مرت، في الحادي عشر من شهر نوفمبر الماضي، الذكرى السادسة لرحيل المخرج السوري مصطفى العقاد ( 1935 ـ 2005 )، حيث لم يسبق لشخصية عربية سينمائية أن دخلت الحيز العالمي كما دخلها المخرج السوري (الأصل) الأميركي (الجنسية)، مصطفى العقاد، الذي لمع اسمه باكراً في عاصمة السينما العالمية هوليوود، كواحد من أهم المخرجين، وذلك من خلال عدة أعمال متتالية، شكلت إضافة هامة إلى تاريخ الفن السابع، وتلك الأعمال لم تخلُ من أبعاد حضارية وظف فيها العقاد انتماءه الفكري لخدمة فلسفته السينمائية.

عندما قدم العقاد رائعته (الرسالة) منتصف سبعينات القرن الماضي، بالنسختين الانجليزية والعربية، قال:».. كان موضوع الفيلم شخصياً بالنسبة لي.. شعرت بواجبي كمسلم عاش في الغرب، أن أقوم بذكر الحقيقة عن الإسلام. هناك فقط القليل المعروف عنه مما فاجأني.. لقد رأيت الحاجة الى أن أخبر القصة التي ستصل بين ضفتي هذا الجسر...».

أنتج العقاد، إضافة إلى أفلامه الثلاثة، مجموعة أفلام أخرى، منها: (موعد مع الخوف) للمخرج آلان سيمث و(توصية مجانية)، حيث كان مجال الإنتاج أكثر المجالات التي أخذت من وقته وعمله، اذ لم يقدم كمخرج، سوى ثلاثة أفلام.

 

رؤية ومشروع

يوضع اسم العقاد ضمن أكثر الأسماء العربية شهرة في العالم، وأبرز الشخصيات الثقافية التي دافعت بقوة وكثرة عن القضايا العربية في الخارج، وأيضاً التي قدمت الفكر الديني الإسلامي الصحيح. وكان حلم العقاد في حياته، إنشاء مدينة عربية للإنتاج السينمائي ليصنع فيها فيلماً كل سنة، عن تاريخ العرب والمسلمين، إذ كانت أفلام العقاد موجهة بالدرجة الأولى إلى المشاهد الغربي لا العربي.

حيث ركز على القضايا ذات الأثر الفكري القوي، وكانت شخصية صلاح الدين هي الشخصية التي يرغب تقديمها سينمائياً، إضافة إلى شخصيات أخرى، مثل (صبيحة الأندلسية، ومحمد شامل الشيشاني).

سيرة حافلة

ولد العقاد في مدينة حلب في العام 1935، لأسرة متوسطة. وتلقى تعليمه الإعدادي والثانوي في مدينته، ومجرد إنهائه مرحلة التعليم الثانوي، بدأ اتجاهه نحو الفن السابع فسافر إلى الولايات المتحدة الأميركية لدراسة السينما في كاليفورنيا عام 1954، وتخرج بعد أربع سنوات، ليبدأ رحلة البحث عن عمل بين الشركات السينمائية، إذ رفضت سبعة استوديوهات ضخمة، وكذا معظم محطات التلفزة ووكالات الإعلان، توظيفه.

بدأ العقاد، في العام 1962، العمل في مجال الإخراج والإنتاج والتمثيل، ليبزغ نجمه وشهرته بفعل كده وموهبته. وبلغت شهرته أوجها عند إخراجه فيلم (الرسالة) عام 1976، إذ ناقش الفيلم موضوع الرسالة الإسلامية بأسلوب رصين وازى فيه العقاد بين المرجعيات وآراء رجال الدين الإسلامي، ليقدم أهم تحفة سينمائية فنية عالمية عن الإسلام، قدمت أيضاً بالنسخة العربية (من بطولة عبد الله غيث ومنى واصف).

