يدرك من يطلع على تجربة الفنانة الإماراتية الشابة، الشيخة لطيفة بنت مكتوم، أنها من الفنانين الذين يشكلون نموذجاً استثنائياً ضمن حركة الفن التشكيلي في المنطقة، فعطاؤها لا ينحصر في هاجس إبداع الفنان وتجاوز نفسه فقط، بل يمتد إلى المساهمة في تعزيز البنية التحتية لحركة الفن التشكيلي في الإمارات.
لا شك أن استعراض تجربة الفنانة الإماراتية الشيخة لطيفة بنت مكتوم، يعني تسليط الضوء على ثلاثة محاور، وأولها تجربة الفنانة كمبدعة، ثم دورها كقيّم في تنظيم المعارض لزملائها الفنانين، وأخيراً وليس آخراً، تأسيسها لاستوديو ومركز فني، ساهم في خلق المناخ الملائم لاستمرارية الفنانين الشباب وتطوير مهاراتهم على الصعيد التقني والفكري والثقافي. عشقت الشيخة لطيفة الفن التشكيلي منذ طفولتها، ولا تذكر أنها أمضت يوماً واحداً دون رسم شيء ما، فكانت الألوان جزءاً من إيقاع حياتها اليومية، لتتبلور تجربتها في المرحلة الثانوية، حيث بات الرسم جزءاً بارزاً من دراستها. وفي الجامعة تبلور وعيها بأهمية الفن واستمراريته، خاصة مع غياب الكثير من طاقات الزميلات والزملاء الإبداعية، بعد انتهاء مرحلة الدراسة الجامعية.
«مسارات» التقى الشيخة لطيفة في مركز (تشكيل) بدبي، الذي أسسته عام 2008، بهدف التعرف على تفاصيل ومحاور تطور تجربتها الفنية الشخصية، كتشكيلية ومصورة فوتوغرافية، وللاطلاع ايضا على أدوارها الأخرى، كقيمة للمعارض ومؤسسة لمركز تشكيل، اذ اسهمت معها في تفعيل حركة الفن التشكيلي بالمنطقة.
في أية مرحلة انتقل الفن عندك من الهواية إلى تجربة محورية؟
كان الفن في المراحل الأولى من الدراسة، أمراً ثانوياً، لكن في مرحلة دراستي الثانوية، حسب المنهج البريطاني، اعتبر الفن من المواد الأساسية. وكان علينا، في الصف العاشر تحديدا، اختيار المواد، وخلال تلك الفترة كان الناس يعتقدون بأن الفن بالنسبة لي مجرد هواية. وفي اليوم الذي حددت فيه المواد التي أرغب بدراستها، شاءت الصدفة أن تطلع مُدّرسة الفنون على قائمة المواد التي حددتُها، قبل تسليمي لها بعد انتهاء حصة الفن. وفُوجئتُ بردة فعل المدرسة التي قالت لي اني أمتلك موهبة فنية عليّ الاّ أتجاهلها، وهكذا اخترت مادة الفن عوضاً عن إحدى المواد. وبدأت تجربتي الجادة مع الفن. وفي (كلية لطيفة) التي كانت تحت إشراف جامعة زايد، درست إلى حين، تصميم الغرافيك، إلى جانب دورات في التصوير الفوتوغرافي، وتخصصت في الفنون التشكيلية والبصرية، وفيها طورت القواعد الأساسية للرسم. أما التعامل مع الألوان فتعلمته في (مدرسة لطيفة). ان الفن عندي حوار مع النفس، وعدم التكرار أو النسخ، وإن بات من الصعب على الفنان في العصر الحالي، التفرد بما هو جديد أو مختلف.
تطور وارتقاء
احتل التصوير الفوتوغرافي حيزاً بارزاً في مضمون تجربتك الفنية، فهل استبدلت العدسة بالريشة؟
علاقتي بالتصوير الفوتوغرافي متممة لتجربتي في التشكيل، فخلال دراستي للتصوير، خاصة في السنة الرابعة والأخيرة من دراستي الجامعية، كنت أتعامل مع الصورة من منظور اللوحة التشكيلية، وهو مفهوم خارج منهاجنا الأكاديمي للتصوير. فكنت من خلال برنامج (الفوتوشوب) أعيد تركيب الصورة كأنها لوحة تشكيلية، أما التقنيات الخاصة بهذا الجانب فتعلمتها من الانترنت والمجلات المتخصصة، حتى كان أساتذة التصوير يسألونني أحياناً عن آلية التقنيات التي كنت أستخدمها. ومع تطور تجربتي في هذا الإطار، توجهت مؤخراً إلى تركيب الصورة من خلال الموضوع وحده، لتوصيل الرؤية عبر لغة الصورة وحدها. ومثال على ذلك الزمن القياسي للتحولات في المنطقة، مقارنة بالبلدان الأخرى، حيث تختفي ذاكرة المكان بين يوم وليلة. ففي منطقة الميدان كانت السيارات تتوقف لدى مرور الجمال (الركاب)، وفي يوم وليلة نقلت جميعها عام 2007 إلى المرموم!
