية طويلة، وجدت صورتها على حجر من اللازورد في مقابر مدينة أور الأثرية في جنوب العراق، ويعود تاريخها إلى عام 2700 ق.م، ويظهر بالصورة قرد ينفخ فيها، وهو جالس تحت شجرة تحيط به بعض الحيوانات، وذلك بينما يضع القصبة في فمه بصورة مائلة (كعازف الناي الحديث).
وكان الاســم القديـــم لهذه الآلة نا (بالأكادية) ونابو (بالكلدانية). وكان النا أو النابو يستخدم في الألحان الحزينة،. وأصبحـــت هذه الكلمـــة تعني الحزن (في اللغة الأكادية). وفي أسطورة عشتار وتموز تندب عشتار (إلهة الحب والحرب) عشيقها القتيل فتقول: لقد أصبــــح قلبي مثل النا (أي الناي) الحزين.
أسماء وسمات وأنواع
يمثل الناي، قصبة جوفاء مفتوحة الطرفين، ويبلغ طولها نحو 40 سنتيمتراً، وفيها ست فتحات صغيرة في وجهها العلوي باتجاه واحد وبأبعاد معينة، وفتحة خلفية عادة ما تثقب حسب نوعية المقام الموسيقي الذي يراد أداؤه. ولهذا تجد أن عازف الناي يمتلك نايات عدة لأداء المقامات الموسيقية العربية المختلفة في أداء العمل الموسيقي الواحد. وللناي أسماء عديدة منها القصبة أو القصّابة، والشبّابة، والمنجيرة. وتختلف هذه الأسماء باختلاف المناطق العربية.
ومن أبرز أنواع الناي (في الشرق): المجوز الذي هو عبارة عن نايين ملتصقين ببعضهما البعض وطولهما واحد، ولكل منهما زمّار (مبسم) خاص به. وأحد النايين يملك فتحة صغيرة لأداء مختلف الأصوات الموسيقية في أحد المقامات العربية. أما الثاني فهو خــال من الفتحات، لتأدية الدرجة الصوتية الأساس للمقام ذاته.
وهناك نوع (الأرغــــول) وهو نـــاي مزدوج شبيـــه بالمجوز، ويوجد فيه مبسم خاص به، وهو منتشر بكثرة في مصر. وثالـــث هذه الانـــواع (الزورنا) الذي يمثل أنبوبة مجوفة، مصنوعة من خشب قاسٍ، كالآبنوس. وتنتهي فتحتها بشكل محفور كالجرس، ومبسمها مؤلف مـــن ريشـــة قصبية رقيقـــة مزدوجـــة. وصوتها قوي صارخ. وهــــي آلة سورية المنشــــأ، ولقبها الأتــــراك بـ الصورناي.
وكما أن للناي أهميته في التخت الشرقي، فهو يحتفظ كذلك، بأهمية كبيرة لدى الفرق الموسيقية الغربية، وقد يختلف بشكله عن الناي العربي، ومن أبرز أنواعه لدى الغرب: (الآولوس) وهو آلة قصبية يونانية قديمة ذات قصبتين، تشبه آلة المجوز العربي، إلا أن قصبتيها ملتصقتان إحداهما بالأخرى، من طرف واحد (من ناحية النفخ)، ومنفرجتان من الناحية الأخرى، وبذا تشكلان زاوية حادة.
وآلتا الآولوس والمجوز منتشرتان منذ القدم في منطقة البحر المتوسط والشرق الأوسط، وكان الآولوس يصنع أحياناً من الخشب أو العاج. وهناك (السيرينكس) الذي هو آلة نفخية تتألف من قصبات عدة (غير محددة العدد) مختلفة الأطوال وغير مثقوبة بفوهات، إذ إن القصبة الواحدة لا تؤدي سوى درجة صوتية واحدة مع توافقاتها، وذلك حسب شدة الصوت.
ويعود أصل تسمية السيرينكس بـ نايات البان، إلى لقب الهة الرعاة الإغريقية بان (طبقاً للأساطير الإغريقية). ويطلق بعض الموسيقيين على السيرينكس اسم المصفار.
وهناك أيضاً (الفلوت) وهي لفظة عامة كانت تطلق قديماً على آلات نفخ قصبية عدة، وهي من أصول الناي السوري والمصري والصيني. وتطلَق الفلوت اليوم على آلة الفلوت الاعتيادية، بنوعيها المستقيم والجانبي. وكذلك (الفلوت المستقيمة) وهي أنبوبة خشبية ذات مبسم أسطواني في إحدى فوهتيها الجانبيتين.
ولها ثماني فتحات صغيرة ذات صمامات (مفاتيح)، واحدة منها في وجهها السفلي لتغيير الأوكتاف، والأخريان في وجهها العلوي، حيث تسد وتفتح كل واحدة، بأصابع النافخ فيها. وكانت هذه الانواع شائعة الاستعمال في القرنين السادس عشـــر والسابع عشر الميلاديين، وكان الفنان لولّي قد أدخلها في الأوركسترا ، مفضلاً اياها على الفلوت الجانبية.
ولا تتوقف أنواع الناي الغربي عند هذا الحد فهي أكثر من ذلك بكثير. ولكل واحدة منها استخداماتها وأصواتها.
