ما أشبه اليوم بالبارحة في حياة الفلسطيني، فإثر الاحتلال الصهيوني لبلاده، وبينما كانت الوكالة الدولية لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، قد بادرت في خمسينات القرن الماضي، ببناء شاشات اسمنتية للعرض السينمائي في مختلف مخيمات اللجوء، ها هي تجربة الجمعية الفلسطينية للفنون السينمائية التي يترأسها يوسف الديك ويوسف الشايب، تعيد الكرّة، ذلك أنها تقوم كذلك على فكرة السينما النقالة، لكسر العزلة بين الأماكن الفلسطينية.

 

في هذا الحوار الذي أجرته (البيان) مع الناقد الفني الفلسطيني يوسف الشايب على هامش مشاركته في ندوة النقد المسرحي التي عقدتها الهيئة العربية للمسرح أخيراً في الشارقة، لم يكن سهلاً ضبط إيقاع المحاور المراد التحاور حولها، ولكن الثابت هو تأكيده على ضياح ناموس وسيرورة التزام الحالة الثقافية الفلسطينية، راهناً، بفعل تحكم الممولين من الدول الغربية.

وكان من الطبيعي، في الحوار مع الشايب، أن يختلط الشأن الثقافي بالسياسي والخاص بالعام في مشهد لا تزال مفرداته تعيش صيرورة تبلورها ببطء يعتريه الكثير من الشوائب الموضوعية والذاتية كذلك.

والتي تقف حائلاً أمام المضي قدماً في الكثير من أوجه الحياة الثقافية الفلسطينية، بدءاً بالأدب والشعر، وليس انتهاء بالمسرح، ومروراً بالسينما الفلسطينية، التي يلفت الشايب الى أنها باتت تنفلت من عقال القضية الوطنية، فاتحة لنفسها أفقاً آخر، نحو العوالم الفردية للمبدع الفلسطيني.

 

حالة غياب

ما مدى سقف الحرية المتاح أمام حركة النقد الفني عموماً والمسرحي خصوصاً في فلسطين؟

ظهر المسرح الفلسطيني في مطلع القرن العشرين، وكانت أول مسرحية فلسطينية تعرض لسعيد عزت دروزة، كتبها عام 1912، لكنها لم تعرض على خشبة المسرح إلا في مطلع العشرينات من القرن الماضي، أي أنه كان هناك مسرح في هذه الفترة، لكن بالرغم من أن الكثير من القائمين على نشر المجلات والصحف في مدن فلسطين التاريخية، مثل يافا وحيفا، هم الذين أسسوا العديد من الفرق المسرحية، إلا أنه لم يكن يواكب عمل تلك الفرق حركة نقدية في وسائل الإعلام الفلسطينية آنذاك.

وهذا الوضع استمر حتى الوقت الحالي، حيث لا يمكن الحديث عن ناقد مسرحي متخصص ولا ناقد فني، فالمسألة برمتها هي عبارة عن محض انطباعات يكتبها أناس مهتمون قاموا بتطوير أنفسهم، وذلك ناجم عن مشكلة تتمثل في أن الفلسطينيين لا يدرسون النقد بكل أنواعه، بينما لا تبدي وزارة الثقافة الفلسطينية.

ولا المؤسسات الفلسطينية العاملة في حقل المسرح، اهتماماً بالعقول الفنية عموماً لتطوير حركة نقدية فلسطينية متخصصة، ولا يوجد أيضاً اهتمام عربي بتطوير حركة نقدية في فلسطين تنهض بالمسرح، وبالتالي، فإننا لا نتحدث هنا عن حريات، فالحريات متاحة والصحافة الفلسطينية يمكن أن تستقبل أي مقال، حيث ليس هناك ضوابط أو موانع في هذه الأمور، ولكن المشكلة تكمن في أنه لا يوجد لدينا نقاد.

إذاً نحن نتحدث عن نهج انطباعي في النقد المسرحي في فلسطين وليس عن مدرسة نقدية بعينها..

طبعاً، فمن يكتبون في النقد يكتبون انطباعاتهم بالمجمل، لا يوجد هناك من درس النقد كعلم، وهناك اعتراف بالتقصير على هذا الصعيد، لا سيما وأن الفنون الفلسطينية تحمل القضية الفلسطينية للعالم، ولن يتطور أي فن دون حركة نقدية متطورة وتطوير حركة نقدية سيؤدي بالضرورة إلى نشر ثقافة وحضارة وقضية الفلسطينيين في العالم وهذه مهمة العرب وقضيتهم جميعاً، وليس الفلسطينيين وحدهم.

