يعد أحمد معلا، من رواد حركة الفن التشكيلي المعاصر في سوريا، ومن الفنانين العرب الذين وصلوا العالمية، حيث بيعت أعماله في أكبر دور مزادات الفن، مثل: دار كريستيز، سوثبي. وهو أيضا من الذين ارتبطت أعمالهم في ذاكرة المشاهدة لدى الجمهور، ببعد فلسفي فكري. كما تميزت أعماله بالمجموعات البشرية الأقرب إلى الملاحم الشعرية والمسرحية، وبالبحث والاكتشاف الدائم على صعيد الأسلوب والتقنيات، ليشمل إبداعه سينواغرافيا المسرح والسينما والتلفزيون.
ترى كثير من الدراسات النقدية المتخصصة، أن الفنان أحمد معلا، ووفق مضمون وتوجهات نتاجاته، فنان جدلي بريشته وقلمه، خصوصاً وان معرض له بمثابة معادلة جديدة لاكتشافاته على مختلف الأصعدة، من حروفياته التجريدية تارة، والصوفية أخرى، وصولا إلى المناخات المستعصية في براعتها وسهلة القراءة في رسالتها التشكيلية.
"مسارات" التقت معلا في معرضه الأخير (رمادي/ رماد)، الذي أقيم في غاليري (غرين آرت) في دبي، بهدف التعرف على معادلته الفنية الجديدة، في ظل حشود مجموعاته الإنسانية التي تعيش صراعات لا نهاية لها.
ذكرت أن رؤيتك للحياة هي من خلال تلمّس حرارة الأجساد، التي تنتج عملك الفنيّ، كيف توصفها لنا؟
لا بدَّ لي من استعادة التاريخ الحسّي الشخصي الذي يجمع اليد الصغيرة وهي تتكور حول ثدي الأمّ، وصولاً إلى التلمس العاطفي. فهي تترأى وتتجسد بمثابة القشعريرة التي تستنهضها برودة الماء في نهر الفرات، أو نبع الفيجية أو البحر.
أجدها صورة تخيلية لأن تتحسس من بين يديّ الهواء، ارتسام صدرك أو كتفك، في الفضاء المحيط. وكذا أن تعرف أنّ ملمس الدرّاق يغوي المعرفة المنوطة باستقبال الحبيب. كيف لي أن أشرح انتظام رعشة القلب، واضطرابها، ومن أين لي أن أقبض على الخيط الذي يعقلُ تلك الثمرة من بين خيوط تتدلى من يد اللغز؟ انا أرسم وكأنني أنقل دهشتي. أرسم وأصّور، كي أعلن على الملء رغبتي بمشاركتهم ما أرى، ما رأيتُ وما سأرى.
التباس بين الذات والذات
هل تُخلق الالتباسات من الأرجحة بين النفس والمحيط، أم بينها وبين الذات؟
لا أعرف، كل ما أعرفه أن الالتباس يبدأ من رغبته بإنكار اليقين، وبحثنا عبر المحتمل. كأنني، كأنما، كأنه .. مزاعمٌ نألفها وكأننا نستنشق الشكل، ولا نراه. كيف تقول اللحظات ببطئها نموّ الذكورة بين اليفاعة والبلوغ، كيف نرسم هذه الاهتزازات المنبثقة من هيكل الهيئة إلى حضور بصري؟!
هو التباسٌ مستمرٌ بين الذات والموضوع، بين الذات والذات، بين الأمس واليوم، بين اليوم والغد... انا اجد ان الرسم يحكي قصص الجسد. حيث الجسد يقول نفسه رقصاً، والرسم يقول الرقص خطوطاً. الالتباس هو إقرارٌ بقبول المعرفة، واستنباط الهيئة لصالح الفنّ، لصالح الطمأنينة. انَّ إيديولوجية ما لا تسيطر على آلية الوعي. كم هي مدهشة تلك الثمرة التي يقارب شكلها المكعّب، ولا بدَّ أنها لا تؤكل، فهذا الجسم ليس للتناول، ليس غذاءً.
هي اذا. ودوما، إشارة مبطَّنة بالمعرفة على القياس، وأنا كنتُ قد قضمتُ الحنظل .. بندورة، تفاحة، تفاحة الأرض، ظننتها.. كأنني أردت أن أظنّ، أن أُجرب العلقم، أخطأت، هي ذي التسمية الصحيحة، يا للحرية: لقد أخطأت فتعرفت على المرّ الذي ليس أمرّ منه.
قول بالأسود والأبيض
هل الأبيض والأسود، كافيان، ليقول العارف ما يريد قوله؟!
الإشارة هنا إلى أبو بكر الكالاباذي الصوفي في مقولته، "إما تعرف، أو لا تعرف، لا يمكن أن تتعرف". أما أن نقول بالأسود والأبيض أم بالألوان، فالأمر يتعلق بما نودّ إعلانه، إصداره، منظرته. في الموسيقى تكفي عدة نوطات لقول الكثير، بالأسود على الأبيض يمكن أن نكتب تجربة البشرية كاملة، الأمر لا يتعرف بمدى مصداقيتنا وقدرتنا على فهم/ وعي، ترجمة الداخلي وإخراجه إلى الآخرين، وحواسهم المتنوعة طرائق الاستقبال.