الناي والشعر
نظراً لأهمية الناي في التخت الموسيقي الشرقي، فقد أوحى الى كثير من الفنانين والأدباء، لتأليف أعمال خالدة تدور جميعها حوله. ومن أبرزها: الناي السحري لموتسارت. كما ترنم به الشاعر الصوفي جلال الدين الرومي، إمام الطريقة المولوية، في مطلع قصيدته استمع للناي غنّى وحكى .. شفّه البين طويلاً فبكى. وكذلك ترنم به الشاعر اللبناني جبران خليل جبران، في قصيدته أعطني الناي وغن .. فالغنا سر الوجود، والتي قدمتها السيدة فيروز بصوتها الرائع.
كما توجد هناك أيضاً قصيدة عازف الناي التي صاغ كلماتها سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. ولحنت هذه القصيدة على يد الفنان الاماراتي فايز السعيد، وغناها، بشكل جماعي، الفنانون: عبد المجيد عبد الله، راشد الماجد، ميحد حمد.
كتب وألبومات
تعتبر آلة الناي من أكثر الآلات الموسيقية حظاً بين مؤلفي الكتب، فإلى جانب المصادر التاريخية التي بينت تاريخ هذه الآلة، اجتهد عدد من الكتاب والعارفين في الموسيقى، في تأليف عدة كتب عنها، والتي تبين تاريخها وطرق استخدامها وكذلك سبل تطويرها.
ومن أبرزها: كتاب تعليم الناي للمؤلف محمد هاشم بك، كتاب دراسة الناي بالطريقة العلمية للمؤلف عبد الحميد مشعل، كتاب أصول دراسة الناي للمؤلف محمود عفت، الناي وعلم ودراسة آلة الناي وآلة الناي (نشأة الموسيقى وتطورها) للمؤلف رضا بدير، كتاب الأبعاد الصوتية في آلة الناي للمؤلف ياسر الشافعي. وهذا طبعاً الى جانب مجموعة من الأبحاث ورسائل الماجستير والدكتوراه التي اعدت في المعاهد والكليات الموسيقية المتخصصة.
ويعتبر المصري رضا بدير أحد أبرز محترفي العزف على الناي. ومن الذين أتقنوه بتمكن كبير. وشارك في عدد من المهرجانات وفي عضوية مجموعة من الفرق الموسيقية. وأصدر كثيراً من الكتب عن الناي، ويحسب له إصدار أول البوم موسيقي عن الناي الفرعوني، وهو يتضمن سبع مقطوعات موسيقية.
الأولى بعنوان (الناي الفرعوني) وهي عبارة عن مجموعة من الافكار والتخيلات المأخوذة طبقاً لمساحات الصوت الموجودة في ثقوب النايات الفرعونية المعروضة بالمتحف المصري. وقام رضا بدير بعمل نماذج مماثلة لها، بهدف استخدامها في عزف مقطوعات البومه الجديد.
وأما المقطوعة الثانية فهي (كليوباترا) التي تتسم بالطابع الفرعوني نفسه، مع بعض التغييرات في الاداء والجملة اللحنية الفرعونية المعزوفة، والمأخوذة من السلم الموسيقي الفرعوني الموجود في الناي الفرعوني القديم، مع مصاحبة آلة الهارب الفرعونية التي عزفت عليها الانجليزية نيفين تواب. وهناك أيضاً من مصر، من عزف على آلة التيمباني، مثل زين الاشقر، وهي الآلات نفسها التي كانت تصاحب الفراعنة في معزوفاتهم منذ 7000 سنة. وحملت المقطوعة الثالثة عنوان (النوبة) وهي مستوحاة من الموسيقى النوبية القديمة.
وقام رضا بدير باستعمال السلم الموسيقي الخماسي والثلاثي واستخدام الدفوف والايقاعات النوبية بالشكل التراثي المتوارث هناك، في حين سجلت المقطوعة الرابعة (التنورة) بالناي العادي، أو ما يسمى بالناي العربي الفردي، وهي مستوحاة من الفن الشعبي المتمثل في رقصات التنورة، والشائعة في مصر وتركيا، في الاحتفالات الدينية المولوية والصوفية.
كما ضم الألبوم أيضاً مقطوعة بعنوان (روحانيات) وهي تعبر عن الأداء الديني والاداء التعبيري، بارتبـــاط آلة الناي بالتصــــوف الديني، والاداء المولوي الذي ابتدعه التركي جلال الدين الرومي صاحب مذهب المولوية.
وجاءت المقطوعة السادسة بعنوان (دموع البلبل)، وهي من مؤلفات الموسيقار الراحل أحمد فؤاد حسن، ولهذه المقطوعة طابع خاص وهو الكونشيرتو من النوع الصغير الذي يبين مهارة اداء العازف واستخدامه لأداء السلم الكروماتيك في العزف، اضافة إلى السرعات الفائقة في العزف، وأخيراً ضم الألبوم مقطوعة (كونشيرتو الناي) .
وهي من مؤلفات الموسيقار عطية شرارة، وهذا الكونشيرتو مكون كالعادة، من ثلاث حركات بطيئة ومتوسطة وسريعة ومتدفقة، وهي تبين مهارة عازف الناي، وذلك بمصاحبة الأوركسترا السيمفوني. والكونشيرتو يحكي قصة يقوم ببطولتها عازف الناي.