يستمد اللقاء مع الأديب المغربي محمد برادة، أهميته انطلاقا من تنوع تجربته الابداعية والبحثية واتساع رقعة اطلاعه على مختلف المناهج والتيارات الأدبية النقدية، وصولا إلى ما قدمه للمكتبة العربية من ترجمات لا شك أنها تعد إضافة حقيقية للمكتبة العربية.
لا يكفي القول إن الحوار مع مثقف بقامة محمد برادة يبدأ ولا ينتهي، ذلك أن الفكرة لا تكتمل إلا إذا ألحقت بفكرة أن هذا الحوار يندرج ضمن قائمة الضرورات الفكرية والأدبية الملحة عندما يتعلق الأمر بمحاولة سبر أغوار المشهد الثقافي العربي. من هنا ولدت فكرة إجراء هذا الحوار مع مؤلف (حيوات متجاورة)، على هامش ملتقى الشارقة للسرد في دورته الثامنة، والذي حاول (مسارات) من خلاله، تسليط الضوء على رأيه في مجموعة من القضايا، التي نعتقد أنها ملحة في اللحظة الراهنة، ومن أهمها دور المثقف في الربيع العربي، وواقع الرواية العربية ورهان التجديد، وما آلت إليه حركة النقد في العالم العربي، من بين مواضع أخرى.
قرأت لك عن أمنية تمنيت أن تحققها في هذا العام 2011، وهي أن تكتب كما تريد بدون مبالاة بالرقابة، فهل تقصد الرقابة بالمعنى الموضوعي وما يتعلق بالشأن العام، أم أن المسألة تقتصر على أسباب ذاتية ؟
أعتقد أن العلاقة بين الفرد، سواء كان كاتباً أو مجرد مواطن، والمجتمع، معقدة ولا يمكن للفرد أن يستغني عن المجتمع أو أن يتحداه، ولكنه في الوقت نفسه، لا يكون هو نفسه إلا بتحقيق نوع من التمرد والتعبير بحرية. بين هاتين المسافتين نعيش صراعاً دائماً، ونوع الرقابة التي يمكن أن تحدث قد تكون عائدة إلى كون المجتمع يعيش وضعاً غير ديمقراطي، فيحس الكاتب والفنان أنه مهدد باستمرار، و من ثم لا يغامر بكل شيء ولكن أيضاً هناك رقابة ذاتية، بمعنى أن المبدع مهما تجرأ، فإنه يشعر دائماً بأنه يستطيع أن يذهب إلى الأبعد، فهذا شيء داخلي وأظن أن جميع الفنانين يعيشونه. ودائماً نتصيد الفرصة لنحقق هذا التحدي، لنعبر بعمق عن ما نحسه نوعا ما قريباً إلى الحقيقة، ولكنه ليس كل الحقيقة ، ولكن أعتقد أنها من المحركات التي تجعلك، لو كتبت عشرين كتاباً، تتطلع إلى كتابة كتاب آخر و رواية أخرى لأنك تقول ليس هذا الكتاب الذي كنت أريد تحقيقه مهما حاولنا بعد ذلك أن نحس بأنه أقل من ما كان يساورنا.
صراع وارتباط
ما طبيعة العلاقة التي جمعتك بأسماء مثل محمد شكري وجان جينيه، اللذين تتميز تجربتاهما بجرعة كبيرة من البوح، وما هو الأثر الذي خلفته هذه العلاقة في تجربتك الكتابية؟
الوضع الاجتماعي بين كاتب وآخر يختلف، فكل واحد يسير في مسار يحدده الوضع الاجتماعي والمجتمع والسياق التاريخي والتكوين الخاص، وكل هذا نستوعبه و يستقر في منطقة اللاوعي فينا، ويصبح سلوكنا مقيداً بهذا الذي لا نراه ولكننا نصارعه على الدوام، من هنا بحت وعبرت عن أشياء كثيرة خاصة من خلال عملي الروائي و أحياناً القصصي، ولكن مع ذلك كلما تقدم بنا العمر أحسسنا أن هذا المجتمع أقوى منا ونريد أن نصفعه، وأن نقول شيئاً ما أكبر، على أن لا نقول ذلك كشتيمة، ولكن كصيغة عميقة يمكن أن تسهم في زعزعة الجوانب السلبية في المجتمع وفي المؤسسات وفي القيم.
