الأدب لا يزدهر إلا في مناخ من الحرية، وبقدر سقف الحرية يكون عطاء المبدعين، لكن وبسبب ظروف القهر السياسي الذي عاشته مصر خلال الثلاثين عامًا الماضية، وحتى قبل ذلك، تعرض عدد من المبدعين إلى التهميش والإقصاء من المشهد الأدبي، بل وفي بعض الأحيان إلى دخول السجن.
على الرغم من أن أعمال عدد من المبدعين كانت شاهدة على موهبتهم الحقيقية، إلا أنهم حرموا من النشر، وأتيح لأشخاص آخرين كل منافذ النشر والظهور الإعلامي وحتى الجوائز، لمجرد أنهم نافقوا النظام أو كانوا قريبين من دائرة صنع القرار، فهل سيعود هؤلاء المغضوب عليهم إلى المشهد الثقافي مرة أخرى بعد ثورة 25 يناير، التي أطاحت بالرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك، وأعادت رسم الخريطة السياسية في مصر من جديد؟ وهل نسائم الحرية التي تعيشها مصر الآن بعد ثورتها ستنعكس على المشهد الإبداعي؟ وكيف يرى المبدعون «المغضوب عليهم» انعكاس ما تعرضوا له طوال العقود الماضية من قهر واستبعاد وتهميش خلال الفترة المقبلة؟ هذه الأسئلة وغيرها نحاول أن نجيب عنها من خلال هذا التحقيق.
اختناق المبدع
الشاعر محمد آدم، الذي يعد أبرز شعراء جيل السبعينات، وهو أحد رواد الحداثة السبعينية الذين أحدثوا نقلة تجديدية في مسيرة الشعر العربي، يرى أنه تعرض للإقصاء والاضطهاد والقمع وشتى ألوان التعذيب النفسي طوال أكثر من 30 سنة، فقد أدت آراؤه وأشعاره إلى الكثير من الصدامات مع السلطة السياسية، ومن ثم المطاردات من قبل المؤسسة الأمنية، وقد عانى عدم تعامل مؤسسات النشر الرسمية معه وإهمال طبع أعماله في مصر، ورغم أن أعماله يحتفى بها في مختلف البلدان العربية والأوروبية التي تطبع كتبه.
ويقول آدم: إن المبدع يختنق من تهميشه وإقصائه ومقاطعة أعماله، فبدلا من أن يكون الأدب عاملاً مؤثرًا في تغيير الأوضاع القائمة تتعمد النظم المستبدة أن يكون الأدب خادماً لمصالحها وممجدًا لإنجازاتها، بحيث يتحول المبدعون إلى أبواق في وسائل النظام الدعائية، ومن يرفض ذلك يتعرض للقهر والقمع السياسي والإقصاء من المشهد الأدبي، من خلال القمع غير المعلن الذي تمارسه السلطة من خلال مؤسساتها ودوائرها البيروقراطية؛ لذا فإن المبدع الجاد صاحب المواقف يلجأ إلى العزلة الاختيارية حتى لا يكتب ما لا يتوافق مع فكره ومواقفه، مؤكدا في الوقت نفسه أن النص الأدبي يتأثر بالانتماء الطبقي، ونمط السلطة القائم والوضع الاقتصادي والقضايا الأخرى المطروحة على المجتمع، فالأديب من وجهة نظره لا يستطيع التجرد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تتفاعل من حوله.
مؤسسات مفتوحة
على النقيض من ذلك فهناك المثقفون المقربون من النظام وحزبه فكل شيء متاح لهم وتذهب إليهم الجوائز وتنشر أعمالهم فورًا مهما كان مستواها الفني، مؤكدا أن هناك عددًا كبيرًا منهم بلا موهبة حقيقية أصلا، ومع ذلك نجد مطابع وهيئات المؤسسات الثقافية الرسمية مفتوحة لهم على مصراعيها، وليس المطابع فقط بل المناصب أيضا، مع أنهم لم يقدموا أدبًا حقيقيًا ولا غيروا فكرًا أو ساهموا في وعي الجماهير، ولكنهم استفادوا من النظام.
مؤكدا أن الثورة المصرية الأخيرة كشفت زيفهم وحقيقة مواقفهم وكتاباتهم، ولا بد من عزلهم كما كان يحدث مع الأدباء الجادين الذين كان لكتاباتهم أكبر الأثر في بث الحماس لدى شباب الثورة لمواجهة فساد النظام والإطاحة به.