بين الأسود والأبيض، هناك عالم من الرماديات الرصاصية، المفضضة، الليلية، الظلّية، تشفُّ، وتظلُّ لتحمل الهيئات إلى تشخيصها النهائي بين أعيننا، كأنما تعزم على امتلاك سحنة ٍوسِمةٍ، كأنما تنقاد في قالب الهواء على قول الوجه العاشق وهو يكتنز شهوانية في محاولة لتصبير الملامح بناءً على جمالٍ مستقرّ، كالذي تنتجه عمليات التجميل ... الخ . فالنور والعتمة كافيان ليعلنا ديمومة الحياة في تواليهما الدؤوب منذ الأزل.
كل لوحة هي ولادة للفنان، فهل أعمالك ولادة أم مخاض؟!
من جانب ما، شعرية الولادة تقود إلى التعامل مع الغامض، وبالتالي فالأمر يتشابه في المخاض والولادة، لكنَّ عملية التلقيح هي الأكثر حساسية في تكوين الجنين. المشروع الفني الثقافي، هو من يحدد نوع الكائن الذي سيأتي إلى الحياة. وربما يلد الفنان في بطنٍ واحد كما من الأخوة، وما يُفرِّق بين كل منهم، أشياءً بسيطة أو معقّدة ... إن الكلام عن الولادة والمخاض، فيما يخّص الفنان والعمل الفني، عملية تقليدية لا تفعّلُ عميقاً نشاطاً فكرياً، لرصد آليات العمل الفنّي، بل تصادر صيرورته التي تتفجّر في انطلاقها إلى الغموض أو الوضوح.
«لوني أزرق»
تلمس الطريق نحو الحياة المعاصرة..!
المستقبل العربي لا ينفتح ولا ينغلق على العولمة، العولمة هي التي تفتحه، سواء شاء أم أبى، لأنّه آت لا محالة، شئنا أم أبينا. المستقبل يصنعه من يفهم الزمن، من يعيه ويتعامل معه.
المستقبل يصنعه الحاضر، قلّ لي أين أنت اليوم، أقل لك أين ستضحي بالغدّ. لكن العرب منقسمون بين من يودّ البقاء في مكانه، وبين من يريد العودة إلى الوراء. المستقبل لا يشكّل هاجساً عربياً، ولم يشكّل.
هل من الممكن أن يكون ما يجري اليوم مستقبل كل من شارك بالنهضة العربيّة؟!العولمة أداة، إن لم تلتقطها وتتعامل بها وتتعلم على استخدامها، لن تتمكن من الإمساك بالغد، بالمستقبل، بالآتي من الأيام وما تحمله.
يقول الشاعر الأميركي جون آشبري: "لوني أزرق". أي أنا كشاعر أكتبُ شعراً يكتسبُ أهميته في كونه يختلف عن كل ما سبقه، وكل ما يجايله. فما هو لونك وهل يتبدل؟
فليقل الشاعر ما يريد أن يقوله .. فإذا كان لونه أزرق فليس للاختلاف، ربما انتماءً للحبر، وربما يظنُّ أنّ الأزرق هو أصل الألوان أو وجه القمر؟ وربما يكون قد تلوّن بعينيّ الحبيبة، الفيروز أو الأكوا مارين.
إن استخدام "أي" الشارحة، هي ما لا أحتمله ، فهو الشاعر الذي أنجزَ ما يقبل التواصل المتنوع، المقاربة الممكنة. التقريرية في "لوني أزرق" تزيد من الغموض غموضاً، وتعلن الأسئلة المشروعة وغير المشروعة في خضم الرحم الولاّدة للمكنات. هو لم يقل أنا أزرق .. هل تنقصه النجوم الخمسون؟! ليزرقّ ما شاء .. الشمس برتقالة زرقاء، قيل منذ زمن بعيد .. وقيل في الليل كل القطط رمادية، ربما كان أزرق كالظلّ، وقد يكون تأملٌ في الاختلاف كما أسلفت. أما أنا ففي تبدَّل مستمر، لا يحدني شكل ولا لون، لي ما بين الولادة والموت، ولي في عملي ما يقول وجودي، ولي بها مآربٌ أخرى.
الأنا المعقدة
لوحتك (سداسية محمود درويش )، في معرضك الأخير (رمادي رماد): ما معناها وكيف هي بدايتها؟
عاصرت الشاعر الراحل محمود درويش، لقيمة ما مثّله ويمثِّله في الأدب العربي، من خلال القضية الفلسطينية وتفاعلاتها مع القومية العربية، حيث شّكل هذا في دواخل كل عربي، طوال أكثر من نصف قرن، هموماً تشاركها المبدعون المقاومون، بحثاً عن موقف إنساني كبير في وجه الظلم والعدوان.
ان أسئلة الثقافة الإنسانية، ترتقي فوق السياسي، وصولاً إلى بلورة المعاني العميقة، التي تنتجها الفنون في تناولها للقضايا الذاتية والاجتماعية في تشابك يزداد مع الأيام نضجاً.