ما هي أوجه التعاون والعمل المشترك بينك وبين محمد شكري؟
كتبت مقدمة للجزء الثاني من (الخبز الحافي)، وكتبت مقدمة طريفة للجزء الثاني من رواية (زمن الأخطاء)، والتي تحمل عنوانا آخر هو (الشطار). وهناك كتاب مشترك بيننا هو (ورد ورماد) يتضمن رسائل كنا نتبادلها كأصدقاء، فلقد كان محمد شكري يعيش مشاكل كثيرة، فكان يكاتبني ويستشيرني وأرد عليه وأحيانا نتحدث في الأدب وأحاول أن أستحثه على الكتابة أكثر، وأن لا يستسلم للهو. وفي يوم من الأيام أصيب بانهيار نفسي ودخل إلى مستشفى الأمراض النفسية، ومن هناك كان يكتب لي كل يوم رسالة، فوصلني منه حوالي العشرين رسالة، وكنت بدوري أرد عليه، وقبل موته بسنة راجعت بعض الرسائل فوجدت أنها تشتمل على اشارات يمكن أن تهم الحقل الثقافي الأدبي المغربي، وتم نشرها.
دور
كيف تنظر إلى دور المثقف على ضوء الظرف الحالي الذي يعيشه الوطن العربي؟ وكيف تقرأ علاقة المثقف بالسلطة عموماً؟
سابقاً، كانت وضعية المثقف العربي صعبة جداً، لأنه لم يكن يتراءى لنا في الأفق، وكمثقفين، إمكانية الخروج من هذا المجتمع المغلق الخاضع للاستبداد. ان أهمية ما حدث في مصر وتونس تكمن في أن هاتين التجربتين فتحتا الطريق وأخرجتا التاريخ العربي من الثلاجة ليعاود المسار، فهذا الحدث عميق، لأنه لا أحد يمكن أن يتنبأ بالتطورات والعواقب ولكن ما حدث هو شيء يفتح باب الأمل، بمعنى أننا نعود كمثقفين إلى التفكير بأن التغيير أصبح ممكناً، مع الأخذ في الاعتبار أنه يحتاج الى صراع سنوات، ولكن الآن أصبح المثقفون العرب أمام مسؤوليات كبيرة، ولا يقبل منهم أي عذر في التخلي عن دفع هذه العجلة إلى الأمام، كون المثقفين يملكون وعيا متقدما. ولا مناص من أن يفتحوا حوارا مع الناس وأن يجهروا برأيهم، لأنهم سابقا كانوا يكتبون بشكل سري، أما الآن فاننا أصبحنا أمام مسؤولية واضحة، وهي أن هؤلاء الشباب استطاعوا أن يتقدموا خطوات، وأن يبرهنوا على أن التاريخ يمكن أن يحرك، ولكنهم في حاجة إلى خبرة المثقفين والمفكرين والسياسيين النزهاء.
ادوارد سعيد في كتابه المثقف والسلطة يقول ما معناه إن المثقف عندما يتحدث عن أي وضع لا يخصه، يتحدث بحرية تامة. ولكن عندما يتحدث عن وضعه الخاص يجد فيه حرجاً ولا يبوح بأي شيء وتجده حذرا ومتقاعسا...
المثقفون في المجتمع الأوروبي والاميركي، ومنهم ادوارد سعيد، بوسعهم التعبير عن أنفسهم بحرية، فهذا السيف الذي كان مسلطا على جميع رؤوس المثقفين العرب بدا على أنه يمكن أن يتزعزع، مع أن ذلك لم يحدث في كل البلدان العربية، ولكنها هذه خطوة تبقى أساسية. أما في الوقت الحالي، فلا أظن أن المثقف الذي يستحق أن يحمل هذا الاسم سيتقاعس عن اتخاذ مواقف جريئة باتجاه الدفع التاريخي إلى الأمام. ان المثقف يستعيد ثقته في المجتمع وفي الشباب.