بالنسبة لي، أستطيع القول إني أمتلك ناصية النقد، لأن المدارس النقدية تستطيع التعامل مع جميع الفنون التعبيرية أو الأدائية، وبالتالي، فإنك عندما تتعامل مع المشهدية السينمائية تستطيع أن تتعامل مع المشهدية المسرحية ومع المشهدية في الرواية، ولكن في فلسطين عموماً لا توجد حركة نقدية متبلورة.

وهذا ما نطلبه من الجميع، سواء في الهيئة العربية للمسرح أو في المهرجانات السينمائية في الوطن العربي، أو من المهتمين بالفن التشكيلي، أي أن تقوم هذه الجهات وغيرها، بتأهيل كوادر متخصصة بالنقد في فلسطين وغيرها من البلدان العربية، واعتقد أن الأمور تسير في هذا الاتجاه. فنحن في فلسطين نعاني مشكلة أنه ليس هناك نقد أكاديمي، ولكن هناك نقد انطباعي، وحتى النقد الانطباعي لا يكتب فيه إلا اسم او اثنان.

وبالتالي هناك مأزق في الصحافة الثقافية بشكل عام، لأن فلسطين بؤرة ملتهبة بالأحداث ومعظم الصحافيين يتجهون نحو الخبر السياسي بالدرجة الأولى والخبر الميداني، وبالتالي فإن عدد الصحافيين المهتميين، والذين يكتبون في الشأن الثقافي قليل ومحدود للغاية. وأتحدث هنا عن الصحافة الثقافية، وليس النقد فلدينا أزمتان، أزمة نقاد وأزمة صحافيين متخصصين بالشأن الثقافي.

وهي مرحلة ما دون النقد، وسببها بسيط. وحتى اهتمام الصحف الفلسطينية بالثقافة، ضعيف، باستثاء جريدة «الأيام» في ملحقها الثقافي الذي يصدر كل ثلاثاء، فقط هذا كل ما يمثل الصحافة الثقافية في فلسطين، خاصة بعد إغلاق مجلة «الكرمل» التي كان يشرف عليها الشاعر الراحل محمود درويش، وإغلاق مجلة «الشعراء» وإغلاق «أقواس»، وحتى الجريدة «الثقافية الفنية» التي كانت تصدر عن وزارة الثقافة نفسها، وحتى الملحق الثقافي في «الأيام» تأثر بسبب الضربات الاقتصادية المتلاحقة فخفض إلى صفحتين اسبوعياً، فالأولوية للخبر السياسي.

وايضاً خصوصية الأوضاع في فلسطين جعلت الخبر السياسي والخبر الميداني، يطفو على السطح على حساب الخبر الثقافي، وبما أن الصحافة الثقافية هي النواة لتأسيس حركة نقدية، فإن هذه الحركة النقدية لم تر النور في فلسطين بعد.

 

أزمة

ألا ترى تناقضاً في عدم تبلور حركة ثقافية نقدية مع هذا الانتشار الواسع للقضية الفلسطينية، التي باتت منبراً ثقافياً لكثير من المثقفيين الفلسطينيين، وجسراً عبروا من خلاله إلى عالم الشهرة؟

في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، كان كثير من الجوائز، في السينما والأدب والمسرح، يمنح للفلسطينيين كونهم فلسطينيين، لكن هذه المعايير اختلفت حالياً في العالم، وبدأ الفلسطينيون يثبتون أنفسهم كمبدعين حقيقيين، لكنها مبادرات فردية غير ممأسسة، ومثال على ذلك السينما الفلسطينية، فليس هناك صناعة سينما في فلسطين، كما الحال في مصر، على سبيل المثال.

بل هناك تجارب فردية يتم تمويلها غربياً، والتي لو أردنا تصنيفها وفق المعايير الدولية حسب الجهة المنتجة التي هي صاحبة الفيلم، فلا يمكن أن نعتبرها فلسطينية، ولكننا نعتبرها فلسطينية تجاوزاً، لأن موضوعها ومخرجها وكاتبها فلسطيني، ومن أبرز هذه التجارب الفردية، تجربة ميشيل خليفي ورشيد مشهراوي وايليا سليمان وهاني أبو أسعد وشيرين دابس ونجوى نجار وغيرهم، ومرد ذلك غياب النقابات، فلا توجد جمعية تجمع السينمائيين.

