تميز الموسيقي الروسي البارز، بيتر ايليتش تشايكوفسكي ( 1840 - 1893)، على صعيد العالم، واتصف بانه موسيقي تشاؤمي مصاب بالكآبة والعسر العاطفي، كما يُشاع عنه. ويؤكد كثير من البحاثة، ان أزمته العامة لا تنفصل عن واقع كونه موسيقيا فريدا من نوعه، فعوامل العزلة والاضطراب النفسي والفقر شكلت وجدانه وجعلت ألحانه ثائرة، وكذا حزينة ومضطربة تعتصر المستمع وتتركه منهك الأعصاب، وايضا غارقاً في فلسفة الحياة والموت.
تظهر عناوين أعمال تشايكوفسكي، الذي يبقى قامة مهمة ولا يعلى عليها في مجال الابداع الموسيقي، تظهر مدى الحسّ الشاعري الجارف والعواطف الفياضة، ويومياته ترينا معاناته من اضطرابات عصبية ونفسية عنيفة زادها الهجوم العنيف من قبل النقاد، الذين وصفوا مؤلفاته الأولى بأنها ضعيفة البناء الموسيقي ولا تعبّر عن الروح القومية الروسية.
مما أدى إلى إسقاط اسمه من الخمسة الكبار الممثلين للموسيقى القومية الروسية. ولكن الحقيقة هي أن تشايكوفسكي، وإن لم يتزعم المدرسة القومية في الموسيقى الروسية، كان يحبُّ وطنه بطريقته الانفعالية المضطربة.. حب بلا شعارات وبلا أهداف مباشرة.. فهو لا يختار لحناً شعبياً لإبراز قوميته، بقدر ما يختاره لأنه يحبه ولأن التعبير الجمالي لديه يفوق أية أهداف أخرى.
اكتئاب شديد وانهيار عصبي، اصابا تشايكوفسكي، في شتاء عام 1875 ، وهو ما اضطره للسفر إلى فرنسا للعلاج، حيث ازدادت أوهامه النفسية، فكتب:" إن النهاية أوشكت لا محالة! ولا يمكن أن تستمرّ الحياة بي أكثر من ذلك".
لم يمنعه هذا التشاؤم من أن يستغل وجوده في فرنسا ليقوم بجولة في مدن أوروبا، فيستمع خلالها إلى موسيقى فاغنر، وكذلك ليقدم موسيقاه في فيينا التي وقف جمهورها يصفر، استخفافاً بموسيقاه الرائعة "روميو وجولييت"، وهو الامر الذي زاد من جراحه النفسية.
كان تشايكوفسكي في الأربعين من عمره، حين اقدم على مجازفة غريبة، حيث تزوج فجأة، متعللاً بأنه يريد الخضوع للعلاج من الأمراض النفسية والعصبية، التي يعانيها، لكنه، وسريعا، فرّ من عوالم مؤسسة الزوجية، إذ هرب بعد تسعة أسابيع في حالة من الرعب والتمزق، إلى بطرسبورغ، حيث أصيب بحمى طالت دماغه فعرضت حياته للخطر.
هكذا كانت المرأة، دائماً، مصدراً لتعاسته واضطرابه النفسي، فأمه ماتت بالكوليرا وتركته للوحدة. وكذلك الزوجة التي ارتبط بها لم يشعر تجاهها بأي حب. فأصبح يبحث عن السعادة في موسيقاه الجارفة، وبعيدا عن المرأة، خلال هروبه إلى الريف حيث الهدوء.
كان التحول الحاسم في حياة تشايكوفسكي، حين تعرّف على السيدة ناديا فون ميك، من خلال المراسلة، ورغم أنهما لم يلتقيا أبداً إلا أنها أصبحت أمه الروحية وملهمته وكذا أقرب الناس إليه، فكانت تلك السيدة النبيلة أشبه بإسطورة مختفية عن عينيه، إذ ادركت أبعاد مأساته، فبادرت بشراء مؤلفاته نظير أجور كبيرة كوسيلة مهذبة لمساعدته،.
ومنحته مبلغاً مالياً سنوياً، يكفيه للتفرغ الكلي للموسيقى والعلاج، وكذا ارتبطت معه في قصص تصل إلى حد الخيال، دون أن تراه أبداً. واستمرت هذه العلاقة الحميمة إلى أن غدا تشايكوفسكي مؤلفاً مرموقاً، وتحول خلالها إلى إنسان آخر: كريم، سخي، محب للحياة، ينفق المال بسهولة.
وكانت هذه سماته لدرجة أنه كان يساعد جميع الموسيقيين الفقراء في موسكو، بلا استثناء، وأما ذروة المجد فرسخت وتجسدت من خلال جولاته في أوروبا، وحين تلقى عرضاً نادراً لقيادة مجموعة حفلات، في ست مدن أميركية رئيسية، وهو عرض لم يحظ به أي موسيقي روسي من قبل. وفي ذروة هذا النجاح يأتيه خطاب من أمه الروحية «ناديا فون ميك»، تخبره بأسلوب جاف، أنها على حافة الإفلاس، وأنها لن تواصل إرسال مكافأته السنوية.
وكانت آخر كلماتها «لا تنس. وفكر بي كلما سنحت الفرصة». كان هذا الخطاب كارثة.. فالشيء الوحيد الذي يسعده تخلى عنه فجأة، فكتب لأحد أصدقائه: "كان النجاح كاملاً، لم أتمنّ أكثر من ذلك.. ولكني مع ذلك أشعر بالكآبة تغمرني، ولا أحس بغير الحزن والمرارة".
وتتوالى المصائب على تشايكوفسكي، فيأتي وباء الكوليرا ويستسلم له، متخلياً عن حياته في رعونة مريضة، فيعلق أخوه مودست: «إن سر معاناة أخي وآلامه، يكمن في رد الفعل الذي يشعر به عند الحصول على نجاح وشهرة».