تأثير نفسي
إلى أية درجة تعتقد أن الربيع العربي أثر على المثقف العربي؟
الربيع العربي أثر نفسياً على المثقف إلى درجة أنه دفع المثقف إلى الخروج من قوقعته، لأن هذه الحركة مهما بدت صعبة حتى الآن، إلا أنها ستسير إلى الأمام، ولن يكون تاريخ المجتمعات العربية منذ الآن، كما كان من قبل، حتى المجتمعات التي لم تحدث فيها ثورة، مثل الخليج، فالضوء سيأتي لأن عوامل تراكم الوعي موجودة، وهذا الغياب القسري للديمقراطية لا يمكن أن يحل المشاكل. كل من كان يتردد على مصر منذ عشر سنوات كان يدرك بأن هذا الوضع من المستحيل أن يبقى، الناس لا تستطيع أن تأكل وأن تعيش. هناك وضع مادي الآن في جميع الطبقات ، فما يحدث في سوريا نجد يشي بأن الفئات المسحوقة هي التي تقوم بالثورة وتقبل الموت يومياً وتتحدى وهي تعرف بأن النظام يستند على الجيش. فهناك فعلاً وضع يغير المعطيات.
ما الحدود الفاصلة ما بين السارد والمسرود وما بين الراوي في الحكاية والراوي في الواقع، وذلك طبقا لماهية الجرعة الذاتية التي تبثها في الرواية و الجرعة الموضوعية؟
أعتبر أن كل كتابة لها صفة التخييل تبتعد منذ المنطلق عن الواقع، حتى في السيرة الذاتية، ولكن استثمرت تجربتي الحياتية وأشياء عشتها فيما كتبت، الا ان هذه الكتابة لم تكن تتقصد استنساخ الواقع الذي عشته أو استنساخ الواقع الموضوعي، لأن الموضوعية مستحيلة في الكتابة الروائية والقصصية ، ولذلك يعتبر التخييل العنصر الأساسي، أي أننا ننطلق من الواقع، لنتمثل تجارب معينة، ولكن عندما نضيف إليها عنصر التخييل ننبه القارئ إلى أن هذا الذي نحكيه أو نسرده كان يمكن أن يكون مختلفا عن ما عشناه، وأنك ما تعيشه أنت كقارئ كان يمكن أن يكون مختلفاً أيضا. ما أقصده في الروايات وفي الحبكة والشخصيات وفي التأمل ونقل أنماط الكلام المتباينة هو أن أحث القارئ على أن يعيد تصور الأشياء وتصور حياته وتصور حياة بعض الشخصيات في الرواية ليدخل في حوار، حيث يمكن للأشياء أن تكون مختلفة ومن هنا يبدأ التفكير إلى جانب المتعة الجمالية.
هل لهذا التصور أو هذه الرؤية منسوب واحد في كل الأعمال التي قدمتها، أم هناك تفاوت ما بين عمل وآخر؟
هناك تباين، ولكن هذا التباين يحافظ على بعض العناصر الجمالية مثلاً ككتابة رواية داخل رواية أو وضع الرواية في مجموعها موضع تساؤل يشكك في صحتها كراوية" لعبة النسيان"، فعنصر التشكيك يدفع القارئ إلى أن لا يندمج تماما وأن يحافظ على وعيه وهو يقرأ هذه النصوص. في رواية (حيوات متجاورة)، استوحيت بعض الشخصيات من المجتمع وفي الوقت نفسه، يمتزج العنصر الذاتي لبعض الأحداث، ولكن من دون أن أسعى إلى التأريخ لذلك، فالشيء يحكى من منظورات متعددة كما فعلت في (لعبة النسيان)، فيبدو التاريخ على غير ما ينقل إلينا . الروائي يمتلك الحرية في أن يشكك في التاريخ وأن يصححه على طريقته وأن يناقضه بأحداث أخرى، وهذا هو مجال التخييل.