ويضيف آدم أن عدة دول عربية احتفت به أكثر من مرة ونشرت أعماله الكاملة، في حين أن وطنه يهمش وجوده وإبداعه بل يفرض عليه المحاذير، لكن بعد الثورة اختلف الوضع، حيث وعده الدكتور عماد أبوغازي، وزير الثقافة المصري، بطبع أعماله الكاملة في هيئة الكتاب أو قصور الثقافة لتتاح للجميع، كما أن الثورة شجعته على استئناف الكتابة من جديد كأنها أعادت روحه إلى جسده.
مشاكل كبيرة
أما القاص السكندري محمد حافظ رجب، وهو صاحب مدرسة تجديدية في كتابة القصة القصيرة في فترة الستينات وله مقولة مشهورة يحفظها له التاريخ هي «نحن جيل بلا أساتذة»، فكان أسلوب كتابته في القصة مغايرًا للمألوف؛ مما ساهم في إرساء مفاهيم التجديد والحداثة في القصة القصيرة في مصر، تسببت كتاباته في خلافات بينه وبين الكاتب يوسف السباعي الذي كان يتولى عدة مناصب ثقافية في فترة الستينيات؛ ما تسبب في طرده من العمل ليدخل في إضراب عن الطعام حتى صدر قرار بعودته سكرتيرًا للجنة النشر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب، ولم تمر فترة حتى تعرض للاضطهاد من جديد، خاصة مع انتقاده المستمر للحُكم.
فتم نقله للأرشيف وتعرض لتعنت رؤسائه هناك، واضطر أمام هذا التعنت والوصاية المفروضة على إبداعه إلى الانقطاع عن الكتابة القصصية نهائيا منذ عام 1965، ثم قام عام 1968 بتحرير صفحة «الصحوة» التي خصصها لكشف فضائح الدكتاتورية في كل مكان، وواجه مشاكل كبيرة مع الأمن والنظام وتعرض للتشريد بسبب آرائه وأفكاره الماركسية، وبعد ذلك انقطع عن الكتابة نهائيا في السبعينيات، مما اضطره إلى الرحيل عن القاهرة ليستقر بمسقط رأسه بالإسكندرية مكتفيًا بالفرجة على التغييرات التي تحدث في المجتمع، وظل على هذا الحال حتى أقنعه أصدقاؤه باستئناف الكتابة من جديد عام 1986 في عهد الرئيس السابق محمد حسني مبارك، وبالفعل أصدر مجموعته القصصية «حماصة وتهتهات الحمير الذكية».
ويقول حافظ إنه يتعامل مع ما يكتب على أنه وسيلة يهرب بها من قسوة الواقع، ويحاول من خلالها أن يهرب من قتامة هذا العالم والرؤى السوداوية التي أصبحت سمة أساسية في أغلب بلدان الوطن العربي.
مواقف واعتقال
أما الشاعر سمير عبدالباقي، فقد تسببت مواقفه السياسية في اعتقاله لمدة 5 سنوات منذ عام 1959 وحتى عام 1964 عقابا له على إصداره جريدة باسم «صوت الفلاحين» كان شعارها الأرض والديمقراطية والاستقلال الوطني، وبعد عدوان 1967 شارك عبدالباقي في قيادة مظاهرات فبراير 1968 للمطالبة بالتصدي للعدوان وتحرير الأرض وإرساء الديمقراطية وإطلاق الحريات العامة؛ مما عرضه للاعتقال مرة ثانية وأفرج عنه بعد صدور بيان 30 مارس الذي وعد بإعادة هيكلة الاقتصاد المصري لمواجهة المعركة وإعادة الحريات العامة، وتخفيف قبضة الأجهزة الأمنية والبيروقراطية، كما تم اعتقاله في أحداث يناير عام 1977 مع عدد كبير من الكتاب والمثقفين والصحفيين لمدة ثلاثة أشهر.