وفي عام 1981 تعززت هذه الشهرة بتقديمه فيلم (أسد الصحراء)، الذي تناول فيه سيرة المناضل الليبي الشهير عمر المختار، فاضحاً من خلاله السياسات الاستعمارية الغربية، وممارسات الاحتلال الإيطالي في ليبيا، وولادة الثورة من رحم الصحراء، وهو الفيلم الذي وجهت إليه انتقادات كثيرة.

وأنتج العقاد بين عامي 1978 و2002 سلسلة أفلام هالوين (ثمانية أجزاء)، حيث اعتبر المنتج المنفذ العالمي الوحيد لها، وهي سلسلة أفلام الرعب التي تعتبر من أهم ما أنتج في التاريخ، من أفلام الهوس النفسي والجريمة، والتي أخرجها مجموعة من كبار المخرجين في هوليوود، أمثال :جون كاربنتر، ريك روزنتال، توم لي والاس.

 

جسر «الرسالة»

عند إخراجه فيلم «الرسالة»، استشار العقاد علماء الدين المسلمين لتفادي اظهار مشاهد أو معالجة مواضيع قد تكون مخالفة لتعاليم الدين الإسلامي. وهو رأى الفيلم كجسر للتواصل بين الشرق والغرب، وخاصة بين العالم الإسلامي والغرب، بهدف اظهار الصورة الحقيقية عن الإسلام. وفي هذا الخصوص، قال الراحل العقاد، في مقابلة أجريت معه عام 1976: «لقد عملت الفيلم لأنه كان موضوعاً شخصياً بالنسبة لي، شعرت بواجبي كمسلم عاش في الغرب بأن أقوم بذكر الحقيقة عن الإسلام».

وأنتج العقاد هذا الفيلم من نسختين، واحدة بالعربية وأخرى بالإنجليزية، وكانت العربية من بطولة عبد الله غيث في دور حمزة بن عبد المطلب، وأما الإنجليزية فمن بطولة أنطوني كوين في الدور نفسه. والبطولة النسائية للممثلة السورية منى واصف، في دور هند بنت عتبة.

وأدت الممثلة العالمية أيرين باباس الدور نفسه في النسخة العالمية. وبلغت تكلفة إنتاج الفيلم، للنسختين العربية والأجنبية، حوالي 10 ملايين دولار أميركي، وحققت النسخة الأجنبية وحدها، أرباحاً تقدر بأكثر من 10 أضعاف هذا المبلغ، وقد ترجم الفيلم إلى 12 لغة، ومولته الحكومة الليبية آنذاك.

وعمل على كتابة سيناريو (الرسالة) نحو ستة كتّاب، أبرزهم الإيرلندي الشهير هاري كرايغ الذي كتب سيناريو لورنس العرب، كما كتب لاحقاً النسخة الإنجليزية لفيلم عمر المختار، حيث عمل كرايغ لانجاز سيناريو الفيلم، في فندق «نيل هيلتون» بالقاهرة لمدة سنة كاملة، متعاوناً في ذلك مع عبد الحميد جودة السحار وتوفيق الحكيم وأحمد شلبي وكاتبين آخرين من طرف الأزهر.

وأعد الموسيقى التصويرية للفيلم الموسيقار الفرنسي الشهير موريس جار، وهو نفسه صاحب موسيقى فيلمي:» لورنس العرب «، «عمر المختار». ولعب عدد من الممثلين في ليبيا، أدواراً متفاوتة، كعبد الفتاح الوسيع في دور عبادة.

ومحمد الساحلي في دور التاجر المرابي، وعمران المدنيني الذي لعب دور سهيل بن عمرو، وظهر في لقطة صلح الحديبية مفاوضاً باسم قريش، ولكن أهم هذه الأدوار تلك التي لعبها الفنانان الليبيان علي أحمد سالم في دور بلال بن رباح، وسالم قدارة في دور وحشي قاتل حمزة.