بنية مفتوحة
أحد النقاد يقول عنك بأنك تضبط ايقاع الرواية في كل فقرة أي لا تترك لنفسك العنان للتخييل أو جمالية النص والصورة، ولا تترك لنفسك حرية أن تمضي فيها إلى الآخر، وإنما هناك هندسة دقيقة للنص .
أفكر في النص قبل أن أكتبه والانفلات يأتي في بعض اللحظات عندما يستيقظ اللاوعي ويتخطاك. كل رواياتي لا تقوم على بنية تقليدية، بنيتها بنية مفتوحة قابلة لأن يعيد القارئ تركيبها وتأويلها، وهذه البنية المتعددة يجب أن تصب في مجرى تأملي في نهاية المطاف.
ما موقفك من استخدام العامية في الأعمال الأدبية التي انتشرت في بلدان عربية مثل مصر ولبنان، أكثر من المغرب العربي؟
القرابة بين العامية والفصحى قرابة قوية ويمكن أن نستفيد منها، ومعظم الكلمات العامية تنحدر من الفصحى. فانا استعمل العامية لأنني أعتبر أن اللغة هي التي ترسم وتكشف الشخصيات، ويمكن أن نستشف من خلالها طريقة تفكير الشخصية، وان تساعدنا على الدخول إلى أعماق الشخصية.
هل تعتبر أن هناك علاقة جدلية ما بين المنتج الابداعي ورافده النقدي؟
كل أدوات التعبير تخضع الآن إلى تحولات، ونحن في المجتمعات العربية لم نبذل جهدا كافيا بعد لضبط هذه التحولات. عندما نقول أن هناك خلل بين الانتاج والنقد، فهل على النقاد أن يقرؤوا وأن يستوعبوا كل ما ينتج؟ وهو بالمئات، ومنه الجيد ومنها الرديء. فالناقد لا يمكنه أن يتابع كل شيء. النقد يجب أن يكرس للكتب وانتاجات الابداعات التي تشتمل فعلاً على موهبة، وعلى إضافات بشكل ما.
من ناحية المنهج، أين تؤطر النقد العربي عموماً؟
يجب أن نخرج من مرحلة الاستشهاد بالمناهج الغربية، يمكن أن نقرأها وأن نستوعبها ولكن نحن في فترة تستدعي أن نقرأ انتاجنا الأدبي على ضوء ما نعيشه في مجتمعنا وعلى ضوء الأسئلة المطروحة مستعينين بهذه المناهج، ولكن دون أن نجعلها عبئاً . هناك مجموعة من النقاد في العالم العربي يعون هذا الشيء وهناك دراسات كثيرة تنجز على مستوى الأطروحات والأبحاث الأكاديمية. ولكنها تظل سجينة الجامعات والمؤسسات، فكيف نخرجه من هذا القفص ونسربه إلى المجلات وإلى الصحافة التي يمكن أن تلعب دورا هاما في المناقشة؟
الدكتور محمد برادة يكتب البحث والرواية والقصة القصيرة والترجمة والمقال، ما صلة الوصل التي تجمع بين كل هذه الأشكال الكتابية؟
ففي كل النصوص التي كتبتها أحاول أن أربط بين الشخصيات وبين اللغة التي تتحدثها والتي تفكر بها، والتي تحيلنا كقراء على مرجعية معينة، لذلك أجد توازناً في المزاوجة بين الكتابة الروائية، وبين الكتابة النقدية وفي الأخيرة لا أطبق منهجاً أكاديمياً، ولكن أحاول أن أضيء هذه النصوص عندما أتفاعل معها، ومع دلالاتها وطريقتها، ولذلك لا أكتب كثيراً، ولكن أكتب دائماً، والآن أنا بصدد انهاء رواية جديدة حول المغرب كوني مخضرما، عشت ما قبل وبعد الاستقلال، لا بقصد التأريخ، وإنما بقصد نقل أصداء تلك المرحلة كما هي باقية في نفوس الشخصيات.