كما هو الحال مع المسرحيين، فلا يوجد مأسسة ولا صناعة ثقافية، وهذا ما قاله فرانسوا أبو سالم، في حوار أخير بيني وبينه، قبل وفاته، إذ أكد أن فلسطين الآن تعيش مرحلة التنمية الاقتصادية على حساب الروح الثقافية، وذلك ارضاء لأجندات الدول الغربية الممولة لتلك المشاريع الاقتصادية، وربما هذا ما دفعه للانتحار. والآن مجمل المسرحيات لا تتحدث عن فلسطين، إلا على الهامش، لأنها ممولة غربياً .

وبالتالي مجمل المسرحيات مستوحاة من نصوص غربية إما كلاسيكية أو حديثة غربية قادمة مع الجهة الممولة الدنمارك، النرويج.. وأحياناً تفرض الجهة الممولة على الفرق المسرحية الفلسطينية التي تقدم هذه الأعمال أن يكون المخرج من السويد أو إيطاليا أو أميركا أو غيرها. وأحياناً تفرض عليها أن يكون العمل مشتركاً ما بين ممثليين فلسطينيين وممثلين من الولايات المتحدة على سبيل المثال.

ماذا عن حالة حضور المبدع الرمز في الساحة الثقافية الفلسطينية؟

محمود درويش تحول إلى رمز، لأنه كان شاعر القضية الفلسطينية، وفي مرحلة لاحقة لأنه تفوق شعرياً بالناحية الجمالية، لكن الآن رغم أهمية شاعر مثل سميح القاسم، لم يعد هناك رمز شعري فلسطيني بعد رحيل محمود درويش. ولكن في السينما هناك بعض الرموز الذين صنعوا أنفسهم بأنفسهم،.

ولذلك، فإن المطلوب هنا تدخل عربي عاجل وشامل، لإنقاذ الحالة الفلسطينية الثقافية على مختلف الصعد، وهذا من شأنه تنمية وتطوير الصحافة الثقافية والنقد، بمختلف أصنافهما، فلا يجوز أن يكون هناك ناقد سينمائي يجرب في المسرح، بل يجب أن يكون هناك نقاد متخصصون في المسرح، في الفن التشكيلي، في الأدب وفي السينما.

ماذا عن تجربة المهرجانات الفنية في فلسطين؟

هناك حركة نشطة في فلسطين على جميع الصعد، وخصوصاً في مدينة رام الله التي تحولت، بفعل وجود مؤسسات السلطة الفلسطينية فيها مؤقتاً، إلى عاصمة إدارية واقتصادية وثقافية، وهذا كان على حساب المدن الأخرى في فلسطين. وكان الحراك الأبرز هو على مستويي الأدب والسينما.

وبالتالي أوجدت مهرجانات سينمائية استطاعت الوصول إلى درجة ما من العالمية، كمهرجان (القصبة) السينمائي، الذي لم يستطع بناء ذاته بذاته، وكان يعتمد على التمويل الأجنبي، وحين توقف التمويل هذا العام انهار المهرجان تماماً.

ولم ينظم. وبالتالي توقف عند دورته الخامسة، وهناك مهرجان (شاشات) لسينما المرأة وهو المهرجان العربي الوحيد المتخصص بسينما المرأة، والذي يقام سنوياً. وهو المهرجان الثاني في العالم العربي، بعد مهرجان (السلام)، وذلك من جانب الأقدمية.

 

« تل الزعتر»

هل لديك اهتمام بكسر الحاجز القائم بين مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات؟

طبعاً لدينا اهتمام، والدليل على ذلك أنه يجري حالياً الاستعداد لنقل (مهرجان إنسان السينمائي)، الذي ابتدأ في رام الله، وانتقل إلى مخيم بلاطة للاجئيين في نابلس، ومن ثم البلدة القديمة في نابلس.

بينما يجري الاعداد والتحضير لنقله إلى مخيمي صبرا وشاتيلا في لبنان، وهذا المهرجان هو مهرجان سينمائي فلسطيني يرمي الى نقل المعاناة الفلسطينية للعالم، وتجسيدها على انها جزء من معاناة العالم. ولكن لدينا عبء آخر، وهو الاحتلال والفيلم الفلسطيني المشارك في هذا المهرجان هو فيلم (تل الزعتر) للمخرجة نبيهة لطفي.