 

جدل

وافق الأزهر على سيناريو فيلم الرسالة في نهاية السبعينات من القرن الماضي. واعتبر أن المحظور تجسيدهم في الأفلام السينمائية هم فقط العشرة المبشرون بالجنة، وليس من بينهم حمزة، إلا أنه تراجع عن هذا الموقف، حيث قال أمين عام مجمع البحوث الإسلامية، رجب بيومي، عن أسباب منع الفيلم:

«هذا الفيلم تم فيه تجسيد شخصية حمزة، عم الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام، وهو من أهل الجنة». وقال العقاد في حديثه عن الصعوبات التي واجهته في الفيلم: «في فيلم الرسالة واجهتنا صعوبة في الكشف عن وجوه كل من الرسول ، وخلفائه الراشدين، ولم نستطع إظهار صورهم، ولا أصواتهم، ولا حتى ظلالهم، طوال أحداث الفيلم، لما في ذلك من حساسية عند جمهور المسلمين.

وبالتالي كانت ثمة صعوبة في وضع شخصية محورية في السيناريو يتتبعها المشاهد، وخاصة الغربي المتعود على بطل في أفلامه، فما كان منا إلا أن اخترنا حمزة، ولكنه قتل مبكراً في معركة أحد، ليترك لنا فراغاً.

واجه فيلم (الرسالة)، مشكلة المنع من العرض في الدول العربية، حتى وقت قريب، حيث بدأت قنوات التلفزيون الفضائية بعرضه. وتم تكريم المخرج السوري العالمي مصطفى العقاد، في أكثر من مهرجان، في دمشق وحلب، وسلم جائزة خاصة باسم مصطفى العقاد، في مهرجان دمشق السينمائي الدولي، وعلى الرغم من انتشار الفيلم على أشرطة الفيديو والأقراص المدمجة في العالم كله. بقي يمنع في عدة دول عربية، او سمح بعرضه لكن تحت مقص الرقابة.

 

عقبات

جرأة الفيلم وطرحه الشجاع لقضايا تعد من المسكوت عنها، كانا أديا لتشكل المعارضة القوية له، وخاصة من الجانب السعودي، سعيا لوقف عرض الفيلم الذي كان بدأ تصويره في المغرب، وذلك بعد 6 أشهر من الشروع فيه، وتمويل ليبيا للمشروع والمساهمة في إخراجه إلى النور.

وبضغوط دينية سعودية، ألزمت المغرب بالانسحاب من المشروع، فاضطر فريق عمل فيلم الرسالة الذهاب إلى الصحراء الليبية لتكملة الفيلم. وبالفعل أُكمل الفيلم في ليبيا، وجرت أحداثه في الصحراء الليبية، وخاصة معركتي بدر وأُحد، في مدينة سبها، في قلب صحراء الجنوب الليبي، والبقية مثلت في ضواحي العاصمة الليبية طرابلس.

 

«أسد الصحراء»

« Lion of the Desert»: (اسد الصحراء)، عنوان فيلم عمر المختار، الذي سميت النسخة العربية منه باسم (عمر المختار)، وهو فيلم تاريخي أنتج في عام 1981، من بطولة أنتوني كوين، الذي قام بأداء دور القائد الليبي عمر المختار في محاربة جيش موسوليني، قبيل الحرب العالمية الثانية.

وبدأ تصوير الفيلم في 4 مارس 1979م، في منطقة صحراوية تبعد 64 كم عن مدينة بنغازي، في ليبيا، وأيضاً في منطقة الواحات، قرب من مدينة اوجلة، وفي الجبل الاخضر شرق ليبيا، علماً أن معظم مواقع التصوير كانت هي مواقع الأحداث الحقيقية، وانتهى في 2 أكتوبر من نفس العام.

وتم أول عرض عالمي للفيلم يوم 4 أبريل 1981 م في دولة الكويت، كما عرض في الشهر نفسه في الولايات المتحدة الأميركية وأجزاء أخرى من العالم.