ترتقي أسئلة الشاعر خلال رحلته من الأنا البسيطة المفردة، إلى الأنا المعقدة الممتدة تاريخياً ومستقبلاً، الممتدة بين الانشغال بالهمّ والعمل على الخلاص منه، الممتدة بين "نحن ضيقة حاضرة"، و"نحن" إنسانية تشمل كل الناس ممن حضر أو غاب، أو سيحضر أو يغيب.وها هو محمود درويش في آخر تجربته، يعود إلى لاعب النرد الذي تحاشاه مراراً، ليعيد طرح الأسئلة إياها بأسئلة كل إنسان: "من أنا لأقول لكم؟"، أيُّ مرارة تفيض من هذه الكلمات وهي تعترفُ ليس فقط بضعف القدرة على إنجاز شيء! بل أيضا على قول شيء: لكم، أنتم، هم، هؤلاء. دراما وجود فرضتها ضياعات. أبطالها خاسرون وكأنهم من ملح يغسله الماء كل صباح.
ومعرضك (تحية لسعدالله ونوس) ؟
حظي معرضي هذا الذي أقمته عام 1997، في غاليري أتاسي بدمشق، باهتمام قلَّ نظيره وكان، كأنَّه يفتح باباً جديدا للفن في سوريا والمنطقة. أُغلقت الأبواب على المشاهدين وشاهدوا أنفسهم محبوسين بين الأسود والأبيض، في سيطرة للأسود عبر المكان: مياه سوداء، تربة سوداء، رسوم بالأسود، وإضاءة مسرحية تجلّل الفضاء.
كان المعرض تحية للمبدعين العرب عموماّ، وكنت أودّع جيلاً حمل القضايا العربية إلى وجه الثقافة والحياة في بلادنا والعالم، بعد الاعوام 48 و67 من القرن الفائت. كانت الألفية الثالثة تقترب، وكان العرب أهلنا قد بدؤوا بالتفكك من حول ما جمعهم، وكأنَّ هيكلاً عظمياً لكائن ما يزال حياً بدّل مواضع الفقرات بالترقوات، وألواح الكتف وعظام الرسغ والساق بعظام الرقبة. في حين لا يزال الجلد الخارجي يوحي أن الكائن موجود وقابل للحركة .. ماردٌ يفيزيولوجيا مهدّمة، قادرة على العيش، على أكل أولادها ليس إلاّ، لكنّها للأسف ليس إلاّ كما لو كنتُ أحمل نفسي مقطعاً في كيس نايلون، ظاناً أنني ما أزال قادراً عل فعل شيء.
كتبوا فيه
« تنظر، تتأمل، تستقصي: كل شيءٍ يفتح لك أبواب الغواية. كل لوحةٍ تُلقي عليك شباكها. وهي لا تدعوك لكي تستسلم، تدعوك لكي تُثيرك، وتُغريك، فيما تُخيّل لك أنها تبقي مسافةً بينك وبينها، إيغالاً في الغواية، في تحريضٍ ساطعٍ على أن تتهيأَ لمزيدٍ من الانجذاب والافتتان. لهبُ هذه الغواية أرضيّ. خطوطٌ، الوانٌ، لمساتٌ، بُقعٌ، أنصافُ دوائر، أنصاف أقواس، تآلفاتٌ، تناقضاتٌ، التحاماتٌ، تصدّعات، تراكيب، تهاويل. كلُّها من جهة المادة - ينابيع وبراكين. السماوات هوامش. وبعضها هباءٌ وأنقاض. الإِغواء: ذلك هو اسمٌ آخر لمحترف.. أحمد معلاّ.» هذا ما كتبه الشاعر السوري أدونيس، في زاويته «مدارات» بجريدة الحياة اللندنية، في عددها الصادر يوم الخميس 20 يناير 2011، عن زيارته لمرسم الفنان التشكيلي أحمد معلاّ، حيث يشرح فيها كيف تمازجت اللغة الشعرية النثرية برؤيا الناقد الذي يفسر تأويلات الخطوط والمنحنيات والألوان، وبذلك قدم أدونيس قراءة لغوية فلسفية حول الغواية والمادة وحدائق اللون، التي تولّدها لوحات معلا في الذاكرة، ذاكرة الشاعر تحديداً، حيث تعاد رسم الرموز والألوان وفق إيقاعات لغوية بصرية جديدة.
سيرة
ولد الفنان والمصم أحمد معلاّ عام 1958 في سوريا. وتخرج من كلية الفنون الجميلة قسم الاتصالات البصرية- دمشق عام 1981. وهو خريج المدرسة الوطنية العليا للفنون الزخرفية في باريس 1987. كما انه استاذ في كلية الفنون الجميلة 1996 1989. وقدم أول معرض فردي له عام 1988 في دمشق. الى جانب عدد من المعارض الفردية في بلدان عربية وأوروبية. والمعلا مصمم هندسة مناظر وديكور لمجموعة من الأعمال السينمائية والتلفزيونية والمسرحية. وحاز على العديد من الجوائز من الشرق والغرب.