حاولتُ من خلال تصوير العديد من الأمكنة، التعبير عن ذاكرة المكان، والجمع بين الماضي والحاضر بصورة فنية غير مباشرة، إلى جانب تأثير هذه التحولات وانعكاساتها على الإنسان، الذي يرغب في بعض الأحيان بتوقيف الزمن كي يستوعب ما تم لينتقل إلى مرحلة جديدة.
القصد هنا أن الموضوع هو الذي يحدد اختياري للوسيط الفني، أي أنني لم أتوقف عن الرسم، وإن كنت مقلة في إنتاجي على الصعيدين، فكل عمل يتطلب مني زمناً من الوقت، فإنجاز إحدى الصور يتطلب شهراً كاملاً، كذلك الأمر مع لوحاتي، التي تقارب في موضوعاتها المحور نفسه. كما أهتم أيضا بالصوت في الصور، سواء كان صامتاً في عزلة المكان، كصورتي لنخلة على جبل الأبنية. أو صاخباً، كصورتي لمكان صحراوي معزول تتشكل فيه براعم الأبنية، وفي سمائه طائرة برمائية.
ما نوعية الإضافة التي شكلتها مشاركتك في بينالي البندقية هذا العام؟
كان اختياري للمشاركة في بينالي البندقية بمثابة المفاجأة، فعندما حضر فاسيف كورتون منسق الجناح الإماراتي بالبندقية، لاختيار مجموعة من الفنانين الإماراتيين الشباب، اطلع على أعمالي، وهي مقارنة بغيري من الفنانين محدودة جداً، وأشار إلى قلة انتاجي مع خصوصية تجربتي. وعندما علمت باختياري إلى جانب مجموعة من زملائي، شعرت بالرهبة ولم أستطع تجاوز هذا الحاجز لمتابعة الصور التي سأشارك بها إلا بعد وقت ليس بالقصير.
وشاركت بثماني صور، رصدت من خلالها التحولات العمرانية، مثل رأس الخور والجميرا في دبي. وذلك بصورة رمزية جمعت فيها بين الإسمنت والجبال والعشب والإنسان. وأثارت أعمالي تساؤلات العديد من الزوار.
أين تكمن أوجه الاختلاف بين بينالي البندقية وبينالي الشارقة؟
بينالي البندقية (1895)، هو الأقدم والأول في العالم، وكلاهما يأتيه زوار وخبراء وأكاديميون من الخارج، أما أوجه الاختلاف فتتمثل في أن بينالي البندقية يخصص أجنحة لكل بلد، ويقام في منطقتي غارديني والأرسينالي، والقاعات المتناثرة بين معظم شوارع وحارات البندقية الضيقة، في حين ينفذ مجموعة من الفنانين أعمالهم في مقر بينالي الشارقة، ولا يأخذ مداه جغرافياً، كما في البندقية.
كيف كانت ملامح خطوات عطائك في مجال الفن، وهل كان تأسيسك لمركز تشكيل سابقاً لدورك كقيّمة للمعارض؟
في العام الاخير لي خلال دراستي الجامعية، ومن خلال المشروعات العملية، كنت مطالبة بتنظيم معرض في غاليري خاص، واكتشفت من خلال هذه التجربة أن معظم الرسامين الذين شاركوا، لم يكونوا يعرفون بعضهم البعض، أو حتى يعلمون بتجاورهم في السكن والحي. هذا من جانب، ومن جانب آخر كانت الدراسة الجامعية أسوة بجميع الأكاديميات، تفرض على الطالب توجهاً محدداً أحياناً، لا يتيح له تحقيق أو تجربة ما في نفسه. إضافة لذلك، وكما ذكرت سابقا، هناك عامل غياب المناخ الفني الملائم لتشجيع استمرارية الشباب في عالم الفنون البصرية بعد التخرج. ولمعت الفكرة في ذهني خلال تنظيمي لذاك المعرض في غاليري (آرت آتاك). وبعد وفاة الوالد، رحمه الله، تشاورت مع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، حول تحويل موقع (كلية لطيفة) في دبي، التي أسسها الوالد، إلى مركز واستوديو فني يضم جميع احتياجات الفنانين لإنجاز مشاريعهم.
رؤى ومشروعات
هل من أمثلة على إنجازات المركز، وما الخطة المستقبلية؟
يكفي القـــول انه، وبالإضافـة إلى تنظيــم المعــــارض الجماعية للفنانيـــن الشباب الإماراتيين والمقيمين، فإن ثمانيـــة من أعضـــاء المركز طوروا أنفسهم بعد تخرجهـــم من الجامعــــة ليتقدمـــوا مؤخراً لدراسة الماجستير، مثل هند دميثــان وســـالم القاسمي. وهذا مع مشاركة المركز في العديد من الأنشطة الفنية الخارجية وبرنامج الفنان المقيم. كما تم افتتاح استوديو تشكيـــل الخاص في البستكية في دبي، بداية العام، بهدف توفير 6 استوديوهــات تساعد على تفرغ الفنان لمشروعه، في جو من الخصوصية.
وفي الحقيقة فإنني أود للتشكيل، أن يساهم بدور أقوى في تطوير الحركة الفنية، مع ترك الحرية للفنانين دون فرض أية أفكار عليهم، إضافة إلى توفير احتياجات الإبداع، وزيادة عدد الدورات والورشات الفنية المتخصصة.