وقد اشترك في الفيلم ما يقارب 250 ممثلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليونان ويوغسلافيا واسبانيا، وايضا مالطا ومصر ولبنان وتونس والسودان وسيرلنكا، بالإضافة إلى أكثر من 5000 شخص من الممثلين المساعدين. وبلغت ميزانيته حوالي 30 مليون دولار أميركي.

موسوليني وعمر المختار.. فنياً

تبدأ قصة الفيلم مع موسوليني زعيم إيطاليا الذي يرسل أقوى قادته: (غراتسياني)، لقمع قوات عمر المختار التي هزمتهم في معارك عدة. وبعد وصول غراتسياني إلى بنغازي يرسل أول فرقة مقاتلة، لكنها تهزم، ثم يقوم بفتح أبواب السجون ويرسل ديوديتشي للتفاوض مع عمر المختار، الا ان الاخير يكتشف فيما بعد، أن غراتسياني كان يريد الوقت لالتقاط أنفاسه.

وفعلاً أنزل غراتسياني إمداداته من الدبابات إلى الصحراء، وتمكن من احتلال الكفرة، وفيما بعد وفي معركة آخرى انهزمت قوات غراتسياني هزيمة نكراء على يد عمر المختار، فقام القائد الايطالي غراتسياني ببناء الأسلاك الشائكة، وفي إحدى المرات نصب كميناً لقوات عمر المختار.

حيث تمكن الايطاليون من أسره. وتبرز في الفيلم لقطة تعبيرية مهمة، حيث تسقط نظارة عمر المختار على الارض، بينما كان يتحرك نحو المشنقة لتنفيذ حكم الاعدام، ولكن صبياً ليبياً يسرع ليلتقط النظارة ويحتفظ بها، ويدلل ذلك على استمرار روح ونهج عمر المختار.

ويتم تصوير اللقاء الذي جرى بين عمر المختار وغراتسياني، في الفيلم، ليعقبه المحكمة التي انتهت بالحكم على عمر المختار بالإعدام شنقاً أمام شعبه، وتم ذلك، وينتهي الفيلم وعمر المختار يردد : (نحن لن نستسلم ... ننتصر أو نموت ... سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه. أما أنا فإن حياتي ستكون أطول من حياة شانقي).

 

فيلمان لم يكتملا

توفي العقاد في 11 نوفمبر 2005 مع ابنته ريم ضمن ضحايا الانفجار الذي حصل في فندق غراند حياة - عمان. كانا قد حضرا إلى عمان لحضور حفل زفاف أحد الأصدقاء. حصل الانفجار، الناتج عن عملية انتحارية، لحظة وجود العقاد في بهو الفندق واستقباله لابنته القادمة للتو من السفر، توفيت ابنته ريما في الحال، بينما مات هو بعد العملية بيومين، متأثراً بجراحه.

كان المخرج السوري العالمي مصطفى العقاد يحضر لعمل فيلمين سينمائيين، أولهما يتحدث عن فتح الأندلس، والآخر يتحدث عن صلاح الدين، وهما يوازيان جودة الأعمال السابقة. وكان قد قال العقاد عن فيلمه الخاص برصد حياة واعمال ومسيرة صلاح الدين: صلاح الدين يمثل الإسلام تماماً. الآن، الإسلام يصور كدين إرهابي.

حصل الدين كله على هذه الصورة بسبب وجود عدة مسلمين إرهابيين. إذا كان هناك دين ممتلئ بالارهاب، فيمكن قول ذلك عن المسيحية أيام الحملات الصليبية. لكننا في الواقع لا يمكننا لوم المسيحية كدين بسبب مغامرات بعض أتباعها آنذاك. هذه هي رسالتي».

وكان من المفترض ان يجسد شخصية صلاح الدين، الفنان العالمي شون كونري، رغم شيخوخته، اذ وصفه العقاد انه مكسب للرأي العام العالمي. وتتردد في أجهزة المخابرات معلومات، تفيد بأن التفجير كان مدبراً لقتل مصطفى، استجابة لرغبة بعض كارهي الإسلام من ذوي النفوذ.