وتنقل عبدالباقي في الوظائف الحكومية بوزارة الثقافة حتى أصبح مستشارًا ثقافيًا لرئيس قطاع الفنون الشعبية، ثم مديرًا لفرقة الغد المسرحية حتى عُيِّن مديرًا عامًا للإدارة العامة للتفرغ بالمجلس الأعلى للثقافة. كما تسببت مواقفه السياسية في الكثير من المتاعب له، حيث لم تصدر له دواوين طوال سنوات ومنع من إصدار صحيفة؛ مما اضطره إلى توزيع نشرة سمها «شمروخ الأراجوز» ينتقد فيها الأوضاع السياسية والاجتماعية ويقوم بتحريرها بنفسه ويوزعها على المثقفين يدا بيد منذ سنوات، ورغم بساطة طباعتها إلا أنها خلقت حالة ثقافية بين المثقفين وسببت قلقًا للنظام السابق.
فرصة للمبدع
من ناحيته يقول الناقد الأدبي محمد قطب، إنه يتصور أن الأدباء والمثقفين حين تُمارس عليهم أشكال وألوان من القمع ومحاولة فرض الحصار على إبداعهم ويتم منعهم من الكتابة، ثم تتغير الظروف السياسية في المجتمع وترتفع القيود السياسية كما حدث في مصر وتونس، فإن المبدع سيكون لديه فرصة لتقديم هذه التجربة الأدبية المهمة التي عاشها في ظل القمع والقهر السياسي، وستكون هذه التجارب الإبداعية إدانة حقيقية لهذا النظام الاستبدادي والسلطوي، مؤكدا أن هذه الأشكال القمعية ليست قاصرة على الأدب بل تطول الفن التشكيلي والفن الدرامي أيضا.
وأشار قطب إلى صدام الشاعر سمير عبدالباقي مع السلطة منذ عهد جمال عبدالناصر وحتى عصر الرئيس المصري السابق حسني مبارك، بعد أن تسببت أشعاره اللاذعة والناقدة للواقع الاجتماعي في اعتقاله أكثر من مرة والتضييق على نشر إبداعه؛ ما تسبب في توقفه عن الكتابة فترة من الزمن ليعود إليها ثانية، وقد استطاع عبدالباقي بعد تجربته أن يمارس حقه في الإبداع، وأن يكون صوتًا جهورًا لإبراز الخلل في المجتمع والواقع الذي نحياه.
كما يشير أيضا إلى الأديب صنع الله إبراهيم الذي تجول بين المعتقلات وخاض تجربة السجن مرارًا بسبب آرائه، وهو أحد رواد أدب السجون والقمع مع أنه لم ينشر هذه التجارب المريرة في مصر، حيث اضطر إلى نشرها في بيروت بسبب قمع النظام واستبداده، كما عانى الكاتب صلاح عيسى تجربة السجن، وخلال سجنه كتب «الثورة العرابية» ورواية، «مجموعة شهادات في خدمة تاريخنا»، والمجموعة القصصية «جنرالات بلا جنود»، وقد عانى الأمرين في نشر روايته ومجموعته القصصية، حيث تم نشر هذه الأعمال بعد سنوات من خروجه من المعتقل.
الشللية
يؤكد الناقد التشكيلي المصري الدكتور خالد البغدادي، أن الفنانين التشكيليين تعرضوا للقهر خلال النظام السابق بشكل مختلف، فقد توقف نشاطهم بسبب الشللية المسيطرة على قطاعات الثقافة وأساليب التقرب والحظوة لدى المسؤولين، التي كانت تحكم الوسط الفني وليس جودة ما يقدمه الفنان.
عبير الحرية
يقول الشاعر سعدني السلاموني، عن نفسه ،إنه أكثر الشعراء الذين عانوا من استبداد نظام الحكم السابق في مصر، حيث تمت محاربته ومطاردته، مؤكدا أنه من لم يكن ضمن فريق المسبحين بحمد النظام السابق، فكان مصيره العزلة النفسية وتنفيذ خطة لإصابته بالجنون وسد كل الأبواب أمامه فلا ترى أعماله النور، بل يظل يكتب لنفسه، على حد قوله، حيث احتفظ بدواوين كثيرة رفض الجميع نشرها، خوفا من بطش النظام السابق وجهاز أمنه، حتى تطوعت صاحبة دار نشر «إيزيس» للفنون وأصدرت له عام 2010 بعد سنوات عجاف طويلة ديوان «دواوين في الدرج». ويضيف السلاموني:« شممنا عبير الحرية بعد خلع النظام السابق، وآن أوان ظهور أشعاري للنور، ولن أكتم صرختي أبدًا».