أجرت صحيفة »لندن إيفنغ ستاندرد« حواراً مع الأديب البريطاني جوليان بارنز عقب فوزه بجائزة »مان بوكر«، في إطار ترشيحه الرابع لها، قال فيه »إنه قد استنفد كل معطيات الإخفاق في الفوز بها، وآن أوان التغيير. وأعرب عن اعتقاده بأن المعيار الحقيقي لقيمة أي جائزة أدبية يكمن في قائمة الفائزين السابقين بها، وشدد على أن روايات أبناء جيله تجعل العالم يبدو للقارئ أصغر وأكثر ضراوة.
قال الروائي البريطاني وحوليان بارنز في مستهل الحوار معه، رداً على سؤال عن انطباعه بعد فوزه بجائزة «مان بوكر»: «حسناً، دعني أعبر عن الأمر بهذه الطريقة، لقد كانت لي تجربة طويلة في عدم الفوز بهذه الجائزة حيث أدرجت في القائمة القصيرة في الفوز بها أربع مرات وأعتقد أنني قد استنفدت كل المعطيات المتعلقة بهذا الأمر، وآن أوان التغيير في هذا الصدد».
وأشار بارنز إلى أن الفوز بهذه الجائزة يعني له الكثير، فهو قد فاز عملياً بكل الجوائز الكبرى في الحياة الأدبية البريطانية وآن الأوان لكي يحصد هذه الجائزة بعد أن نال في وقت سابق من العام الحالي جائزة «ديفيد كوهين للأدب»، التي تمنح عن مجمل إنجاز حياة الفائز بها دون إعداد قائمة قصيرة للفوز بها.
وقال بارنز إنه يعتقد أن المعيار الصحيح لقيمة أي جائزة أدبية يكمن في قائمة الفائزين السابقين بها، وأشار إلى أنه على امتداد السنوات الثماني عشرة الماضية كرست جائزة مثل جائزة ديفيد كوهين للأدب نفسها باعتبارها أحد أعظم أشكال التكريم لكاتب بريطاني، خاصة وأن الإجراءات المتعلقة بها تتخذ وسط تكتم شديد وحرص على كرامة المرشحين لها.
وأعرب بارنز عن سعادته بجائزة «مان بوكر»، وقال إنه قد رفض المشاركة في أي من الفعاليات التمهيدية للجائزة، تاركاً للأدباء الخمسة الآخرين المدرجين معه في القائمة القصيرة القيام بأفضل ما يستطيعونه لإلقاء الضوء على الجائزة دون المشاركة منه، وألمح إلى أن هذا الضيق من جانبه يعود إلى الثمانينات من القرن الماضي، ففي العام 1987 كتب مقالاً في مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» انتقد فيه الجائزة، وأشار إلى أن المرء إذا كان يريد تكريس مال لهذه الجائزة، فإن عليه أن يبدي الاهتمام بالكتب نفسها، ويدرس نفسية المحكمين في الجائزة والمؤهلات التي ترشحهم للتحكيم فيها.
وأشار بارنز إلى أنه بعد إخفاق روايته «ببغاء فلوبير» في الفوز بالجائزة، قال له أحد المحكمين في تلك الدورة من الجائزة:
«إنني لم أسمع من قبل قط بفلوبير هذا قبل أن أقرأ روايتك، ولكنني لاحقاً بعثت في طلب كل رواياته المتاحة في الأسواق».
وأعرب بارنز عن اعتقاده بأن منح الجائزة لبعض الروايات المتواضعة وغير المؤهلة للفوز بها قد بدأ يدفع الناس إلى الجنون حقاً، وأن بعض كبار الروائيين المتقدمين للفوز بالجائزة قد عدوا أنفسهم مسبقاً لعدم الحصول عليها، وسلموا أنفسهم بابتسامات سخية وملامح لا تشي بالانزعاج استعداداً لأسوأ المواقف.
وأعاد بارنز إلى الأذهان أنه عندما لم يحصد الجائزة في 1987 خلص إلى أن الموقف الأفضل في التعامل مع هذه الجائزة هو التسلح بالتسامح واللامبالاة في آن.
وأشار بارنز إلى أن محكمي الجائزة قد بدأوا يهتمون بعنصر قابلية الرواية الفائزة للقراءة من جانب قطاع كبير من القراء، وهذا ربما كان العامل الذي دفع بروايته قدماً من القائمة الطويلة إلى القائمة القصيرة وصولًا للفوز بالجائزة، في نهاية المطاف.
«الجندي الطيب»
ألقى بارنز الضوء على روايته الفائزة بالجائزة والتي تحمل عنوان «الشعـــور بالنهاية»، وقال عنهاــ إنها قصة رجل في أواخر منتصــف العمر يدرك أن ما اعتقده على الدوام فيما يتعلق بحياتــــه وأمور معينة حدثت له ليست الحقيقة في واقع الأمر، وبالتالي فإنهـــا رواية تستدعــــي الكثير من التأمل، خاصة وأن جوهرهــــا هــــو الفكرة القائلـــة ان شخصاً ما قلب حياته رأساً على عقب في مرحلة متأخرة منها. وأعرب بارنز عن اعتقاده ان هذه في حقيقة الأمر ممارسة في رسم شخصية راوية كتيب ولا يعتمد عليه وأشار في هذا الصدد إلى ما قاله النقاد من انه قد استوحى فيها ملامح من رواية «الجندي الطيب» لفورد مادوكنفورد التي كتب بارنز مقدمة لها منذ عدة سنوات، غير انه رفض التعقيب على هذا الانطباع بالتأييد أو النفي.
وأشار الفائز بجائزة مان بوكر إلى أن ما يؤمن به ويركز عليه هو البراعة والسخرية، وقال إن هاتين السمتين تضفيان، في اعتقاده، جاذبية كبيرة على كتاباته، ولكنهما في الوقت ذاته تفرضان الضوابط الصارمة عليها.
وبمزيد من الأسى تذكر بارنز زوجته الراحلة «بات كافانا»، التي كانت وكيلته الأدبية قبل زواجهما، وأشار إلى أن جميع كتبه مهداة إليها، وأنه قد أهدى كذلك روايته الفائزة بالجائزة «الشعور بالنهاية» إليها. ورداً على سؤال حول ما إذا كانت هناك لحظة معينة تعد لحظة مميزة في إطار تجربة طويلة في تأليف الكتب، قال بارنز، إن مثل هذه اللحظة طرأت له مرة أو مرتين، بعد قراءة نص من رواياته أو توقيع الكتب للقراء الذين قال له بعضهم «لقد التقينا بسببك»، وأعرب عن اعتقاده أن مثل هذا الاهتمام المشترك بمثابة رابطة إنسانية حقيقية وأن ذلك شيئاً مؤثراً إلى حد بعيد.
ورداً على سؤال أخير حول الرواية المفضلة لديه منذ نشر روايته «أرض المترو» في العام 1980، قال بارنز «إنه من الصعب إلى حد كبير الرد على هذا السؤال، وان ذلك يعود في جانب منه إلى أنه لم يعد قراءة هذه الروايات، وعلى جانب آخر إلى أن الشعور بالاستمتاع المستمد من هذه الكتب غالباً ما يدور حول أشياء أخرى، فهناك كتاب هو الأول من حيث التأليف، وآخر من حيث ترجمته للغات أخرى وآخر هو الأصعب في تأليفه، وأعرب عن اعتقاده بأنه مرتبط برواية «ببغاء فلوبير»، ربما لأنها الرواية التي ثبتت قدميه في عالم الإبداع الروائي، وكفلت له أعداداً هائلة من القراء، وأتاحت له أن يدرك أن هناك اتجاهات مهمة يمكن أن يدفع الرواية باتجاهها، وأشار أخيراً إلى أنه لو كان قد اعتقد بأنه ألف بالفعل أفضل رواياته، لكان لديه دافع محدود لتأليف روايات أخرى.